خروج المنتخب الوطني المغربي من ربع نهائي كأس العالم 2026 أمام فرنسا ترك ألماً كبيراً في نفوس الجماهير المغربية، خصوصاً أن الحلم كان أكبر من بلوغ هذا الدور، وأن سقف الطموح ارتفع كثيراً بعد المسار القوي الذي بصم عليه “أسود الأطلس” خلال البطولة. غير أن قسوة الهزيمة لا يجب أن تدفع إلى نسيان ما تحقق، أو اختزال مشاركة كاملة في مباراة واحدة لم تسر كما كان يتمناها المغاربة.
في كرة القدم، تبدو الأحكام بعد صافرة النهاية سهلة وسريعة. فبعد كل خسارة، يتحول كثيرون إلى مدربين ومحللين، ويصبح كل قرار محل نقاش، وكل اختيار سبباً مباشراً في النتيجة. وهذا أمر مفهوم إلى حد كبير، لأن حب المنتخب يجعل الخيبة مؤلمة، ويفتح الباب أمام الغضب والرغبة في المحاسبة. لكن بين حق الجمهور في الحزن والنقد، وواجب الإنصاف، توجد مسافة لا ينبغي إضاعتها.
نعم، انهزم المنتخب المغربي أمام فرنسا، ونعم، كانت الجماهير تنتظر ليلة مختلفة، ونعم، كان الحلم أكبر من التوقف عند ربع النهائي. لكن كرة القدم لا تعترف إلا بحقيقة بسيطة: هناك منتخب ينتصر، ومنتخب ينهزم. لذلك، ليس من العدل أن يمحو الإقصاء كل ما بناه المنتخب، أو أن تتحول مباراة واحدة إلى حكم نهائي على جيل كامل حمل الراية المغربية بين كبار العالم.
المغرب ضمن أفضل ثمانية منتخبات في العالم
أنهى المنتخب المغربي مشاركته في مونديال 2026 ضمن أفضل ثمانية منتخبات في العالم، في نسخة شارك فيها 48 منتخباً. وهذا المعطى، في حد ذاته، يستحق أن يُقرأ بهدوء كبير، بعيداً عن لحظة الغضب التي تلي الهزيمة مباشرة.
الوصول إلى ربع نهائي كأس العالم إنجاز كبير، ولا يتحقق بالصدفة أو بالعاطفة وحدها. إنه نتيجة عمل طويل، وتراكم بدأ منذ سنوات، ورغبة واضحة في تثبيت المغرب داخل دائرة المنتخبات القادرة على المنافسة في المواعيد الكبرى. فالمنتخب المغربي لم يعد يدخل البطولات العالمية فقط من أجل المشاركة أو الخروج المشرف، بل أصبح يرفع سقف الانتظار، ويفرض احترامه، ويجعل خصومه يحسبون له ألف حساب.
لقد أبان “أسود الأطلس” خلال هذه البطولة عن شخصية قوية، وعن قدرة على مقارعة منتخبات كبيرة، وعن رغبة في الذهاب بعيداً. وقد يكون الخروج أمام فرنسا مؤلماً، لكنه لا يلغي أن المنتخب المغربي صار رقماً حاضراً في الحسابات الكبرى، وأن ما حدث في السنوات الأخيرة لم يكن لحظة صدفة، بل بداية مسار يجب حمايته وتطويره.
النقد مطلوب.. لكن الهدم ليس حلاً
من الطبيعي أن يناقش الجمهور اختيارات المدرب، وأن يتوقف عند الأخطاء التي ظهرت في المباراة، وأن يسأل عن التفاصيل التي صنعت الفارق أمام فرنسا. فالنقد جزء من كرة القدم، والمحاسبة الهادئة مطلوبة بعد كل محطة كبرى، خاصة عندما يتعلق الأمر بمنتخب وطني يحمل آمال الملايين.
لكن النقد شيء، والهدم شيء آخر. فالخطأ وارد في كرة القدم، والاختيارات التقنية يمكن أن تصيب أو تخطئ، والتفاصيل الصغيرة قد تحسم مباراة في هذا المستوى. غير أن تحويل الإقصاء إلى جلد جماعي، أو التعامل مع الخسارة وكأنها كارثة تمحو كل شيء، لا يخدم المنتخب ولا الكرة المغربية.
المنتخب الذي وصل إلى ربع نهائي كأس العالم يحتاج إلى تقييم دقيق، نعم، لكنه يحتاج أيضاً إلى دعم وثقة واحتضان. يحتاج إلى قراءة تقنية تساعد على التصحيح، لا إلى موجة غضب تهدم الروح الجماعية. فالأمم الكروية القوية لا تبني مستقبلها عبر الانفعال فقط، بل عبر تحليل هادئ يعرف أين أخطأ، وأين أصاب، وكيف يمكن أن يعود أقوى.
الإقصاء ليس نهاية الطريق
الإقصاء من كأس العالم مؤلم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنتخب جعل الجماهير تحلم بما هو أبعد. لكنه، في النهاية، ليس نهاية الطريق. فالمنتخبات الكبرى لا تُبنى فقط بالانتصارات، بل تُبنى أيضاً بطريقة تعاملها مع الهزائم، وبقدرتها على تحويل الخيبة إلى درس، والألم إلى طاقة جديدة.
ما بعد مباراة فرنسا يجب أن يكون أهم من المباراة نفسها. المطلوب اليوم ليس الوقوف طويلاً عند الحسرة، بل طرح الأسئلة الصحيحة: ماذا تعلم المنتخب من هذه البطولة؟ ما هي المراكز التي تحتاج إلى تعزيز؟ كيف يمكن تطوير الأداء التكتيكي؟ وكيف نحافظ على الروح الجماعية التي ميزت المنتخب في السنوات الأخيرة؟
هذه الأسئلة هي التي تصنع المستقبل. أما الاكتفاء بالغضب، أو اختزال كل شيء في لحظة الإقصاء، فلن يضيف شيئاً. الخروج من ربع النهائي يجب أن يكون محطة مراجعة، لا منصة لتصفية الحسابات. ويجب أن يتحول إلى بداية مرحلة أكثر وضوحاً، لا إلى نهاية مشروع كروي أظهر أنه قادر على المنافسة.
قراءة الإنجاز من زاوية الأمل
المطلوب اليوم أن نقرأ ما حدث من زاوية الأمل، لا من زاوية التشاؤم. صحيح أن المغرب خسر أمام فرنسا، لكن المشروع لم يسقط، وقيمة هذه المجموعة لم تنته، والمنتخب لم يختف من الخريطة الكروية العالمية.
هذا منتخب يملك قاعدة قوية، ولاعبين بمستوى عالٍ، وجمهوراً استثنائياً، وتجربة مهمة تراكمت في أصعب المواعيد. وهذه كلها عناصر يجب أن تُستثمر، لا أن تُحرق في لحظة غضب. فالمنتخبات التي تريد الاستمرار لا تبني خطابها على عبارة “انتهى كل شيء”، بل على سؤال أكثر نضجاً: “ماذا بعد؟”.
وما بعد مونديال 2026 يجب أن يكون أكثر وضوحاً. المزيد من العمل، المزيد من الجرأة، المزيد من تصحيح التفاصيل، والمزيد من الإيمان بأن المغرب قادر على العودة أقوى. فالخسارة أمام منتخب قوي مثل فرنسا لا تعني أن الطريق انتهى، بل تعني أن مستوى الطموح صار يتطلب عملاً أدق، وتحضيراً أقوى، وقدرة أكبر على حسم اللحظات الكبرى.
المنتخب يحتاج الدعم عند الخسارة أيضاً
المنتخب الوطني لا يحتاج إلى الدعم فقط عند الفوز. يحتاج إليه أيضاً عند الخسارة، وربما أكثر. فمن السهل أن تمتلئ الشوارع بعد الانتصارات، ومن السهل أن تُرفع الأعلام عندما تأتي النتائج كما نريد، لكن الوفاء الحقيقي يظهر في لحظات الإقصاء، حين يكون اللاعبون في حاجة إلى كلمة إنصاف وسند معنوي يعيد لهم الثقة.
لقد قاتل اللاعبون في بطولة طويلة، وفرحوا الجماهير، وحملوا الراية المغربية بين الكبار. ورغم الخروج، فقد كانوا جزءاً من مسار جعل المغرب ضمن أفضل ثمانية منتخبات في العالم. لذلك، من حقهم على الجمهور أن ينتقدهم بوعي، لا بقسوة، وأن يطالب بالتطوير، لا بالهدم، وأن يساندهم لأن البطولات القادمة لن تنتظر كثيراً.
كرة القدم لا تمنح ضمانات لأحد، لكنها تكافئ من يتعلم بسرعة. والمنتخب المغربي يملك اليوم قاعدة يمكن البناء عليها، شرط ألا نسمح للهزيمة بأن تتحول إلى عقدة، أو أن نسمح للخيبة بأن تطمس قيمة ما تحقق.
ما بعد فرنسا أهم من فرنسا
قد تكون مباراة فرنسا قد أنهت مشوار المنتخب المغربي في مونديال 2026، لكنها لا يجب أن تنهي النقاش الإيجابي حول المستقبل. فالمغرب لا يبدأ من الصفر، بل يبدأ من قاعدة عالية وصل إليها بفضل عمل ومجهود وتراكم.
الرهان الآن هو حماية هذه القاعدة، وتطويرها، وتصحيح النقائص التي ظهرت، مع الحفاظ على الثقة في المجموعة وفي المشروع. فالتقدم في كرة القدم لا يعني الفوز دائماً، بل يعني أيضاً القدرة على التعلم من الخسارة، وتجاوز الألم، والعودة بشكل أقوى.
الهزيمة أمام فرنسا يجب أن تكون درساً، لا حكماً نهائياً. ويجب أن تكون بداية مراجعة هادئة، لا مناسبة لإحباط كل ما تحقق. فالمنتخب الذي يصل إلى ربع نهائي كأس العالم في نسخة تضم 48 منتخباً لا يمكن التعامل معه كأنه فشل، حتى وإن كان الطموح أكبر من ذلك بكثير.
الحلم لم يمت
انهزام المنتخب المغربي مؤلم، لكنه لا يمحو الإنجاز. ولا يجب أن ننسى أن كرة القدم فيها منتصر ومنهزم، وأن مسار منتخب كامل لا يمكن اختزاله في مباراة واحدة، مهما كانت قسوتها.
المغرب كان بين أفضل ثمانية منتخبات في العالم، وهذا مكسب كبير، حتى وإن كان الحلم أكبر. الخطأ وارد، والتصحيح واجب، لكن الدعم ضروري. فالمنتخب الوطني المغربي يحتاج اليوم إلى قراءة عادلة، وإلى جمهور يؤمن بأن الإقصاء ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة أكثر نضجاً ووضوحاً.
الحلم لم يمت. لقد تأجل فقط إلى موعد جديد.



