حين دافعت الجزائر عن إفريقيا… وغاب المغرب

أخبار وطنية
عرض الملخص السريع
بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية عندما يتكلم التاريخ وتختار الذاكرة ما يناسبها… يقرر بعضهم أن يتجاهله غالبًا ما تكشف الشهادات الدبلوماسية المتأخرة أكثر مما تخفي، ليس لأنها تُنير زوايا معتمة…

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

  • عندما يتكلم التاريخ وتختار الذاكرة ما يناسبها… يقرر بعضهم أن يتجاهله

غالبًا ما تكشف الشهادات الدبلوماسية المتأخرة أكثر مما تخفي، ليس لأنها تُنير زوايا معتمة من التاريخ، بل لأنها تُظهر حدود الذاكرة السياسية حين تُستدعى خارج سياقها الزمني. من هذا المنطلق، تثير تصريحات الدبلوماسي الجزائري نور الدين جودي، الواردة ضمن كتاب Maghreb Noir، تساؤلات مشروعة حول كيفية استحضار أدوار الدول المغاربية في دعم حركات التحرر الإفريقية.
الكتاب، الذي أنجزته باحثة أمريكية فرنسية متخصصة في العلاقات الإفريقية المغاربية، يضم شهادات لكتاب وباحثين ودبلوماسيين من المغرب والجزائر وتونس. غير أن بعض هذه الشهادات، ومن بينها شهادة جودي، تنحو نحو تقييم انتقائي للتاريخ، يختزل أدوارًا معقدة في سرديات مبسّطة، ويُغفل وقائع موثقة لا تزال محفوظة في الأرشيفات الدولية.

  • سؤال التوقيت: متى بدأ “الدعم”؟

يؤكد جودي في شهادته أن المغرب لم يدعم الحركات التحررية الإفريقية بالقدر نفسه الذي فعلته الجزائر. غير أن هذا الطرح يصطدم بسؤال زمني أساسي:
الجزائر لم تنل استقلالها إلا في أواخر عام 1962.
في المقابل، كانت دول إفريقية عديدة قد حصلت على استقلالها قبل هذا التاريخ، بينما كان المغرب، المستقل منذ 1956، منخرطًا فعليًا في دعم حركات تحرر إفريقية مختلفة، سياسيًا ولوجستيًا، وفي بعض الحالات عسكريًا، في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد.
هذا المعطى الزمني ليس تفصيلًا تقنيًا، بل عنصرًا حاسمًا في تقييم الأدوار، لأنه يضع مسألة “من دعم من، ومتى” في إطارها الواقعي بدل إسقاطها على سرديات لاحقة.

  • الرباط كمحطة مركزية في شبكات التحرر الإفريقي

خلال ستينيات القرن الماضي، شكّلت الرباط إحدى نقاط الالتقاء الأساسية لعدد من قادة حركات التحرر في المستعمرات البرتغالية، من بينهم:

  • مارسيلينو دوس سانتوس (موزمبيق)
  • أغوستينتو نيتو (أنغولا)
  • أميكار كابرال (غينيا بيساو)
    ومن داخل المغرب، جرى تأسيس مؤتمر المنظمات القومية للمستعمرات البرتغالية (CONCP)، الذي لم يكن إطارًا فكريًا فحسب، بل منصة تنسيق سياسي وتنظيمي بين حركات تحرر مسلحة.
    كما استقبل المغرب سنة 1963 سامورا ماشيل، الذي أصبح لاحقًا أول رئيس لجمهورية موزمبيق المستقلة، إلى جانب عدد من قادة الجبهة، حيث تلقوا تكوينًا عسكريًا شمل أسس القتال غير النظامي والتنظيم الميداني.
  • الدعم المادي… ثم انقلاب المواقف

رغم محدودية موارده في تلك المرحلة، قدّم المغرب دعمًا ماليًا مباشرًا لبعض حركات التحرر الإفريقية، بلغ نحو مليون دولار في أوائل الستينيات، وهو مبلغ مهم بمعايير تلك الفترة. وقد استفادت منه، من بين حركات أخرى، جبهة تحرير موزمبيق.
غير أن التحولات الجيوسياسية اللاحقة، ولا سيما بعد الاستقلالات المتتالية، أفرزت اصطفافات جديدة، انتهى بعضها إلى مواقف سياسية معاكسة للمغرب، بما في ذلك الاعتراف بجبهة البوليساريو، في سياق إقليمي طبعته المنافسة الدبلوماسية واستخدام المساعدات كأداة نفوذ.

  • إفريقيا والذاكرة الانتقائية

لا يتعلق الأمر هنا بتوجيه اتهامات، بقدر ما هو نقاش حول الذاكرة السياسية وكيف تُعاد صياغتها لاحقًا. فدعم حركات التحرر الإفريقية لم يكن حكرًا على دولة واحدة، ولا يمكن اختزاله في رواية أحادية، خصوصًا حين تتجاهل الأدوار المبكرة أو غير المعلنة.
لقد دفع المغرب، في حالات عديدة، ثمن اختياره العمل بعيدًا عن الاستعراض السياسي، بينما استفادت أطراف أخرى من خطاب أكثر صخبًا في مراحل لاحقة.

  • خلاصة

إن إعادة قراءة تاريخ دعم حركات التحرر الإفريقية تقتضي قدرًا من الدقة الزمنية والتوازن التحليلي.
فالسؤال ليس من يملك اليوم سردية أعلى صوتًا، بل من كان حاضرًا حين كانت تلك الحركات في طور التشكل.
وفي هذا السياق، يبقى الجدل حول “من دعم إفريقيا” مفتوحًا، لكنه لا يحتمل تبسيطًا يُقصي الوقائع أو يعيد ترتيبها وفق ضرورات الحاضر.