في زمن تكاثرت فيه أسئلة التخلف والنهضة، وعمّ فيه الجدل حول علاقة الدين بالدولة والديمقراطية، يطل علينا الباحث الأستاذ إبراهيم بوغضن بكتاب جديد يُعنى بتأصيل الفقه السياسي عند أحد أبرز مفكري الإسلام المعاصرين: الشيخ محمد الغزالي. “في أصول الفقه السياسي وقضاياه عند الشيخ الإمام محمد الغزالي” كتاب يسد ثغرة في المكتبة العربية و الإسلامية، إذ يستعرض آراء الغزالي السياسية بشكل مستوعب، ويكشف عن أصوله الكبرى التي بنى عليها رؤيته للإصلاح، ومنها الانفتاح على الخبرات الإنسانية في الشرق والغرب، واعتماد الديمقراطية سبيلا لتنظيم الحكم.
في هذا الحوار الذي خص به موقعنا، يجيب بوغضن عن أسئلة جوهرية، كيف عالج الغزالي إشكالية “لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم”؟ وما الجديد الذي يضيفه الكتاب عن الدراسات السابقة؟ وما الذي يميز الغزالي في التأصيل للفقه السياسي؟ كما يتطرق إلى أبرز خلافاته مع العلمانيين والسلفية الوهابية، ويقدم قراءة استشرافية لمخاطر التجزئة التي تهدد الأمة، داعيا إلى وعي شامل وتحالف قوى التحرر…حوار ثري وضروري لكل مهتم بالفكر الإسلامي المعاصر وقضايا النهضة والإصلاح.
حوار خاص مع إبراهيم بوغضن
ما الجديد الذي يضيفه الكتاب للدراسات السابقة حول الغزالي؟
كُتبت عن الشيخ الغزالي عشراتُ المؤلفات، ونُظمت حول فكره ندواتٌ كثيرة، وسُجلت أطاريحُ جامعية على مستوى الماجستير والدكتوراه في جوانب تخصصية من عطائه العلمي والفكري والثقافي، بعضها وجد طريقه إلى النشر، وبعضها مازال في رفوف الجامعات. وقد أشرتُ إلى بعضها في متن الكتاب، منها على سبيل المثال: جهود الشيخ محمد الغزالي في الحديث والفقه للدكتور مسعود صبري ابراهيم، و (جهود الشيخ الغزالي في رد مطاعن المستشرقين) و ( قضايا العقيدة في فكر الشيخ محمد الغزالي) كلاهما للشيخ الدكتور محمد الصغير، و ( الشيخ محمد الغزالي رائدُ منهجِ التفسير الموضوعي في العصر الحديث) للدكتور مسعود فلوسي، و (الشيخ محمد الغزالي ومنهجه في تفسير القرآن الكريم) للأستاذ امجد يونس عبد مرزوك، وهناك كتب تناولت مجمل فكره الإصلاحي مثل كتاب ( الغزالي كما عرفته: رحلة نصف قرن) للقرضاوي، كما خَصَّصت بعضُ المجلات المحكمة أعدادا خاصة لجوانب متنوعة من فكره منها الجانب السياسي مثل مجلة (إسلامية المعرفة) و مجلة (البلاغ الحضاري). هذا الاهتمام الأكاديمي بعطائه الفكري يُبين المكانة العلمية التي يقتعدها رحمه الله في الفكر الإسلامي المعاصر. غير أن ما لفت نظري أن الدراسات المستوعبة لمجمل آرائه السياسية قليةٌ، بل نادرة. ولهذا جاء هذا الكتاب كي يسد جزءا من هذه الثغرة دون أن يدعي أنه أحاط بجميع آراء الشيخ، علما أنني حذفت في هذه الطبعة مبحثا بعنوان ( العلاقات الدولية في الإسلام من منظور الغزالي)، حتى لا يطول الكتاب أكثر مما طال، وأشرت في الخاتمة إلى مباحث أخرى وجب على الباحثين سبر أغوارها في مؤلفات الشيخ.
و من الجديد الذي يضيفه الكتاب هو أنه تطرق إلى الأصول الكبرى التي ينطلق منها الغزالي في فقهه وفكره السياسي، وهي على قسمين: رئيسية وتكميلية، ومن المثير أن البحث خلص إلى أن أحد هذه الأصول التكميلية هو(الخبرة الإنسانية في الغرب والشرق)، وهو جدير بالإبراز لما فيه من رؤية تجديدية وتنويرية، ودعوة إلى الانفتاح على التجارب الإنسانية حيثما وُجدت، دون خوف أو تردد. كما أبرز الكتابُ الأدوات التي يوظفها الغزالي في التفهيم والإقناع السياسيين، وأزعم بكل تواضع أن أحدا قبلي لم يتطرق لها، وهي سبع أدوات: أداة ( التأويل المقصدي) و أداة (التفهيم بالنموذج)، وأداة (المقارنة)، وأداة (الجدل والمناظرة)، وأداة الانخراط المباشر في الفعل الإصلاحي اليومي، وأداة (الموازنة والترجيح)، وأداة (الجمع بين فقه النص وفقه الواقع). كما أبرز الكتاب آراء الشيخ في قضايا لها خطورتها وحساسيتها شغلت الباحثين والمهتمين بفكر الحركات الإسلامية ، مثل قضية الحاكمية، والطاعة السياسية، وتطبيق الشريعة في الدولة الحديثة، وعلاقة الدين بالدولة، والموقف من مصطلحات الفكر السياسي الحديث كالديموقراطية والقومية والاشتراكية بمعنى العدالة الاجتماعية، كلها محاور جديدة من حيث زاوية معالجتها، ومنهجية بحثها، والاستنتاجات التي اهتدى إليها. على سبيل المثال، فإن الغزالي صك مصطلح (الديموقراطية الإسلامية) منذ بداية الخمسينيات، وفي السنوات الأخيرة تبنت حركة النهضة الإسلامية بتونس هذا التوجه، وأصبح عنوانُ مشروعها السياسي يتمحور حول تيمة (الديموقراطية المسلمة) التي نَظَّر لها زعيمها راشد الغنوشي فك الله أسره.
لماذا اختيار وصفي عاشور ابوزيد لتقديم العمل؟
من المعلوم أن نجاح أيِّ كتاب جديد يتوقف، بالإضافة إلى أصالته، ومضمونه، ومنهجيته، على من قدَّم له. ويحضرني بهذه المناسبة ما حكاه الشيخ الرباني والداعية الكبير، أبو الحسن الندوي، أنه لما انتهى من تأليف كتابه الشهير ( ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) تنقل من الهند إلى القاهرة كي يلتقي بالأديب المعروف آنذاك أحمد أمين، وطلب منه أن يكتب مقدمة لكتابه، وهو ما حصل بالفعل في الطبعة الأولى، غير أن احمد أمين لم يكتب مقدمةً تعبر عن مستوى وأهمية ما تضمنه الكتاب من أفكار، مما أصاب المؤلفَ بنوع من الإحباط وعدم الرضا، فما كان منه إلا أن اتجه صوب الأستاذ سيد قطب لكتابة مقدمة أخرى للكتاب، وهو ما استجاب له سيد قطب، وأعطى بذلك مكانة أخرى للكتاب ، وعرفَه الكثيرون عبر تقديم سيد له. فالمؤلفون ينتقون بعناية من يقدم لمؤلفاتهم كما ينتقي الآباء من يتزوج بناتهم. بالنسبة لي، لم أتردد كثيرا في اختيار الاسم الذي سأطلب منه كتابة تقديم للكتاب، لأنني على علم أن الدكتور وصفي عاشور ابوزيد يُعتبر واحدا من تلاميذ الغزالي النجباء، وواحدا من كبار المتخصصين المعاصرين في فقه مقاصد الشريعة، وله إسهامات علمية كثيرة في مختلف الحقول المعرفية الشرعية، حيث أثرى المكتبة الإسلامية المعاصرة بأزيد من 26 كتابا في مختلف العلوم الشرعية، عدا مئات البحوث والمقالات، بالإضافة إلى أنه يكتب كل سنة تقريبا مقالا عن الغزالي في ذكرى مولده أو وفاته، كما أشرف على تنظيم ندوة دولية كبرى باسطنبول بمناسبة مرور مائة سنة على ميلاده ، تحت عنوان ( مئوية الإمام الغزالي: أضواء على فكره، وفقهه، وبحوث في مسيرته الدعوية الإصلاحية) جُمعت أبحاثُها في مجلدين ضخمين، شارك فيها نخبةٌ من المفكرين، والعلماء، والدعاة، من أبرزهم يوسف القرضاوي، علي القره داغي، عماد الدين خليل، طارق البشري، صلاح الدين سلطان، محمد عمارة، حلمي محمد القاعود، جاسر عودة، مجد مكي، عطية عدلان، رمضان خميس الغريب … لكل هذا سارعتُ إلى الاتصال به فاستجاب مشكورا وكتب مقدمة الكتاب.
ما الذي يميز الغزالي في التأصيل للفقه السياسي مقارنة بغيره من المفكرين الإسلاميين المعاصرين؟
مما يميز الغزالي في التأصيل للفقه السياسي عدة أمور، أوجزها فيما يلي:
أولا- المنهج الذي تبناه الغزالي في نظرته إلى القرآن الكريم، ومنهجية التعامل معه، وكيفية الاستنباط منه، والتأمل فيه، وكيف نطبقه على الواقع المعاصر، وعلاقته بالسنة النبوية، وبالتجارب التاريخية للمسلمين على امتداد خمسة عشر قرنا. هذا المنهج يقوم على الجمع بين القراءتين: قراءة الوحي وقراءة الوجود. وهو كثيرا ما كان يردد أن الإسلام هو ” قلبُ تقي وعقلٌ ذكي”، قلب تقي مليء بمحبة الله ورسوله، وايثار الآخرة، يحترم نصوص القرآن والسنة الصحيحة، وعقل ذكي يجوب آفاق الكون مكتشفا سنن الله في الأنفس والآفاق.
ثانيا- الاستقلالية وحرية التفكير: لا يمكن للعالِم أن ينتج فكرا إسلاميا ملائما للحياة المعاصرة، ومستجيبا لتحدياتها المعقدة، ولتطلعات إنسان القرن العشرين وما بعده إلا باستقلال فكري يقوم على رفض التعصب المذهبي، وعدم تقديس الأشخاص مهما علا كعبهم في العلم والفقه، والأخذ من جميع المذاهب الإسلامية، وهو ما يتجلى في الفقه السياسي عند الغزالي، خذ رأيه في دية المرأة، إنه مثال صارخ في هذا المجال، فهو يرفض الرأي الفقهي المتوراث القائل بأن دية المرأة على النصف من دية الرجل، معتبرا ذلك سوأة فكرية وخلقية، لأن الدية في القرآن واحدة للرجل والمرأة، ودم المرأة ليس أبدا أرخص من دم الرجل. إنه يؤسس رأيه على مقصد كبير من مقاصد الشريعة وهو أصل المساواة في الإنسانية بين الرجل والمرأة.
ثالثا- التمييز بين مصادر الإسلام المعصومة ( القرآن والسنة) وبين الفكر الإسلامي غير المعصوم، وبالتالي فهو يرفض الادعاء بأن السابقين لم يدَعوا للاَّحقين مجالا للاجتهاد والتجديد، إن الإسلام بتعبيره هو صائغ الأئمة المجتهدين وهم لم يصوغوه …ومصادر الإسلام معصومة لأنها من عند الله ولكن التفكير فيها والاستنباط منها غير معصوم، لأنه من عند الناس…”. ويغلب على اجتهاداته الجانب التطبيقي والتنزيلي، ولذلك فهي مؤسسة على النظر المقاصدي، والرؤية الكلية، وفقه الواقع والتوقع.
رابعا- الجرأة في الإفصاح عن الرأي والموقف مهما خالف توجهَ السلطة الحاكمة، أو سلطة الفقهاء القدامى والمحدثين، أو سلطة الجمهور، وكثيرا ما جرَّ عليه ذلك غضبَ هؤلاء جميعا.
خامسا- الانفتاح العقلي على الفكر الإنساني، لذلك فإن أحد أصول فقهه السياسي هو (الانفتاح على الخبرات الإنسانية في الشرق والغرب)، مما دفعه إلى القبول بمصطلحات الفكر السياسي الحديث كالديموقراطية التي يرى فيها أفضل وسيلة لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وشعاره المعلن دائما” العبرة ليست في العنوان الظاهر ولكن في الحقيقة القائمة”.
ما أبرز الخلاف بين الغزالي وبين العلمانيين؟ وبينه وبين الفكر السلفي الوهابي؟
الخلاف لم يكن بين الغزالي وبين العلمانيين فحسب، بل كان بينه وبين جميع خصوم وأعداء الإسلام، في الداخل والخارج. لقد كان طيلة حياته المديدة في قلب معارك فكرية وثقافية متعددة ومتنوعة ، فمن مواجهة الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي، إلى مصارعة الرأسمالية المتوحشة، والإقطاع الاقتصادي، إلى منازلة العلمانية المتطرفة التي حاولت أن تغزو عقول الشباب بلبوس متعددة، تارة تحت غطاء الشيوعية التي فضحها الشيخ وسماها الزحف الأحمر ، وتارة تحت غطاء القومية العربية المتدثرة بالثوب الاشتراكي في الحقبتين الناصرية والبعثية، وتارة أخرى تحت عنوان الاستشراق والبحث العلمي الرصين، كما حارب التنصير الذي كانت تموله وتنشره الكنائس الغربية في بلاد المسلمين تحت ذريعة الخدمات الاجتماعية للفئات الفقيرة … نعم واجه الغزالي كل التيارات الوافدة من الغرب، والهادفة إلى نشر التغريب، والإلحاد، والتبعية للآخر، وألَّف في ذلك كتبا كثيرة. لكن معالجاته تتسم دائما بالإنصاف، والعدل. بالنسبة للعلمانية مثلا فهو يرى أنه إذا كان المقصود بها – وهو الحاصل عند غالبية دعاتها- فصلَ الدين عن السياسة و شؤونِ الدنيا، وقضايا الدولة، فإن ذلك معناه إماتةُ الإسلام بعباداته ومعاملاته معا، وهو أمر دونه الموت الزؤام. أما إذا كان المقصود بها التقدم العلمي، وحرية الإبداع والاختراع، وتحرير المرأة من فكر عصور الانحطاط، وعقلنة مناهج الفكر ونُظُم الإدارة، وإطلاق الحريات وحقوق الإنسان، فإن الشيخ يرى نفسه علمانيا لكونه يؤمن بكل ما ذكر! والكتاب فصَّل في هذه النقطة فليُرجع إليه.
أما واحدة من المعارك الفكرية الكبرى التي خاضها الغزالي بثبات، واقتدار، وجرأة قل نظيرها، وهي لا تقل بل تفوق المعارك السابقة من حيث الأهمية والخطورة، هي معركته مع الداخل الإسلامي، والذات الإسلامية، والعقل الإسلامي، معركته بالخصوص مع الفكر الظاهري الحَرْفي النصوصي متمثلا في الموجة السلفية التي عمت أنحاء العالم الإسلامي بعد الطفرة النفطية في دول الخليج العربي منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي. ومن المعلوم أن السلفيةَ سلفياتٌ، فهناك سلفية وطنيةٌ تحريريةٌ وتحرريةٌ، كما هو الشأن عند علال الفاسي، وعبد الحميد ابن باديس، وهناك سلفية تنزع نزوعا عقلانيا بيِّنا مثل سلفية الشيخ محمد عبده، وهناك سلفية يغلب عليها العمل على تحقيق ونشر كتب التراث خاصة الحديث كما هو الشأن عند محب الدين الخطيب واحمد شاكر وناصر الدين الألباني، وهناك سلفية منسجمة ومتآلفة مع التصوف كما عند الشيخ حسن البنا، وهناك سلفية جهادية تؤمن بقتال الكفار أينما وجدوا، وهناك سلفية “مخابراتية” مرجعيتها هو ما تريده قوى الأمن والمخابرات في الدول العربية ( من مسمياتها المدخلية والجامية والحدادية)، وتفاجأنا في السنتين الأخيرتين بما يمكن تسميته ب( السلفية المتصهينة) وهي التي أفتت بحرمة دفاع أهل غزة عن أنفسهم أمام الوحشية الصهيونية، ودعوا إلى عدم قتال الصهاينة إلا تحت راية ولي الأمر!. قبل خمسة عقود من اليوم، انتشرت مدرسةٌ تنتسب بدورها إلى السلفية، هي المدرسة النجدية أو الوهابية، ومن أعلامها البارزين الشيخ عبد العزيز لابن باز، و الشيخ ابن عثيمين، من السعودية، ويغلب عليها الانغلاق، والتشدد، والحَرْفية النصوصية، ورفض الآخر، والتركيز على التدين الشكلي ( اللباس، اللحية إعفاءً وصباغةً بالحناء …)، ومحاربة البدع والشركيات كالقبور والأولياء الصالحين، وغيرها من مظاهر التدين الشعبي، مع تبني المذهب الحنبلي في الفقه. وأصبح لفظ السلفية عند إطلاقه ينصرف به الذهن إليها.ومن فتاواهم المضحكة تحريم قيادة السيارة على المرأة.
ومما أخذه الغزالي على المدرسة السلفية النجدية وتوابعها، ما سماه (الفقه البدوي) ومن سماته: التعصب لمذهب فقهي دون آخر، الأخذ بظواهر النصوص، إنكار التعليل انطلاقا من موجهات عقل الإنسان، وتغييب السياق والواقع عند إصدار الاحكام، والتشدد والتعسير في الفتاوى، والاهتمام بالجزئيات والشكليات دون الكليات والمقاصد، وعدم اعتبار المصلحة في الاستدلال … يقول الشيخ مثلا: ” إن الحضارة التي تحكم العالم مشحونة بالأخطاء والخطايا، بيد أنها ستبقى حاكمةً مادام لا يوجد بديل أفضل. هل البديل جلبابُ قصير ولحية كثة؟ أم عقلٌ أذكى، وقلب أنقى، وخُلق أزكى، وفطرة أسلم، وسيرة أحكم؟ …إن السلطات المستبدة قديما وحديثا تسرُّها الخلافات العلمية التي لا تمسها! هل الشك ينقض الوضوء أم لا؟ هل رؤية الله في الآخرة ممكنة أم ممتنعة؟ هل قراءة الإمام تكفي عن المصلين أم لا تكفي؟ إن حكام الجور يتمنون لو غرق الجمهورُ في مثل هذه القضايا فلم يخرج، لكنه يشعر بضُرٍّ بالغ عندما يقال: هل الدولة لخدمة فرد أم مبدأ؟ لماذا يكون المال دولةً بين بعض الناس؟ هل يولد الناس – كما وُلدوا- أحرارا أم تستعبدهم سياطُ الفراعنة حينا ولقمةُ الخبز حينا؟” ، مشكلة الغزالي مع هؤلاء أنهم يقومون بتسطيح عقول الشباب، والدخول في معارك ثانوية بل تافهة باسم دين عظيم هو الإسلام، لا تليق بالشريعة المبنية على أصول مضبوطة وعلى المقاصد الكبرى كالعدل، والحرية، والمساواة، كما لا تليق بالدنيا التي بلغ الغرب شأوا عظيما في ترويضها بالعلم والمعرفة والإبداع. ولقد بلغ اشتباك الغزالي بهذا الفكر حد أن اصدروا ضد كتابه ( السنة النبوية بين اهل الفقه واهل الحديث) 14 كتابا هجوميا خلال سنة واحدة.
ما هي الرسالة التي تودون ايصالها للقارئ في هذه السياقات الراهنة بتحولاتها المتسارعة؟
استلهاما من الفقه السياسي عند الغزالي، ورؤيته في النظر إلى الواقع والتوقع، أقول أن الأمة الإسلامية اليوم على شفا الانهيار التام، وأن المسجد الاقصى المبارك – مسرى النبي الأكرم- قاب قوسين أو أدنى من الهدم على يد عصابات اليهود الصهاينة، وأن مسلسل التجزئة وتقسيم المقسم متسارع ( مخطط لتقسيم ايران إلى عدة دول، تقسيم سوريا، تقسيم العراق، تقسيم ليبيا، تقسيم السودان، تقسيم اليمن …)، وأن الاستعدادات الاسرائيلية للمواجهة مع تركيا وباكستان جارية على قدم وساق .
علينا جميعا أن نكون واعين بهذا المخطط الرهيب الذي يحاك ضد أمتنا العربية والإسلامية، بتواطؤ مفضوح من القوى المؤثرة في صناعة القرار العالمي وعلى رأسها والولايات المتحدة الأمريكية.
رسالتي للقارئ والمتابع أوجزها في العناوين التالية:
- الوعي بأن اليهودية المتصهينة هي أكبر عدو يهدد حاضر ومستقبل العالم الإسلامي كله، بل مستقبل الإنسانية جمعاء.
- ضرورة تعاضد، وتعاون، وتحالف جميع القوى الفاعلة في الأمة، الرافضة لمخططات الهيمنة، العاملة على عدم الاستسلام لأحلام العدو الصهيوني في تحقيق اسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات. وقوى التحرر التي يتعين عليها هذا التعاضد والتعاون من جميع التيارات دون استثناء: الإسلاميون الديموقراطيون من جميع المذاهب الإسلامية، اليسار الوطني، القوميون الأصلاء، العلمانيون المعتدلون، المسيحيون شركاء التاريخ والوطن، الأقليات المختلفة … لقد شاهدنا كيف تخلت الولايات المتحدة الأمريكية عن أكراد سوريا في الأشهر القلية الماضية بعدما وظفتهم لصالحها لعدة سنوات … على الجميع أن يعي جيدا أنه مستهدف.
- الوعي بأن المعركة التي نشاهدها اليوم هي في عمقها معركة للقضاء على الإسلام، وهي معركة مستمرة مادام اليهود الصهاينة محتلين لفلسطين ومسيطرين على العقل الغربي المعاصر، يقول الله تعالى ” و لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا”.
- التنسيق مع جميع قوى التحرر في العالم من أجل مستقبل أفضل للإنسانية، واقتناص حالة اليقظة والوعي التي نشاهدها في بعض شعوب ودول الغرب، بشأن جذور القضية الفلسطينية، وحقيقة اسرائيل كدولة قائمة على الإرهاب والدماء، وفهم ما وراء مقولة ” العداء للسامية” التي هي بمثابة سيف مسلت على الرقاب، وعلى العقول، وعلى كل ذي رأي حر منتقد لسياسات اسرائيل في الغرب. إنها فرصة تاريخية قد لا تتكرر، وعلينا اقتناصها لصالح الإنسانية.
- إلى جانب اسرائيل والفكر الصهيوني، يشكل الاستبداد والطغيان أم القضايا التي تهدد حاضر ومستقبل أوطاننا. بدون حلها، لا يمكن تحقيق أي تنمية مستقلة، ولا عدالة اجتماعية في توزيع الثروات، ولا مشاركة مواطنة في تنفيذ القرارات، ولا وحدة بين مكونات الأمة وأجزائها: لا وحدة وطنية، ولا وحدة قومية، ولا وحدة إسلامية. هذه هي رسالتي: الوعي، ثم الوعي، ثم الوعي.
ماذا عن مشاريعكم المستقبلية؟
أشتغل حاليا على عدة مشاريع فكرية، بعضها وصل مرحلة متقدمة في الإنجاز، وبعضها في بدايته. ما يمكنني أن أعلن عنه اليوم لعموم القراء والمتابعين للحياة الثقافية، هو أنني أنهيت ولله الحمد تحقيق كتاب ابني أيوب، عليه من الله واسع الرحمات، بعنوان ( التجارب الفكرية النقدية من داخل الحركة الإسلامية المعاصرة)، وقد سلمته منذ حوالي شهر لدار النشر التي ستشرف على طبعه وتوزيعه، وسيكون بحول الله كما اتفقت مع الناشر حاضرا في المعرض الدولي للكتاب الذي سينعقد بالرباط ابتداء من فاتح مايو المقبل، و الكتاب- فيما أرى- إضافة نوعية للباحثين، وعموم المهتمين بفكر الحركات الإسلامية، وكذلك لكل أعضاء هذه الحركات، سائلا الله عز وجل أن يكون مفيدا، وموقظا للضمائر، ومولِّدا لمزيد من الوعي بالذات وبالآخر.
كما أنني قطعت مرحلة مهمة في إعداد بحث آخر عن الفكر السياسي لواحد من أعلام المغرب المحدثين، وهو الأستاذ والفقيه المجتهد، علال الفاسي رحمه الله، وأطلب من الله العلي القدير أن يعينني على إتمامه وطبعه قبل نهاية هذا العام. بالإضافة إلى ما ذكر، أشتغل على مشاريع فكرية وثقافية أخرى، بعضها له ارتباط بقضايا الهوية، سأعلن عنها في حينها.
