حين تشتعل الغابات لا تحترق الأشجار وحدها.. بل تحترق معها البيوت والذكريات والأرزاق وأعمارٌ كاملة تختبئ داخل لحظة واحدة من اللهب.
وتحترق معها قلوب أنهكها الخوف على الأحبة وعيون تترقب بقلق أن تنجو قرية أو يعود مفقود أو تنجو شجرة كانت شاهدة على حياة أجيال.
فالنار بطبعها لا تقرأ التاريخ ولا تعرف الحدود ولا تسأل أحدًا عن جنسيته أو انتمائه السياسي كما الدخان لا يحتاج إلى تأشيرة عبور والدموع لا تفرق بين لهجة وأخرى ولا بين علم وآخر.
وما نراه اليوم في الجزائر الشقيقة مشهد يدمي قلب كل إنسان ويعتصر وجدان كل مغربي يحمل في صدره قلبًا ينبض بالأخوّة.
فالصور والمقاطع القادمة من هناك تنقل حجم مأساة تتجاوز حدود الجغرافيا لتضع الجميع أمام حقيقة واحدة: أن الكوارث الطبيعية لا تفرق بين الشعوب وإنما تجمعها حول الألم نفسه.
ففي ظل غياب حصيلة رسمية مفصلة للفترة الممتدة بين 14 و23 يوليو تشير آخر المعطيات التراكمية المتاحة إلى تسجيل أكثر من 1550 حريقًا منذ 8 يوليو بينها 383 حريق غابات ومنازل ومؤسسات
كما تكشف الأرقام حجم الضغط الهائل الذي تواجهه فرق الحماية المدنية إذ سُجل في إحدى الحصيلات 195 حريقًا خلال أربع وعشرين ساعة وهي أرقام لا تُقرأ بوصفها مجرد إحصاءات بل بوصفها حكايات بشرية تختبئ خلف كل حريق ومعركة يومية يخوضها رجال الإطفاء والمتطوعون لإنقاذ الأرواح والممتلكات والثروة الغابوية.
وأمام هذه الكارثة لا يسعنا إلا أن نقف بكل احترام وإجلال لرجال الحماية المدنية والمتطوعين الذين يواجهون ألسنة اللهب دفاعًا عن الأرواح والممتلكات داعين الله أن يرحم الضحايا ويشفي المصابين وأن يجعل هذه النيران بردًا وسلامًا على أهلنا هناك.
ويبقى السؤال الإنساني الذي يفرض نفسه في كل كارثة: لماذا يعجز الإنسان أحيانًا عن مدّ يد العون لأخيه الإنسان في ساعة الشدة؟
لقد شهدنا في أغسطس/آب 2021 موقفًا إنسانيًا نبيلًا عندما أصدر صاحب الجلالة الملك محمد السادس تعليماته بتعبئة طائرتين من طراز “كنادير” ووضعهما رهن إشارة الجزائر للمساهمة في مكافحة الحرائق آنذاك
واليوم ومن منطلق الأخوة وحسن الجوار ومن إيمان راسخ بأن الاعتبارات الإنسانية ينبغي أن تسمو فوق الخلافات السياسية ومن الوفاء للقيم التي طالما ميّزت الدبلوماسية المغربية يتجدد النداء إلى قيادتنا وحكومتنا لإعادة طرح تلك المبادرة الإنسانية ومدّ يد العون من جديد.
فالمبادرات النبيلة لا تُقاس بقبولها أو رفضها وإنما بما تحمله من صدق في النية ووفاء لواجب التضامن الإنساني.
فالدول الكبيرة لا تُقاس فقط بما تملكه من إمكانات بل أيضًا بقدرتها على تحويل تلك الإمكانات إلى رسالة إنسانية حتى عندما تبدو فرص قبولها ضئيلة.
لقد علمتنا الحياة أن السياسة قد تفرّق بين الدول وأن الحدود قد تباعد بين الشعوب لكن الكوارث تذكّرنا دائمًا بحقيقتنا الأولى:
أننا بشر وأن الألم لا يعترف بالجنسية ولا يميز بين شعب وآخر.
ورغم ما قد تفرضه الاعتبارات الرسمية والبروتوكولات من تعقيدات يبقى التضامن الشعبي هو الجسر الأقوى لأنه يُبنى بالمشاعر الصادقة ولا تهدمه النيران ولا الرماد.
إن الشعب المغربي لا ينظر إلى الشعب الجزائري إلا باعتباره شعبًا شقيقًا تجمعه به روابط الدين والتاريخ والجغرافيا والمصير المشترك. وقد عبّر جلالة الملك محمد السادس عن هذا المعنى في أكثر من مناسبة، حين أكد أن الشعبين المغربي والجزائري شعب واحد تجمعه أواصر الأخوة والقرابة.
فالسحب التي تعبر سماء المغرب قد تكون وُلدت فوق الجزائر والنار التي تشتعل هناك يصل حرارة ألمها إلى قلوب المغاربة قبل أن يصل دخانها إلى الحدود.
ولعل هذه المحنة القاسية تكون مناسبة متجددة للتأكيد على أن الإنسانية يجب أن تبقى دائمًا فوق كل اعتبار وأن الرحمة والتكافل هما اللغة التي يفهمها الجميع عندما تعجز السياسة عن الكلام.
فالكوارث لا تترك لنا سوى خيار واحد:
أن نكون أكثر إنسانية وأكثر وفاءً لما يجمعنا من تاريخ وجوار ومصير.
فإذا كانت النار لا تعترف بالحدود فلا ينبغي للرحمة أن تعترف بها هي الأخرى
لأن الإنسان في لحظة الكارثة لا يحتاج إلى سؤال عن موقفه السياسي بل إلى يد تمتد إليه قبل أن يصل إليه لهيب النار
يوسف غريب كاتب صحفي




