لم يعد حجب ملامح الوجه أثناء المظاهرات والتجمعات العامة، بما في ذلك التظاهرات الرياضية، مجرد سلوك فردي أو تفصيل شكلي، بل أصبح إشكالًا قانونيًا وأمنيًا يفرض نفسه بقوة في النقاش العمومي والتشريعي. فرغم أن حرية التجمع والتعبير تُعد من الحقوق الأساسية المنصوص عليها دستوريًا، فإن ممارستها لا يمكن أن تكون بمعزل عن مقتضيات النظام العام، الذي يشمل أمن الأشخاص والممتلكات وسلامة الفضاءات العامة. ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري الموازنة بين حماية الحقوق الفردية وضمان النظام العام كركيزة أساسية لدولة القانون.
وفي هذا السياق، أعادت أحداث ملعب مولاي عبد الله بالرباط خلال المباراة النهائية لكأس إفريقيا، هذا النقاش إلى واجهة الاهتمام العام. ففي الدقائق الأخيرة من المباراة، بعد احتساب ركلة جزاء لصالح المنتخب المغربي، عمد عدد من المشجعين السينغاليين، خصوصًا الذين كانت ملامح وجوههم محجوبة بالصباغة، إلى الاعتداء على حراس الملعب وبعض مكوناته ورجال الأمن، مخلّين بالنظام ومهددين سلامة الجماهير. وتبرز هذه الوقائع بوضوح كيف يمكن لإخفاء الهوية داخل تجمع رياضي مكتظ أن يتحول إلى عامل مسهّل للانفلات الجماعي، ويعيق قدرة الأجهزة الأمنية على التعرف على المخالفين للقانون، ويعقد تحديد المسؤوليات الفردية، فضلاً عن تعريض المتفرجين العاديين لمخاطر حقيقية ومتعددة.
علاوة على ذلك، فإن إخفاء الهوية في فضاءات جماهيرية مكتظة يُفرغ حرية التجمع من بعدها السلمي ويخلق بيئة ملائمة للانفلات والعنف، إذ يصبح من الصعب تحديد مرتكبي الأفعال المخالفة للقانون ومحاسبتهم. وتجارب الواقع أثبتت أن حجب ملامح الوجه لا يكون غالبًا تعبيرًا بريئًا أو احتفاليًا، بل وسيلة لتفادي التعرف، تمهيدًا لارتكاب أفعال غير مشروعة تتراوح بين التخريب والعنف المباشر، دون أن يواجه مرتكبها أي مساءلة فعلية، وفقًا لأحكام القانون الجنائي.
وبناءً على ذلك، يفرض الواقع التفكير الجاد في سن نص قانوني يجرّم حجب ملامح الوجه أثناء المظاهرات والتجمعات العامة، متى كان هذا السلوك يمكن أن يشكل تهديدًا للنظام العام أو يسهل ارتكاب أعمال عنف وتخريب. ومع ذلك، يجب أن يُؤطر هذا التجريم بضوابط دقيقة تضمن احترام الدستور والمواثيق الدولية، ويقوم على مبدأ التناسب بين الحرية وضرورات الأمن العام، من خلال:
_ حصر نطاق التجريم بما يشكل خطرًا فعليًا على النظام العام.
_ ربط التجريم بالقصد الجنائي أو الاحتمال الجسيم لارتكاب أعمال مخالفة للقانون.
_ استثناء الحالات المبررة، سواء لأسباب صحية أو دينية أو مناخية، بما يحمي الحقوق الفردية المشروعة.
وعليه، فإن الغاية ليست التضييق على الحريات أو شيطنة ممارسة التشجيع الرياضي أو التظاهر السلمي، بل حماية الفضاءات العامة من استغلال إخفاء الهوية كغطاء للفوضى، وضمان أن تبقى حرية التجمع والتعبير ممارسة سلمية محكومة بالقانون، لا مدخلًا للإخلال بالأمن العام أو المساس بسلامة المواطنين. ومن هذا المنطلق، يصبح وضع تشريع مدروس ومسؤول ضرورة ملحة لتحقيق التوازن بين الحقوق الفردية وضرورات الأمن العام.
رضوان العلمي
دكتور في القانون
