جبل كير بين الحشرة والإهمال: أيت ياسين، أكبر منطقة صبار متضررة بلا إنقاذ

أخبار وطنية

بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

لم تكن حقول الصبار بمنطقة أيت ياسين، وخاصة بجبل كير، مجرد غطاء نباتي يميّز المشهد الطبيعي للشمال الغربي للصحراء المغربية، بل شكّلت لسنوات طويلة ركيزة اقتصادية واجتماعية أساسية، ومصدر عيش مباشر وغير مباشر لآلاف الأسر. ويُعد جبل كير أكبر مجال مزروع بالصبار في المغرب وشمال إفريقيا من حيث المساحة، إذ كانت حقوله تمتد على آلاف الهكتارات، بما يفوق 30 ألف هكتار، ما جعله واحدًا من أهم الخزانات الوطنية لإنتاج هذه النبتة.
ولم يكن صبار هذه المنطقة موجّهًا فقط للاستهلاك المحلي، بل كان يُسوَّق في مختلف ربوع المملكة، كما كانت ثماره تُصدَّر إلى الخارج، ويُستخرج منه زيت الصبار المعروف بقيمته العالية وبأسعاره الباهظة في الأسواق الدولية، خاصة في مجالات التجميل والصناعات الطبيعية. غير أن اجتياح الحشرة القرمزية لم يقضِ فقط على هذه النبتة، بل أجهض أحلامًا تنموية حقيقية كانت في بداياتها، من بينها وحدة تثمين منتجات الصبار المحدثة بمركز أفركط، وحوّل هذه الثروة البيئية إلى خسارة جسيمة.
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت هذه الثروة إلى ذكرى مؤلمة، بعد أن قضت الحشرة القرمزية على أزيد من 30 ألف هكتار من الصبار، مخلفة واحدة من أكبر الكوارث البيئية والفلاحية التي عرفتها المنطقة، بل وربما أكبرها على الصعيد الوطني بالنظر إلى حجم المساحة المتضررة ومكانة جبل كير داخل منظومة الصبار بالمغرب.

  • الصبار: من نبات مقاوم إلى عمود اقتصادي

لأزيد من عقود، شكّل الصبار نموذجًا للفلاحة المتكيفة مع الجفاف والهشاشة المناخية، وساهم في تثبيت الساكنة في مجال قروي صحراوي محدود الإمكانات. فقد وفّر دخلاً قارًا لعدد كبير من الأسر، سواء عبر تسويق ثماره، أو استغلاله كعلف للماشية، أو من خلال أنشطة مرتبطة بسلسلة الإنتاج والتسويق. كما لعب دورًا بيئيًا مهمًا في تثبيت التربة والحد من التصحر، ما جعله عنصرًا بنيويًا في هوية المنطقة ونظامها البيئي.

  • الحشرة القرمزية: عدو صامت وسريع الانتشار

شكّل ظهور الحشرة القرمزية بالمنطقة صدمة حقيقية للساكنة المحلية. هذه الآفة، التي تتغذى على عصارة نبات الصبار، انتشرت بسرعة مقلقة، مستفيدة من غياب تدخلات وقائية مبكرة وفعالة. ومع ضعف وسائل المكافحة وقلة التأطير التقني للفلاحين، تحولت الحقول الخضراء، في ظرف وجيز، إلى مساحات يابسة، ما عمّق حجم الخسائر وأغلق آفاقًا اقتصادية كانت من بين القلائل المتاحة بالمنطقة.

  • آثار اقتصادية واجتماعية عميقة

لم تقتصر تداعيات هذه الكارثة على الجانب الفلاحي فحسب، بل امتدت لتشمل النسيج الاجتماعي برمته. فقد فقد مئات الفلاحين مورد عيشهم الأساسي، واضطر بعضهم إلى بيع ماشيتهم أو الهجرة نحو المدن بحثًا عن بدائل اقتصادية. كما تضررت سلاسل إنتاج وتسويق كاملة، من جني الثمار إلى النقل والتجارة، مما ساهم في تعميق الهشاشة الاجتماعية وتفاقم مظاهر الفقر بالمنطقة.

  • مسؤولية التدبير وغياب الاستباق

رغم تسجيل حالات إصابة بالحشرة القرمزية في مناطق أخرى من المغرب في وقت سابق، فإن التدخل لحماية حقول الصبار بأيت ياسين وجبل كير جاء متأخرًا ومحدود الأثر. ويطرح هذا الواقع تساؤلات جدية حول فعالية سياسات الوقاية النباتية، ومستوى اليقظة المؤسساتية، ومدى إدماج الفلاحين الصغار في برامج التتبع والتحسيس، خاصة في المجالات القروية الهشة.
وإذا كانت هذه المنطقة تُعد الأكبر تضررًا في هذا الشأن، فإن تأخر التدخل والدعم يظل غير مبرر، ويجعل من الضروري اليوم دق ناقوس الخطر والتنبيه إلى أن الوقت قد حان، بل لقد تأخرنا كثيرًا، للاهتمام الحقيقي بهذه الرقعة المنسية.

  • برامج التأهيل بين النية المعلنة وإكراهات التنزيل

أمام حجم الخسائر المسجلة، أطلقت وزارة الفلاحة برامج لإعادة تأهيل زراعة الصبار، تروم تعويض الحقول المتضررة بأصناف مقاومة للحشرة القرمزية، وإعادة إدماج هذه السلسلة في الدورة الاقتصادية المحلية. غير أن هذه التدخلات، رغم أهميتها على مستوى الخطاب، تثير عدة ملاحظات على مستوى التنزيل الميداني.
فغالبًا ما يتم تنفيذ هذه البرامج عبر مقاولين وبمقاربات تقنية موحدة، لا تراعي الخصوصيات الطبيعية والمجالية والاجتماعية لمنطقة أيت ياسين وجبل كير. كما يُسجَّل ضعف إشراك الساكنة المحلية في عمليات إعادة الغرس، رغم كونها الأدرى بالمجال وبإكراهاته، والأكثر تضررًا من نتائج الكارثة. وهو ما يثير تخوفات مشروعة حول مدى نجاعة هذه البرامج واستدامتها في غياب مقاربة تشاركية حقيقية تقوم على تمكين الفلاحين ومواكبتهم تقنيًا بشكل مستمر.
ويحذر متتبعون من أن إعادة إنتاج نفس منطق التدبير المركزي، دون تقييم نقدي لتجربة مكافحة الحشرة القرمزية وتداعياتها، قد يؤدي إلى فشل جديد، ويحوّل برامج التأهيل إلى تدخلات ظرفية محدودة الأثر، بدل أن تكون مدخلًا فعليًا لإعادة بناء منظومة فلاحية قروية أكثر صمودًا واستدامة.

  • ما بعد الكارثة: أي أفق للمنطقة؟

اليوم، وبعد أن أصبحت مساحات واسعة من الصبار في خبر كان، يظل الرهان قائمًا على إيجاد بدائل تنموية حقيقية، سواء عبر إعادة غرس أصناف مقاومة للحشرة القرمزية في إطار تشاركي يضمن إشراك الساكنة المحلية في كل المراحل، أو من خلال تنويع الأنشطة الفلاحية ودعم مشاريع مدرّة للدخل تراعي خصوصيات المنطقة ( الجبلية )وإكراهاتها البيئية.
غير أن أي حل مستقبلي لن يُكتب له النجاح دون مقاربة شمولية تجعل الإنسان المحلي في صلب السياسات العمومية، وتتعامل مع الكارثة ليس كحادث معزول، بل كنتيجة لاختلالات بنيوية في تدبير المجال القروي، وتفاوتات مجالية مزمنة.

  • خاتمة

إن ما حدث بجبل كير وأيت ياسين ليس مجرد أزمة صبار عابرة، بل جرس إنذار حقيقي يكشف هشاشة الاقتصاد القروي أمام المخاطر البيئية، ويؤكد أن هذه المنطقة، باعتبارها الأكثر تضررًا، تستحق أولوية قصوى في برامج التأهيل والدعم.
فإما أن تتحول هذه الفاجعة إلى فرصة لإعادة بناء نموذج تنموي قروي أكثر عدالة واستدامة، قائم على إشراك الساكنة والاعتراف بدورها، أو أن تظل جرحًا مفتوحًا يدفع المنطقة نحو مزيد من التهميش والإقصاء.