بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
- بين سلوك استهلاكي غير رشيد وتكاليف اقتصادية متزايدة.. دعوات إلى ترسيخ ثقافة احترام الخبز وترشيد الاستهلاك.
رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة لضمان توفير الخبز بأسعار مناسبة ودعم المواد الأساسية حفاظًا على القدرة الشرائية للمواطنين، لا تزال ظاهرة هدر الخبز تشكل أحد أبرز مظاهر التبذير في المجتمع. فوفق تقديرات متداولة، يتم إتلاف أو رمي ما يقارب ثلاثة ملايين خبزة يوميًا، في مشهد يطرح العديد من علامات الاستفهام حول حجم الخسائر الاقتصادية والاجتماعية المترتبة عن هذا السلوك.
فالخبز الذي يصل إلى موائد الأسر ليس مجرد منتج غذائي عادي، بل هو حصيلة سلسلة طويلة من الجهد والعمل تبدأ من الحقول الزراعية، مرورًا بعمليات الحصاد والنقل والطحن والإنتاج، وصولًا إلى المخابز ونقاط البيع. وعندما ينتهي هذا المنتج في سلال المهملات، فإن ما يُهدر في الواقع هو جهد آلاف العمال والفلاحين، إضافة إلى كميات مهمة من المياه والطاقة والمواد الأولية.
وتزداد خطورة الظاهرة عندما يتعلق الأمر بالخبز المنتج من دقيق مدعم أو المستفيد بشكل غير مباشر من برامج الدعم العمومي. فالدولة تخصص اعتمادات مالية مهمة لضمان استقرار أسعار المواد الأساسية، غير أن جزءًا من هذا الدعم يتحول يوميًا إلى خسارة مباشرة بسبب الاستهلاك غير المسؤول والهدر المفرط.
ويرى متخصصون في الشأن الاقتصادي أن استمرار هذا النزيف ينعكس سلبًا على الميزانية العامة، حيث تُهدر موارد مالية كان بالإمكان توجيهها إلى قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والبنية التحتية. كما أن التبذير يضعف من فعالية السياسات الاجتماعية الرامية إلى تحقيق العدالة في توزيع الدعم وضمان استفادة الفئات المستحقة منه.
ولا تقتصر آثار هدر الخبز على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى المجال البيئي. فإنتاج كل رغيف خبز يتطلب استهلاك كميات من المياه والطاقة والوقود، وعندما يُرمى دون استهلاك فإن تلك الموارد تضيع بدورها دون تحقيق أي قيمة مضافة، ما يفاقم من تحديات الاستدامة والحفاظ على الموارد الطبيعية.
ويرجع متابعون هذه الظاهرة إلى عدة عوامل، من بينها اقتناء كميات تفوق الحاجة اليومية للأسر، والعادات الاستهلاكية المرتبطة بالمناسبات والولائم، وضعف الوعي بقيمة الغذاء وأهمية الاقتصاد في الاستهلاك. كما أن توفر الخبز بأسعار منخفضة نسبيًا يجعل البعض يتعامل معه باعتباره منتجًا سهل التعويض، متناسين أن وراء كل رغيف تكلفة حقيقية تتحملها الأسرة والدولة معًا.
وللحد من هذه الظاهرة، يدعو خبراء ومهتمون إلى إطلاق حملات توعوية واسعة لترسيخ ثقافة احترام النعمة، وتشجيع الأسر على شراء الكميات الضرورية فقط، واستغلال فائض الخبز بطرق مفيدة بدل التخلص منه. كما يؤكدون على أهمية دور المدرسة ووسائل الإعلام والمجتمع المدني في نشر قيم الاعتدال وترشيد الاستهلاك.
إن الحفاظ على الخبز ليس مجرد سلوك اقتصادي، بل هو قيمة أخلاقية وحضارية تعكس وعي المجتمع بمسؤولياته تجاه موارده وثرواته. وبينما تواجه دول العالم تحديات متزايدة في الأمن الغذائي وارتفاع أسعار المواد الأساسية، يصبح من الضروري أن يتحول احترام الخبز من عادة اجتماعية إلى ثقافة راسخة وسلوك يومي دائم.
فكل خبزة يتم إنقاذها من الهدر تعني مالًا عامًا محفوظًا، وموارد طبيعية مصانة، وخطوة إضافية نحو مجتمع أكثر وعيًا ومسؤولية في التعامل مع النعم التي أنعم الله بها عليه.
