ليس من عادتي ولا من قبيل اهتماماتي الإعلامية أن أهبط بالتحليل إلى مستنقع السجالات الرياضية أو أتعقب أثر العواطف العابرة التي يفرزها “جلد منفوخ” في مستطيل أخضر… فلطالما آمنتُ بأن هذه الجغرافيا العربية المشحونة الخيبات تحتاج منا إلى مسافة أمان وإلى ترفع عن الانغماس في تفاصيل شؤونها الدائرة في حلقات مفرغة وهو للأسف ما لم تستوعبه بعض الأصوات الرياضية التي أقحمت أنفها في شؤون الغير وبسوء تقدير لطبيعة ودقة المرحلة هناك بانتظار أية فرصة ولو كانت واهية وهشّة لتضخيمها وتعبئة رأيها العام الداخلي حولها.
وهذا ما وقع بالضبط..فقد تابعنا بكثير من الأسف والذهول كيفية التقاط الفرصة الذهبية حتى أصدرت الأوامر لكتيبة إعلامية تونسية من الحرس القديم وبوجوه تقف عند عتبة خريف العمر (تتجاوز الخامسة والخمسين) تتحرك في فضاء قناة يملكها رجل أعمال تونس تتقاطع مصالحه الحيوية بشكل مكشوف وسريالي مع مصالح نظرائه في الجارة الجزائر.
هؤلاء لم يجدوا من وسيلة لتغطية الخروج المذل والمهان للمنتخب التونسي من مونديال أمريكا وكسر كبريائه الكروي إلا الهروب إلى الأمام بشن هجوم هستيري ومسقوف على رموز السيادة الوطنية المغربية والمؤسسة الملكية العريقة.
هنا يكمن العجز في أبهى تجلياته النفسية فعوض أن يناقش هؤلاء الفشل التكتيكي أو يردوا بأسلوب علمي ومنطق رياضي على صحفي مغربي قدم قراءة في مباراة كرة قدم اختاروا إقحام نظام المغرب الملكي وعلاقاته الدبلوماسية السيادية والنفخ في طالع رئيسهم السيد قيس سعيد وتصويره في لبوس “الوطني المقاوم الشرس منقذ البشرية جمعاء”.
هي ردود أفعال الفاشلين حين تخذلهم الحقائق على الأرض فيستنجدون بالصراخ والعويل لإرضاء جهات خارجية.
والحال أن العَرَض الأبرز في هذه السريالية الإعلامية هو ما يمكن أن نسميه بلا مواربة “أعراض العدوى الكرغولية” التي أصابت النخب الإعلامية في تونس بعد ثورة الياسمين. لقد بلغت السريالية مداها وأنا أستمع إلى نوطة ولحن مستورد بالتفصيل الممل من الجيران “الكراغلة” حتى خُيل إليّ للحظة أن القناة جزائرية الهوية والهوى لولا علم تونس اليتيم المتربع في زاوية البلاطو.
يذكرني مشهد هؤلاءالإعلاميين المنفصلين عن واقع بلادهم بتلك المقولة الشهيرة لرئيسهم القومي “الصالح المؤمن” قيس سعيد حين قال ذات يوم: (أشعر أنني من كوكب آخر). والحقيقة أن الرئيس لم يكذب في هذا فهو وحرسه القديم يعيشون فعلاً في كوكب فضائي بعيد. وهي مناسبة نوجه فيها الدعوة الصادقة للشعب التونسي لكي يصرخ بأعلى صوته مطالباً بعودة الرئيس وإعلامه إلى “كوكب تونس” الحقيقي لعلهم يبصرون الأزمات الهيكلية التي تطوق البلاد بدل الانشغال باتهام المغرب في قراراته السيادية.
خلاصة القول في هذه النازلة أننا لسنا أمام إعلام حر يمارس النقد بل أمام كتيبة تونسية مجندة تتحرك بأوامر من تقاطع مصالح داخلي وخارجي استنفروا أجهزة دولة بأكملها وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها للرد على “وجهة نظر كروية” في مشهد ينم عن رعب عميق وعدم ثقة بالذات
وأمام هذا المشهد البائس لا نملك إلا أن نطرح السؤال بجوهره السياسي الصادم :
هل ما زلنا أمام دولة تونس التاريخ والحضارة والفكر والاستقلالية…
أم أن البلد – بكل أسف – تمت دحرجته ليدخل مرحلة “التكرغل الإعلامي” ويتحول إلى مجرد ملحقة إدارية تابعة لجهة ما؟!
وفي مقابل هذا العبث العابر للحدود لا يفوتني أن أوجه عتاباً صادقاً وصارماً لبعض الأصوات داخل بيتنا المغربي تلك الأصوات التي تصر بدافع الاندفاع العاطفي أو الحضور الوهمي الابتعاد على حشر رأيها في تفاصيل شؤون الغير وسجالاتهم الداخلية.
لأننا في آخر المطاف لسنا إلا أمام لعبة ركض وراء قطعة جلد منفوخة لا تقدم ولا تؤخر في موازين التاريخ وليست قضيتنا الوطنية المقدسة التي تستدعي الاستنفار أو النزول إلى مستنقع هذه السجالات.
فعظمة بلدنا كانت دائماً في قدرته على الترفع والصمت الحكيم والتركيز على بناء ذاته. فما لنا ولهذا الضجيج المستورد؟
لندع شؤون الآخرين للآخرين ولنلتف حول وطننا فالحياة أقصر من أن نضيعها في معارك كروية بلهاء.
إن الذكاء الوطني الحقيقي هو أن نعرف متى نغلق نوافذنا لنستمتع بهدوء بيتنا بعيداً عن صخب المعارك الوهمية التي تهبّ من عقول أتعبها الفراغ.
كاتب صحفي: يوسف غريب

