تندوف: جمهورية الوهم تنهار… وصوت المحتجزين يفضح المستور

خارج الحدود

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

لم يعد الصمت ممكنًا. ما يجري في مخيمات تندوف لم يعد قابلًا للتجميل ولا للتسويق السياسي الرخيص. الصورة التي حاول النظام العسكري الجزائري رسمها بجبهة البوليساريو لعقود بدأت تتهاوى، ليس بفعل ضغوط خارجية، بل بانفجار داخلي يكشف حجم التناقض بين الخطاب والواقع.
احتجاجات غاضبة، محتجون يطرقون أبواب إقامة إبراهيم غالي، وشعارات لم تعد تخشى السقف السياسي… هذه ليست تفاصيل عابرة، بل لحظة انكشاف مدوّية. إنها لحظة يقول فيها من داخل المخيمات: كفى.

  • قيادة تعيش على أنقاض المعاناة

كيف يمكن تفسير هذا الغضب؟ ببساطة: حين تتحول المأساة الإنسانية إلى أداة سياسية، وحين تُستغل معاناة الناس لعقود دون أفق، يكون الانفجار حتميًا.
في الوقت الذي يشتكي فيه السكان من الفقر والتهميش وغياب أبسط شروط الكرامة، تتضخم الروايات عن امتيازات خاصة للنخبة، وعن قيادة منفصلة تمامًا عن الواقع. الفجوة لم تعد مجرد إحساس… بل أصبحت قناعة جماعية.
الوصول إلى محيط مقر إقامة غالي لم يكن مجرد احتجاج، بل كان إعلانًا رمزيًا بسقوط “هيبة القيادة” داخل معاقلها.

  • سرديات متصارعة… وحقيقة غائبة

واحدة من أكثر القضايا حساسية في هذا الملف هي تركيبة ساكنة المخيمات. في الخطاب المنتقد، تُطرح بقوة فكرة أن فئة من السكان لا تنتمي مباشرة إلى القضية، وأن هناك تضخيمًا ديموغرافيًا يخدم أجندات سياسية.
سواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذه الطروحات، فإن المشكلة الحقيقية تكمن في شيء واحد: غياب الشفافية. لا إحصاء دقيق، لا معطيات واضحة، فقط أرقام متضاربة تُستخدم كسلاح دعائي.
وهنا تكمن الفضيحة الكبرى: ملف إنساني بهذا الحجم يُدار في الظل.

  • حين يصبح الهروب حلمًا

الأخطر من كل ذلك، هو التحول في وعي جزء من السكان. لم تعد المطالب مقتصرة على تحسين ظروف العيش داخل المخيمات، بل بدأت تتجه نحو البحث عن بدائل جذرية.
هناك خطاب يتنامى، يقارن بين واقع المخيمات القاسي، وبين نماذج تنموية في محيط إقليمي مختلف، ويطرح سؤالًا بسيطًا لكنه مدوٍّ: لماذا الاستمرار في هذا الوضع؟
حين يصل الناس إلى مرحلة التفكير في “الخروج” بدل “الإصلاح”، فذلك يعني أن الأزمة تجاوزت نقطة اللاعودة.

  • الجزائر… صمت ثقيل ومسؤولية قائمة

وسط هذا المشهد، تقف الجزائر في موقع لا تحسد عليه. فهي ليست مجرد طرف بعيد، بل فاعل رئيسي يحتضن هذا الواقع بكل تعقيداته.
الصمت لم يعد خيارًا مريحًا. فكل احتجاج، كل صرخة، كل محاولة كسر للحصار، تضع الجزائر أمام سؤال مباشر: إلى متى يستمر هذا الوضع؟

  • سقوط القناع

ما يحدث اليوم في تندوف ليس مجرد أزمة عابرة، بل بداية نهاية سردية كاملة بُنيت على مدى عقود. المخيمات التي قُدمت كرمز، تتحول اليوم إلى فضاء للرفض. والقيادة التي احتكرت الصوت، تواجه الآن أصواتًا تخرج من قلب المعاناة.
إنها لحظة سقوط القناع.
وحين يسقط القناع، لا يبقى إلا السؤال الحقيقي:
من كان يتحدث باسم من… ولمصلحة من؟

التعاليق (0)

اترك تعليقاً