دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من التصعيد المفتوح، بعد سلسلة تطورات متلاحقة امتدت من الخليج إلى لبنان، وجعلت المنطقة أمام مشهد شديد التعقيد، تتداخل فيه الضربات العسكرية مع الحسابات السياسية، وتتصادم فيه رهانات التهدئة مع منطق تثبيت الوقائع على الأرض.
ففي الخليج، ردت إيران على الضربات الأمريكية الأخيرة باستهداف مواقع ومصالح أمريكية في الكويت والبحرين، في خطوة أعادت التوتر إلى الواجهة بقوة، بعدما كانت عواصم إقليمية تراهن على تهدئة هشة تمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع.
وجاء التصعيد الإيراني بعد غارات أمريكية استهدفت، بحسب القيادة المركزية الأمريكية، مواقع عسكرية إيرانية في محيط مضيق هرمز، شملت منشآت مراقبة واتصالات ودفاعات جوية ومخازن مرتبطة بالطائرات المسيرة والقدرات البحرية، وذلك في سياق اتهامات متبادلة بين واشنطن وطهران بشأن تهديد الملاحة التجارية في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وتعود خطورة هذا التصعيد إلى موقع مضيق هرمز نفسه، باعتباره ممرا حيويا لعبور جزء مهم من إمدادات النفط العالمية. لذلك فإن أي توتر عسكري في هذه المنطقة لا يبقى محصورا في الحسابات الأمنية، بل يمتد سريعا إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والقلق الدولي من اتساع رقعة الحرب.
وخلال الأسابيع الأخيرة، حاولت تفاهمات غير مكتملة إعادة حد أدنى من الحركة البحرية إلى المضيق، غير أن عودة الحرس الثوري الإيراني إلى التشدد في ملف العبور البحري، وربط المرور بشروط أمنية وسياسية، أعادت المخاوف من تحول المضيق إلى أداة ضغط مفتوحة في الصراع بين طهران وواشنطن.
وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة حريصة على إظهار أنها لن تسمح بتهديد الملاحة أو استهداف مصالحها العسكرية في الخليج. فقد قدمت ضرباتها الأخيرة باعتبارها ردا على هجمات طالت سفنا أو مصالح مرتبطة بحركة الملاحة، بينما اعتبرت إيران أن ردها يأتي في سياق مواجهة مباشرة مع ما تصفه بالعدوان الأمريكي.
هذا الاشتباك بين الطرفين لا يقتصر على تبادل الضربات، بل يكشف عن هشاشة مسار التهدئة الذي لم ينجح في تثبيت قواعد واضحة للاشتباك. فكل طرف يتهم الآخر بخرق التفاهمات، وكل ضربة تفتح الباب أمام رد جديد، في دائرة تصعيد قد يصعب التحكم في نهايتها.
وفي لبنان، بدت الصورة أكثر تعقيدا مع تجدد موقف حزب الله الرافض لأي تسوية سياسية مع إسرائيل يراها الحزب انتقاصا من السيادة اللبنانية. فقد أكد الأمين العام للحزب، نعيم قاسم، رفضه لأي اتفاق يفضي إلى وقف الحرب بشروط يعتبرها الحزب غير مقبولة، فيما صعدت قيادات في الحزب خطابها ضد الطرح المطروح، محذرة من أن أي اتفاق لا يراعي موقع المقاومة وسلاحها قد ينقل المواجهة إلى الداخل اللبناني.
ويرى حزب الله أن أي تفاهم أمني أو سياسي لا يضمن انسحاب إسرائيل ولا يحفظ معادلة الردع سيكون بمثابة تنازل لا يمكن القبول به. غير أن هذا الموقف يضع لبنان أمام معادلة صعبة، بين ضغط الحرب من جهة، وضغط التسويات الخارجية من جهة ثانية، وبينهما مجتمع لبناني منهك يبحث عن وقف النزيف دون فتح باب صراع داخلي جديد.
في المقابل، تتحرك إسرائيل بمنطق مختلف، يقوم على تثبيت وجود عسكري وأمني طويل في جنوب لبنان. فقد أكد مسؤولون إسرائيليون أن بقاء الجيش في مناطق محددة جنوبا سيظل قائما ما دامت تل أبيب تعتبر ذلك ضروريا لحماية أمنها، فيما ربطت المؤسسة العسكرية والسياسية أي انسحاب بنزع سلاح حزب الله أو تقليص قدرته على تهديد الحدود الشمالية.
وبهذا المعنى، لم تعد إسرائيل تتحدث فقط عن رد عسكري أو عملية محدودة، بل عن ترتيبات أمنية طويلة الأمد داخل الجنوب اللبناني، وهو ما يعني عمليا محاولة فرض واقع ميداني جديد قبل أي تسوية سياسية نهائية.
هذا التوجه الإسرائيلي يزيد من حدة التوتر في لبنان، لأنه يضع الحكومة اللبنانية أمام ضغط مزدوج: ضغط خارجي يدفع نحو اتفاق أمني، وضغط داخلي يرفض أي صيغة تبدو وكأنها تمنح إسرائيل حق البقاء أو التحكم في أجزاء من الجنوب.
وبين الخليج ولبنان، تبدو المنطقة أمام لوحة واحدة رغم تعدد الجبهات. فإيران ترد على واشنطن في الخليج، وحزب الله يرفض التسوية مع إسرائيل في لبنان، وتل أبيب تسعى إلى ترسيخ وجودها العسكري جنوبا، بينما تحاول الولايات المتحدة إدارة أكثر من أزمة في وقت واحد، دون أن تفقد السيطرة على مسار الأحداث.
وتكمن خطورة المرحلة في أن كل جبهة أصبحت قابلة للتأثر بالأخرى. أي تصعيد في مضيق هرمز قد ينعكس على لبنان وسوريا والعراق، وأي مواجهة واسعة في جنوب لبنان قد تعيد إيران إلى قلب المواجهة، وأي ضربة أمريكية جديدة قد تفتح الباب أمام ردود إيرانية أوسع في الخليج أو خارجه.
كما أن البعد الاقتصادي حاضر بقوة في خلفية هذه التطورات. فاضطراب الملاحة في مضيق هرمز يهدد أسعار النفط، واستمرار التوتر في الخليج يضغط على الأسواق، بينما يؤدي استمرار الحرب في لبنان إلى إنهاك إضافي لبلد يعيش أصلا أزمة اقتصادية وسياسية خانقة.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو مسارات التهدئة بعيدة ومعقدة. فإيران تريد تثبيت موقعها في معادلة الخليج والمضيق، والولايات المتحدة تريد حماية مصالحها وحلفائها، وإسرائيل تسعى إلى فرض شروط أمنية في الجنوب اللبناني، بينما يرفض حزب الله أي اتفاق لا يعترف بميزان القوة الذي يراه أساسيا في مواجهة تل أبيب.
لذلك، لا يبدو الشرق الأوسط أمام حادث معزول أو تصعيد مؤقت، بل أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات متعددة، تبدأ من استمرار الضربات المحدودة، ولا تنتهي عند خطر توسع المواجهة إذا فشلت الوساطات في إعادة ضبط قواعد الاشتباك.
ومع أن الأطراف المختلفة تدرك تكلفة الانزلاق إلى حرب شاملة، فإن تراكم الضربات، وتعدد الجبهات، وتضارب الحسابات، يجعل أي خطأ في التقدير كافيا لإشعال مواجهة أكبر. وهذا بالضبط ما يجعل المنطقة اليوم على صفيح ساخن، بين إيران التي ترد، وحزب الله الذي يرفض، وإسرائيل التي تثبت أقدامها في الجنوب.

