في خضم الأفراح التي يعيشها المغاربة اليوم، وبعد الإنجاز الكبير الذي حققه المنتخب الوطني بإقصائه منتخب هولندا والتأهل إلى الدور المقبل، لا يملك المرء إلا أن يقف احتراماً أمام رجال كتبوا صفحة جديدة من صفحات المجد، وأثبتوا
مرة أخرى أن المغرب لا يعترف بالمستحيل، وأن أبناءه كلما اشتدت التحديات ازدادوا عزيمة وإصراراً.
لم يكن الأمر مجرد مباراة في كرة القدم، بل كان اختباراً للإرادة والإيمان بالقدرة على صناعة التاريخ. أمام أحد أبرز المنتخبات المرشحة للمنافسة على اللقب، لم يرفع أسود الأطلس الراية البيضاء بعد هدف التأخر، بل قاتلوا حتى آخر الأنفاس، فعادوا في الوقت القاتل، ثم حسموا المواجهة بركلات الترجيح بثبات الكبار، ليؤكدوا أن الشخصية المغربية أصبحت عنواناً للندية والتحدي.
لقد كان ياسين بونو، كعادته، صمام الأمان، وكان عيسى ديوب صاحب هدف أعاد الحياة إلى الحلم، فيما جسّد حكيمي ومزراوي وأوناحي ودياز وسائر اللاعبين صورة المنتخب الذي لا يستسلم مهما كانت الظروف. إنها روح جماعية صنعت الفارق، ورسالة واضحة بأن هذا المنتخب لا يعتمد على نجم واحد، بل على وطن كامل يقاتل فوق المستطيل الأخضر.
غير أن كل نجاح مغربي، للأسف، يوقظ أصواتاً لا يسرها أن ترى هذا الوطن يتقدم. هناك من يراقب كل خطوة يخطوها المغرب، لا ليصفق لإنجازاته، بل لينتظر لحظة تعثره، ويبحث عن أي هفوة ليبني عليها خطابات التشكيك والتقليل. هؤلاء لا يزعجهم انتصار في مباراة فحسب، بل يزعجهم أن يروا المغرب يفرض حضوره في الرياضة، والاقتصاد، والدبلوماسية، والثقافة، والبنية التحتية، وكل الميادين التي اختار أن ينافس فيها بثقة وطموح.
لكن الحقيقة التي باتت واضحة للجميع هي أن المغرب لم يعد ذلك البلد الذي ينتظر اعتراف الآخرين بقدراته، بل أصبح يصنع إنجازاته بعمل أبنائه، ويجبر العالم على احترامه بما يحققه على أرض الواقع. ومن اعتاد انتظار سقوط المغرب، عليه أن يعتاد أيضاً رؤية هذا البلد ينهض في كل مرة أقوى مما كان.
إن الاحتفال بهذا الفوز ليس احتفالاً بكرة القدم وحدها، بل احتفال بقيم العمل والانضباط والإصرار، واحتفال بصورة وطن استطاع أن يجعل رايته حاضرة بين الكبار، وأن يمنح ملايين المغاربة لحظات من الفخر والوحدة والاعتزاز.
اليوم، يواصل أسود الأطلس رحلتهم بثقة نحو مواجهة جديدة، حاملين أحلام شعب بأكمله، مؤمنين بأن المستحيل مجرد كلمة لا مكان لها في قاموسهم. أما المغاربة، فهم مطالبون بمواصلة دعم منتخبهم والالتفاف حول راية وطنهم، لأن الأمم العظيمة تُبنى بالثقة في أبنائها قبل أي شيء آخر.
هنيئاً للمغرب، وهنيئاً لكل مغربي حمل العلم في قلبه قبل أن يحمله في يده. وما دام في هذا الوطن رجال يقاتلون بهذه الروح، فسيظل المغرب رقماً صعباً في الملاعب، كما هو في كل ميادين البناء والنجاح.
ديما مغرب… ديما أسود الأطلس.و عاش الملك
بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

