بقلم : أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
في زمن أصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي مصدراً رئيسياً للأخبار لدى ملايين الأشخاص، باتت مسؤولية نشر المعلومة أكثر أهمية من أي وقت مضى. غير أن بعض الأفراد والحسابات اختارت طريقاً آخر، يقوم على الإثارة والتضليل وترويج الأكاذيب، ولو كان الثمن تشويه صورة الوطن والإساءة إلى مؤسساته ومواطنيه.
ومؤخراً، تداولت منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو قيل إنه يوثق تعرض سائحة أجنبية للنصب بمدينة مراكش، بعدما قُدمت لها وجبة “بيتزا” مقابل مبلغ مالي مبالغ فيه. وسرعان ما انتشرت الرواية المزعومة كالنار في الهشيم، مصحوبة بتعليقات غاضبة وأحكام جاهزة، قبل أن تكشف الأبحاث الأمنية أن القصة برمتها لا أساس لها من الصحة، وأن الواقعة تتعلق بمحاولة صاحب محل منع سائحة كانت في حالة سكر واضحة من دخول مطعمه، بل إن المؤسسة المذكورة لا تقدم أصلاً وجبات البيتزا التي زُعم أنها كانت سبب الخلاف.
هذه الواقعة ليست مجرد إشاعة عابرة، بل نموذج خطير لكيفية صناعة الأكاذيب وترويجها وتقديمها للرأي العام على أنها حقائق ثابتة. والأخطر من ذلك أن البعض يتعمد نشر مثل هذه الادعاءات دون تحرٍّ أو تدقيق، مدفوعاً بالرغبة في تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة أو إثارة الجدل أو خدمة أجندات تستهدف صورة البلاد.
إن نشر الأخبار الكاذبة لا يضر بشخص أو مؤسسة بعينها فقط، بل يسيء إلى سمعة وطن بأكمله، ويضرب الثقة في قطاعاته الاقتصادية والسياحية، ويقدم صورة مغلوطة للمتابعين داخل المغرب وخارجه. كما أن تكرار هذه الممارسات يخلق بيئة من الشك والفوضى المعلوماتية، حيث تصبح الأكاذيب أكثر انتشاراً من الحقائق.
ومن هنا يبرز التساؤل المشروع: ما السر وراء الإصرار على نشر مثل هذه الادعاءات الكاذبة؟ هل هو السعي وراء الأرباح والمشاهدات؟ أم محاولة متعمدة للإساءة إلى صورة المغرب؟ أم أن الأمر يعكس حالة من الاستهتار بخطورة الكلمة وتأثيرها على الرأي العام؟ أياً كانت الدوافع، فإن النتيجة واحدة: الإضرار بالمصلحة العامة وخدمة ثقافة التضليل.
إن حرية التعبير حق مكفول، لكنها لا يمكن أن تتحول إلى غطاء لنشر الافتراءات والأخبار الزائفة. لذلك أصبح من الضروري التعامل بحزم مع كل من يثبت تعمده فبركة الوقائع أو ترويج معلومات كاذبة تمس بالأشخاص أو المؤسسات أو بصورة الوطن، مع تطبيق أقصى العقوبات التي يجيزها القانون في حق المتورطين في هذه الأفعال.
كما تقع مسؤولية كبيرة على عاتق مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، الذين ينبغي أن يتحلوا بالوعي الكافي للتحقق من صحة الأخبار قبل إعادة نشرها أو التفاعل معها. فكل مشاركة غير مسؤولة قد تسهم في انتشار الكذب وتضليل الآلاف.
إن الأوطان لا تُبنى بالشائعات، ولا تُخدم بالأكاذيب، بل بالحقيقة والصدق والمسؤولية. ومن واجب الجميع أن يقفوا في وجه حملات التضليل، دفاعاً عن الحق أولاً، وحفاظاً على سمعة الوطن ومصالحه العليا ثانياً.

