كثيرون عاشوا التجربة نفسها: تغلق الحاسوب المحمول وتضعه في الحقيبة، ثم تفتحه بعد ساعات فتجده ساخنا، وبطاريته شبه فارغة، رغم أنه كان في وضع السكون. لسنوات، كان المستخدم يلوم البطارية، أو يظن أن جهازه أصبح قديما، أو أن المشكلة من الاستعمال اليومي. لكن مايكروسوفت فتحت الآن بابا مهما في تفسير جزء من هذه الظاهرة: المشكلة لم تكن دائما في البطارية، بل في تعريفات وبرمجيات تعمل بصمت وتستهلك الطاقة دون أن تُسقط النظام أو تُظهر خطأ واضحا.
- ما المقصود بالتعريفات التي “تقتل” البطارية؟
- لماذا لم تظهر المشكلة للمستخدم بوضوح؟
- Modern Standby.. السكون الذي لا ينام دائما
- ليست التعريفات وحدها.. التطبيقات أيضا متهمة
- لماذا يهم هذا الاعتراف للمستخدم العادي؟
- ماذا ستغير مايكروسوفت؟
- كيف يعرف المستخدم ما الذي يستنزف البطارية؟
- ما الذي يجب فعله الآن؟
- الخلاصة التقنية المبسطة
ففي مؤتمر WinHEC 2026، أعلنت مايكروسوفت عن مبادرة جديدة باسم Driver Quality Initiative، قالت إنها تهدف إلى رفع جودة تعريفات ويندوز عبر منظومة أوسع تشمل الاستقرار، والوظائف، والأداء، وتأثير التعريفات على الطاقة والحرارة، بدل التركيز فقط على الأعطال والانهيارات. وتوضح مايكروسوفت أن فشل التعريفات ينعكس على المستخدم كأنه مشكلة في الجهاز نفسه، حتى لو كان أصل الخلل في برنامج أو تعريف يعمل داخل النظام.
هذا الاعتراف مهم لأنه يغيّر طريقة فهم مشاكل الحواسيب المحمولة. فالتعريف السيئ لم يكن يُحاسب دائما إذا لم يتسبب في شاشة زرقاء أو انهيار صريح. قد يترك الجهاز يعمل، لكنه يمنع المعالج من الدخول إلى أوضاع الطاقة المنخفضة، أو يبقي مكونات مثل الواي فاي أو التخزين أو بطاقة الرسوميات في حالة نشاط أعلى من اللازم، فيستنزف البطارية ويرفع الحرارة ويبطئ الأداء دون إنذار مباشر.
ما المقصود بالتعريفات التي “تقتل” البطارية؟
التعريفات أو Drivers هي برمجيات صغيرة تربط نظام ويندوز بقطع الحاسوب: بطاقة الرسوميات، كرت الشبكة، البلوتوث، الصوت، التخزين، لوحة اللمس، الكاميرا، المعالج، ومكونات أخرى. من دونها، لا يستطيع النظام التحكم في العتاد بشكل صحيح.
لكن التعريف الرديء قد يحول الحاسوب إلى جهاز لا ينام فعليا. يظهر أمام المستخدم أن الجهاز في وضع السكون، بينما يبقى جزء من المكونات مستيقظا في الخلفية. وهنا تبدأ البطارية في النزيف البطيء.
مايكروسوفت نفسها تقول في وثائقها التقنية الخاصة بإدارة الطاقة إن إضافة أي تعريف جديد يجب أن يرافقها قياس لتأثيره على استهلاك الطاقة، لأن تعريفا واحدا سيئ الأداء يمكن أن يؤثر بقوة على أداء النظام واستهلاك البطارية. كما تشير الوثائق نفسها إلى أن التطبيقات والخدمات والبرمجيات الأخرى يمكن أن تؤثر بالطريقة نفسها.
لماذا لم تظهر المشكلة للمستخدم بوضوح؟
لأن هذه البرمجيات لا تفشل دائما بشكل درامي. الحاسوب لا ينهار، ولا تظهر رسالة خطأ، ولا يرى المستخدم سببا مباشرا. كل ما يلاحظه هو أن البطارية تفرغ بسرعة، أو أن الجهاز يسخن داخل الحقيبة، أو أن المروحة تعمل أكثر من المعتاد، أو أن الأداء أصبح أبطأ.
هنا تكمن خطورة المشكلة: التعريف الرديء قد يكون “مستقرا” في الظاهر لأنه لا يسبب انهيارا، لكنه “رديء” في التجربة اليومية لأنه يستهلك الطاقة ويزيد الحرارة. وهذا بالضبط ما تحاول مايكروسوفت معالجته الآن عبر توسيع مفهوم جودة التعريفات ليشمل الأداء، والبطارية، والأثر الحراري، لا مجرد عدد الأعطال.
Modern Standby.. السكون الذي لا ينام دائما
جزء كبير من الشكاوى مرتبط بما يعرف في ويندوز باسم Modern Standby، وهو وضع سكون حديث يجعل الحاسوب يتصرف بطريقة شبيهة بالهاتف: ينام، لكنه يستطيع تنفيذ بعض المهام الخفيفة في الخلفية، مثل تلقي الإشعارات أو تحديث بعض الخدمات.
الفكرة جيدة عندما تعمل كل المكونات بانضباط. لكن إذا كان هناك تعريف سيئ لبطاقة الشبكة أو التخزين أو أي مكون آخر، فقد يمنع الجهاز من الوصول إلى أدنى حالات استهلاك الطاقة. النتيجة: الحاسوب يبدو نائما، لكنه يظل يستهلك البطارية.
وتوفر مايكروسوفت أداة PowerCfg داخل ويندوز لتحليل هذا النوع من المشاكل، حيث يمكن إنشاء تقرير عن البطارية يوضح استخدام الطاقة، وحالات التشغيل والسكون خلال آخر 72 ساعة، وتاريخ سعة البطارية، وتقديرات عمرها بناء على الاستعمال الفعلي.
ليست التعريفات وحدها.. التطبيقات أيضا متهمة
رغم أن الاعتراف الأخير يركز على التعريفات، فإن التطبيقات نفسها يمكن أن تكون جزءا من المشكلة. مايكروسوفت توضح في وثائقها أن التطبيقات والخدمات والبرمجيات المضافة إلى الجهاز يجب قياس أثرها على الطاقة، لأن تطبيقا واحدا سيئ الأداء قد يؤثر في الأداء والبطارية.
وهنا تدخل برامج معروفة عند المستخدمين: المتصفحات، تطبيقات الاجتماعات مثل Teams، برامج المزامنة السحابية، تطبيقات الحماية، برامج تشغيل الألعاب، والتطبيقات التي تبدأ مع تشغيل ويندوز وتبقى في الخلفية.
في حالات موثقة، أشار تنبيه لخدمة Microsoft 365 إلى أن تحديثا روتينيا في Microsoft Teams تضمن خطأ برمجيا أدى إلى ارتفاع استهلاك البطارية والمعالج أثناء المكالمات، خصوصا عند مشاركة الشاشة أو الفيديو. وهذا مثال واضح على أن الخلل قد يأتي من تحديث عادي لتطبيق شهير، لا من تلف البطارية نفسها.
لماذا يهم هذا الاعتراف للمستخدم العادي؟
لأنه يرفع المسؤولية عن المستخدم وحده. عندما تفرغ بطارية حاسوبك بسرعة، لا يعني ذلك دائما أنك تستعمله خطأ، أو أن البطارية انتهت، أو أن الجهاز رديء. قد تكون المشكلة في تعريف قديم، أو تحديث غير محسن، أو تطبيق يعمل في الخلفية، أو خدمة تمنع الجهاز من النوم العميق.
الأخطر أن المستخدم قد يقرر شراء بطارية جديدة أو تغيير الحاسوب، بينما السبب الحقيقي قابل للإصلاح عبر تحديث تعريف، أو إزالة تطبيق، أو تعديل إعدادات الطاقة، أو انتظار تصحيح من الشركة المصنعة.
ماذا ستغير مايكروسوفت؟
مبادرة مايكروسوفت الجديدة تقوم على فكرة أن جودة التعريفات يجب أن تُقاس من زاوية تجربة المستخدم كاملة. التقارير التقنية التي تابعت الإعلان توضح أن مايكروسوفت ستدفع نحو تقييم أكثر صرامة للتعريفات، يشمل الاستقرار والوظائف والأداء وتأثير البطارية والحرارة، إلى جانب تحسين نظافة كتالوغ Windows Update وإزالة أو تقليل توزيع التعريفات القديمة أو الضعيفة.
بمعنى أبسط: التعريف الذي لا يسبب انهيارا لكنه يسخن الجهاز أو يفرغ البطارية يمكن أن يصبح تعريفا سيئ الجودة في نظر مايكروسوفت. وهذه خطوة مهمة لأن تجربة المستخدم لا تقاس فقط بعدم ظهور الشاشة الزرقاء، بل أيضا بأن يبقى الجهاز باردا، سريع الاستجابة، وببطارية تدوم كما وُعد بها عند الشراء.
كيف يعرف المستخدم ما الذي يستنزف البطارية؟
يمكن للمستخدم في ويندوز 11 الدخول إلى:
Settings > System > Power & battery > Battery usage
هناك يمكنه رؤية التطبيقات الأكثر استهلاكا للبطارية خلال آخر 24 ساعة أو 7 أيام. هذه الخطوة لا تكشف كل شيء، لكنها تعطي مؤشرا واضحا على التطبيقات التي تستهلك الطاقة في الخلفية.
كما يمكن استعمال أمر تقني مفيد عبر موجه الأوامر بصلاحيات المدير:
powercfg /batteryreport /output "%USERPROFILE%\Desktop\battery-report.html"
هذا الأمر ينشئ تقريرا على سطح المكتب يوضح تاريخ البطارية، وسعتها الأصلية والحالية، وأنماط الاستهلاك، وتقديرات عمر البطارية. وتؤكد مايكروسوفت أن أداة PowerCfg تساعد على كشف تناقضات عمر البطارية وتعرض بيانات حتى عندما لا يكون الحاسوب في حالة نشاط.
ولتشخيص مشاكل السكون تحديدا، يمكن استعمال :
powercfg /sleepstudy /output "%USERPROFILE%\Desktop\sleep-study.html"
هذا التقرير مفيد خصوصا لمعرفة هل كان الجهاز يستهلك الطاقة أثناء وضع السكون أو Modern Standby.

ما الذي يجب فعله الآن؟
أولا، يجب تحديث ويندوز والتعريفات من المصادر الرسمية، خصوصا تعريفات بطاقة الرسوميات، الشبكة، البلوتوث، التخزين، والشريحة الرئيسية. لكن لا يُنصح دائما بتثبيت أي تعريف عشوائي من مواقع غير موثوقة، لأن التعريف السيئ قد يكون أصل المشكلة.
ثانيا، راقب التطبيقات التي تعمل عند بدء التشغيل. كثير من البرامج تفتح نفسها تلقائيا وتظل في الخلفية دون حاجة حقيقية. يمكن تعطيلها من:
Task Manager > Startup apps
ثالثا، راقب المتصفح. بعض الإضافات داخل المتصفحات تستهلك المعالج والذاكرة والطاقة. وإذا كان المتصفح يستهلك البطارية بشكل مفرط، فجرّب تعطيل الإضافات، وتقليل عدد التبويبات المفتوحة، وإيقاف استمرار عمل التطبيقات في الخلفية بعد إغلاق المتصفح.
رابعا، لا تترك الحاسوب داخل الحقيبة مباشرة بعد إغلاقه إذا كان يسخن أو لا يدخل السكون فعليا. الأفضل التأكد من دخوله في Sleep أو Hibernate، أو إطفاؤه مؤقتا إذا كنت ستتنقل به لمسافة طويلة.
خامسا، افحص صحة البطارية نفسها. أحيانا تكون المشكلة مركبة: بطارية فقدت جزءا كبيرا من سعتها، مع تعريف أو تطبيق يزيد الاستهلاك. تقرير PowerCfg يساعد على مقارنة السعة التصميمية بالسعة الحالية.
الخلاصة التقنية المبسطة
المشكلة ليست أن كل حواسيب ويندوز سيئة البطارية، وليست أن كل تحديث من مايكروسوفت يضر الجهاز. الصورة الأدق أن منظومة الحاسوب الشخصي معقدة: ويندوز، تعريفات من شركات متعددة، تطبيقات، معالجات، كروت شبكة، كروت رسوميات، وخدمات تعمل في الخلفية. أي حلقة ضعيفة في هذه السلسلة قد تجعل البطارية تنفد بسرعة.
اعتراف مايكروسوفت العملي عبر مبادرة جودة التعريفات يعني أن الشركة فهمت أن المستخدم لا يهمه من المخطئ: مايكروسوفت، الشركة المصنعة، أو مطور التعريف. ما يهمه أن يفتح حاسوبه فيجده باردا، جاهزا، وبطارية لم تُستنزف في الخفاء.
لهذا، فإن المرحلة المقبلة في ويندوز لن تكون فقط حول الذكاء الاصطناعي والواجهات الجديدة، بل حول سؤال أبسط وأهم للمستخدم: هل يستطيع الحاسوب أن ينام فعلا عندما نطلب منه أن ينام؟
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله