في لحظة تتقاطع فيها الحرب الهجينة مع سباق الذكاء الاصطناعي، خرجت رئيسة وكالة الاستخبارات الإلكترونية البريطانية GCHQ، آن كيست-باتلر، بتحذير لافت: بريطانيا لم تعد تواجه تهديدات بعيدة أو تقليدية، بل تعيش «لحظة حاسمة» تتطلب يقظة سياسية وتكنولوجية وأمنية. الرسالة لا تخص لندن وحدها، بل تعكس تحوّلاً أوسع في طريقة اشتغال الصراعات الحديثة، حيث تصبح البنية التحتية، سلاسل الإمداد، الثقة العامة، والفضاء الرقمي ساحات مواجهة يومية.
تحذير من «لحظة حاسمة» في الأمن البريطاني
بحسب ما نقلته وكالة Reuters، من المنتظر أن تؤكد آن كيست-باتلر، مديرة GCHQ، في أول محاضرة سنوية للوكالة، أن بريطانيا توجد أمام «لحظة حاسمة» بسبب السلوك المتزايد جرأة من خصومها، وبسبب ضيق النافذة الزمنية المتاحة أمام لندن وحلفائها للبقاء في الصدارة في سباق التكنولوجيا.
المحاضرة أُلقيت في بلتشلي بارك، الموقع التاريخي الذي ارتبط بفك الشفرات البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية، وهو اختيار رمزي يعيد ربط معارك الشفرات القديمة بمعارك الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي اليوم. فالمشهد الحالي، وفق الخطاب، لم يعد محصوراً في الجيوش والدبابات، بل امتد إلى الكابلات، المنصات الرقمية، البيانات، الخوارزميات، والقدرة على تعطيل الخصم دون إعلان حرب مباشرة.
حرب هجينة من البنية التحتية إلى الثقة العامة
الجزء الأبرز من التحذير يخص روسيا. فوفق مقتطفات الخطاب التي أوردتها Reuters ووسائل بريطانية، ستقول كيست-باتلر إن موسكو «تصعّد نشاطها الهجين اليومي» ضد بريطانيا وأوروبا، مستهدفة البنية التحتية الحيوية، العمليات الديمقراطية، سلاسل الإمداد، وثقة المواطنين في المؤسسات والمعلومات.
هذا النوع من التهديدات لا يظهر دائماً في شكل هجوم عسكري مباشر. قد يأخذ صورة هجمات سيبرانية، تخريب، حملات تضليل، محاولات اختراق لشركات ومؤسسات بحثية، أو مساعٍ للحصول على تكنولوجيا غربية رغم القيود. ولهذا شددت رئيسة GCHQ على أن الوكالة تعمل، إلى جانب شركاء استخباراتيين ودفاعيين، على تعطيل محاولات تهريب التكنولوجيا الغربية إلى روسيا، والتصدي للهجمات السيبرانية، ومواجهة أعمال التخريب والاغتيالات المتهورة، وفق ما نقلته Reuters.
نافذة ضيقة للبقاء في الصدارة
إلى جانب روسيا، يبرز التحدي الصيني في الخطاب من زاوية مختلفة. فالصين، حسب كيست-باتلر، أصبحت قوة علمية وتكنولوجية كبرى، بقدرات متقدمة داخل أجهزة الاستخبارات والفضاء السيبراني والجيش. وفي ظل تسارع الذكاء الاصطناعي، تصبح المنافسة على التفوق التقني جزءاً مباشراً من الأمن القومي.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بمن يملك أفضل التطبيقات أو أسرع الخوادم، بل بمن يملك القدرة على تصميم تقنيات آمنة، حماية البيانات، بناء نماذج ذكاء اصطناعي موثوقة، وتأمين سلاسل توريد الرقائق والبرمجيات. لذلك ترى GCHQ أن «الأرض تتحرك تحت الأقدام»، وأن بريطانيا وحلفاءها مطالبون بالتحرك بسرعة للحفاظ على أفضلية استراتيجية في عالم تتغير قواعده بسرعة.
لماذا يهم هذا الخبر القارئ المغربي والعربي؟
قد يبدو التحذير البريطاني بعيداً جغرافياً، لكنه يلامس واقعاً عالمياً تعيشه حتى الدول غير المنخرطة مباشرة في الصراعات الكبرى. فكلما زادت الهجمات السيبرانية على البنى التحتية، والمؤسسات المالية، والموانئ، وشبكات الطاقة والاتصالات، زادت احتمالات تأثر الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسعار الخدمات والتكنولوجيا.
بالنسبة للمغرب والمنطقة، يبرز الدرس الأساسي في ضرورة رفع جاهزية الأمن السيبراني داخل المؤسسات العمومية والخاصة، وتكوين الكفاءات الرقمية، وتوعية المستخدمين بمخاطر التصيد، كلمات المرور الضعيفة، والبرمجيات الخبيثة. فالتهديدات الحديثة لا تعترف بالحدود، وقد تنتقل آثارها من دولة إلى أخرى عبر الشركات متعددة الجنسيات، خدمات السحابة، أو الشبكات المالية واللوجستية.
الأمن السيبراني لم يعد ملفاً تقنياً فقط
تحذير GCHQ يكشف أن الأمن السيبراني أصبح ملفاً سيادياً واقتصادياً واجتماعياً في وقت واحد. فاختراق نظام معلوماتي داخل شركة طاقة أو مؤسسة صحية لا يسبب خسائر مالية فقط، بل قد يهدد خدمات أساسية، ويضعف ثقة المواطنين، ويخلق ارتباكاً سياسياً أو اجتماعياً.
ولهذا تميل الحكومات اليوم إلى التعامل مع الأمن الرقمي باعتباره جزءاً من الأمن الوطني. ويشمل ذلك تحديث التشريعات، إلزام الشركات بمعايير حماية أعلى، دعم مراكز الاستجابة للحوادث، وتطوير شراكات بين القطاعين العام والخاص، خاصة مع دخول الذكاء الاصطناعي في الدفاع والهجوم على حد سواء.
فرصة دفاعية ومصدر خطر في الوقت نفسه
من بين النقاط التي ترفع مستوى القلق، سرعة تطور الذكاء الاصطناعي. فمن جهة، يمكن لهذه التقنية أن تساعد في كشف الهجمات، تحليل البيانات الضخمة، التنبؤ بالتهديدات، وتسريع الاستجابة للحوادث. ومن جهة أخرى، يمكن استغلالها في إنتاج رسائل تصيد أكثر إقناعاً، توليد فيديوهات وصور مزيفة، تحسين البرمجيات الخبيثة، أو شن حملات تضليل واسعة بكلفة أقل.
لذلك تبدو رسالة رئيسة GCHQ مزدوجة: لا يمكن للدول الديمقراطية أن تتأخر في سباق التكنولوجيا، لكنها لا تستطيع أيضاً أن تترك هذا السباق بلا ضوابط أمنية وأخلاقية. التفوق في العصر الجديد لن يقاس فقط بسرعة الابتكار، بل بمدى القدرة على حماية المجتمع من سوء استعمال الابتكار.
بين الحرب التقليدية والحرب الرمادية
الخطاب يندرج ضمن سلسلة تحذيرات غربية من توسع ما يسمى أحياناً بـ«المنطقة الرمادية» بين السلم والحرب. في هذه المنطقة، لا تُعلن الحرب رسمياً، لكن الخصوم يستخدمون أدوات ضغط متعددة: اختراقات، تخريب، تجسس، تضليل، تهديدات اقتصادية، وتحريك شبكات نفوذ.
الخطير في هذا النوع من المواجهة أنه يصعب أحياناً تحديد الجهة المسؤولة بسرعة، كما أن الرد عليه يحتاج إلى مزيج من الدبلوماسية، القانون، التكنولوجيا، والاستخبارات. ومن هنا يأتي وصف «لحظة حاسمة»، لأن التردد أو التأخر في بناء المناعة الرقمية قد يسمح للخصوم بتوسيع هامش الحركة.
تحذير آن كيست-باتلر ليس مجرد تصريح عابر في أجندة الاستخبارات البريطانية، بل مؤشر على أن العالم يدخل مرحلة أكثر تعقيداً في الصراع على التكنولوجيا والنفوذ. روسيا تُتهم بتصعيد النشاط الهجين، الصين تُطرح كتحدٍ تكنولوجي واسع، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل ميزان القوة بسرعة غير مسبوقة.
بالنسبة للدول والمؤسسات والأفراد، الخلاصة واضحة: الأمن الرقمي لم يعد خياراً إضافياً، بل شرطاً لحماية الاقتصاد والثقة والاستقرار. وكلما أصبحت الحياة اليومية أكثر ارتباطاً بالمنصات والخدمات الذكية، أصبح الاستثمار في الوعي والحماية والتقنيات الآمنة ضرورة لا تقل أهمية عن أي بنية تحتية تقليدية.