أوروبا تريد فكاكاً من عمالقة الدفع الأمريكيين.. لكن خلاف البنوك والمركزي يعقّد الطريق

5 دقائق (معدل القراءة)
مسودة تلقائية

في أوروبا، لم يعد الدفع ببطاقة أو هاتف مجرد عملية يومية عابرة، بل تحول إلى ملف سيادي يمس المال والبيانات والقدرة على التحكم في البنية المالية. فمع توسع المدفوعات غير النقدية بعد جائحة كورونا، ازداد حضور شركتي Visa وMastercard في قلب معاملات الأوروبيين، بينما يحاول البنك المركزي الأوروبي الدفع نحو بديل محلي عبر مشروع اليورو الرقمي. غير أن الطريق لا يبدو سهلاً: البنوك نفسها، التي يُفترض أن تكون جزءاً من الحل، تخشى أن تتحول إلى الخاسر الأكبر من هذا التحول.

خلاف يعطل مشروعاً مالياً حساساً

بحسب تقرير لوكالة Reuters، فإن مساعي أوروبا لتقليل اعتمادها على عمالقة الدفع الأمريكيين اصطدمت بتوتر متزايد بين البنك المركزي الأوروبي ومؤسسات مالية تسعى إلى حماية إيراداتها. ويرتبط الخلاف أساساً بمشروع اليورو الرقمي، الذي تريد منه فرانكفورت توفير وسيلة دفع أوروبية آمنة وموحدة، في وقت تخشى فيه البنوك أن يفقدها هذا المشروع جزءاً من الرسوم والودائع وعلاقتها المباشرة مع الزبائن.

لماذا تخشى أوروبا من الاعتماد على Visa وMastercard؟

تعاظم الاعتماد على الشبكات الأمريكية في المدفوعات الأوروبية يثير قلقاً سياسياً ومالياً في آن واحد. فالمسألة لا تتعلق فقط برسوم التجار أو تكلفة البطاقات، بل أيضاً بالقدرة على الحفاظ على استقلال البنية التحتية للمدفوعات في أوقات الأزمات أو التوترات الجيوسياسية. وتشير معطيات متداولة أوروبياً إلى أن Visa وMastercard تستحوذان على حصة كبيرة من مدفوعات البطاقات في منطقة اليورو، مع حضور شبه حاسم في المعاملات العابرة للحدود.

اليورو الرقمي.. حل سيادي أم تهديد للبنوك؟

يرى البنك المركزي الأوروبي أن اليورو الرقمي يمكن أن يمنح المواطنين والشركات وسيلة دفع عامة، مضمونة من البنك المركزي، وقابلة للاستخدام في مختلف دول منطقة اليورو. لكن البنوك تنظر إلى الأمر من زاوية مختلفة: إذا احتفظ المستهلكون بأموالهم داخل محافظ رقمية مضمونة مباشرة من المركزي الأوروبي، فقد يتراجع جزء من الودائع المصرفية، وقد تضطر البنوك إلى البحث عن تمويل بديل أعلى تكلفة. لذلك يدور النقاش حول سقف محتمل لما يمكن للفرد الاحتفاظ به من اليورو الرقمي، مع تداول رقم قريب من 3000 يورو كآلية للحد من التأثير على القطاع المصرفي.

رسوم التجار ونقطة الصدام الكبرى

إحدى نقاط الخلاف الرئيسية تتعلق بكلفة استخدام اليورو الرقمي. فالبنك المركزي الأوروبي يريد بنية دفع منخفضة التكلفة للمواطنين والتجار، مع تقليص الرسوم التي يدفعها التجار للوسطاء. غير أن شركات الدفع والبنوك تخشى أن يؤدي ذلك إلى ضغط مباشر على الإيرادات التي تحققها من المدفوعات الحالية. ووفق Reuters، تقدر جهات في القطاع أن سقوف الرسوم أو خفضها قد يكلف الشركات الخاصة مليارات اليوروهات سنوياً، وهو ما يفسر مقاومة جزء من القطاع المالي.

تأخر التشريعات يفتح الباب أمام بدائل خاصة

لم يتحول اليورو الرقمي بعد إلى واقع تشريعي نهائي، إذ لا تزال المفاوضات السياسية داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي مستمرة بعد سنوات من النقاش. هذا التأخر يمنح المبادرات الخاصة مساحة للتحرك، من أنظمة دفع وطنية في إسبانيا وإيطاليا وغيرها، إلى مشاريع عملات مستقرة مرتبطة باليورو تدعمها بنوك أوروبية. لكن هذه البدائل، رغم أهميتها، قد تزيد المشهد تعقيداً إذا ظلت مجزأة وغير قادرة على توفير حل موحد عبر القارة.

بين السيادة المالية وحسابات الربح

تكشف الأزمة أن بناء نظام دفع أوروبي مستقل لا يتطلب التكنولوجيا فقط، بل يحتاج أيضاً إلى توافق مصالح بين المركزي الأوروبي والبنوك وشركات الدفع والتجار والمستهلكين. فالمركزي يريد سيادة مالية وحلاً عاماً واسع الانتشار، بينما تريد البنوك حماية نموذج أعمالها ومداخيلها، خاصة في وقت تواجه فيه منافسة من شركات التكنولوجيا المالية والعملات المستقرة.

ما الذي يعنيه ذلك للمستهلك الأوروبي؟

بالنسبة للمستهلك، قد يبدو النقاش بعيداً وتقنياً، لكنه قد يحدد مستقبلاً طريقة الدفع في المتاجر، عبر الإنترنت، وخارج الحدود. فإذا نجح اليورو الرقمي أو نظام أوروبي موحد، فقد يحصل المستخدم على خيارات دفع أرخص وأكثر ارتباطاً بالبنية الأوروبية. أما إذا طال الخلاف، فقد يستمر الاعتماد على الشبكات الأمريكية، مع حلول محلية متناثرة لا تمنح أوروبا الاستقلال الذي تبحث عنه.

خلاف البنك المركزي الأوروبي مع البنوك لا يعطل مشروعاً تقنياً فقط، بل يكشف صعوبة بناء استقلال مالي أوروبي في سوق تتحكم فيه شبكات عالمية قوية. فاليورو الرقمي قد يكون خطوة مهمة نحو تقليل الاعتماد على Visa وMastercard، لكنه لن ينجح ما لم تجد أوروبا توازناً بين السيادة، كلفة المدفوعات، ومصالح القطاع المصرفي. وفي انتظار الحسم السياسي والتنظيمي، تبقى معركة المدفوعات الأوروبية مفتوحة بين الطموح العام وحسابات السوق.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.