أصدر المغرب، يوم 19 ماي 2026، سندات دولية في السوق المالية الخارجية بقيمة إجمالية بلغت 2.25 مليار يورو، في عملية تمويلية تفتح من جديد سؤالا مهما لدى كثير من المواطنين: ما معنى أن “يبيع المغرب سندات”؟ ومن يشتريها؟ ولماذا تلجأ الدول أصلا إلى هذا النوع من الاقتراض؟
وحسب معطيات نشرتها “Le Matin”، فقد تمت العملية عبر شريحتين: الأولى بقيمة 1.25 مليار يورو على أجل 8 سنوات، بعائد بلغ 4.842% وقسيمة سنوية قدرها 4.750%؛ والثانية بقيمة 1 مليار يورو على أجل 12 سنة، بعائد بلغ 5.289% وقسيمة سنوية قدرها 5.125%. كما بلغ دفتر الطلبات 5.2 مليارات يورو، أي أن الطلب من المستثمرين كان أعلى من المبلغ الذي حصل عليه المغرب.
ما هي السندات؟
السندات ببساطة هي دين مكتوب ومنظم. عندما تصدر الدولة سندا، فهي تقول للمستثمرين: “أقرضوني مبلغا معينا اليوم، وسأدفع لكم فائدة محددة، ثم أعيد لكم أصل المال في تاريخ لاحق”.
بمعنى آخر، السند يشبه قرضا، لكن بدل أن تحصل الدولة عليه من بنك واحد، تطرحه أمام مستثمرين كبار، مثل الصناديق الاستثمارية، شركات التأمين، البنوك، وصناديق التقاعد. هؤلاء يشترون السندات لأنهم يريدون عائدا منتظما، والدولة تبيعها لأنها تحتاج إلى تمويل ميزانيتها أو مشاريعها أو إعادة ترتيب ديونها.
لماذا يبيع المغرب السندات؟
تلجأ الدول إلى إصدار السندات لعدة أسباب. أولا، لتمويل حاجيات الميزانية عندما تكون النفقات أكبر من الموارد العادية. ثانيا، لتوزيع مصادر التمويل بين السوق الداخلية والخارجية، حتى لا تضغط الدولة كثيرا على السيولة المحلية. ثالثا، للاستفادة من ثقة المستثمرين في توقيع الدولة عندما تكون الظروف مناسبة.
وفي حالة الإصدار المغربي الأخير، تشير المعطيات المنشورة إلى أن العملية تدخل في إطار تنويع مصادر التمويل والموازنة بين التمويل الداخلي والخارجي، كما مكّنت المغرب من وضع مراجع جديدة في سوق السندات المقومة باليورو.
وتأتي هذه العملية أيضا في سياق مالي خاص. فقد نقلت وكالة “رويترز” قبل أيام أن الحكومة المغربية تعتزم إضافة 20 مليار درهم إلى ميزانية 2026 لتخفيف أثر اضطرابات الشرق الأوسط على السوق الداخلي، خصوصا ما يتعلق بدعم القدرة الشرائية واستقرار أسعار غاز الطهي والنقل والكهرباء، في بلد يستورد معظم حاجياته من النفط والغاز والفحم.
من يشتري سندات المغرب؟
المشترون غالبا ليسوا أفرادا عاديين، بل مستثمرون مؤسساتيون في الأسواق المالية الدولية: بنوك كبرى، صناديق استثمار، شركات تأمين، صناديق تقاعد، ومديرو أصول. هؤلاء يقارنون بين عائد سندات المغرب وعائد سندات دول أخرى، وينظرون إلى مستوى المخاطر، واستقرار الاقتصاد، وحجم الدين، وسعر الفائدة العالمي، والتصنيف الائتماني.
في الإصدار الأخير، بلغ دفتر الطلبات 5.2 مليارات يورو، بينما قبل المغرب 2.25 مليار يورو فقط. هذا يعني أن الطلب كان أكبر من العرض، وهو مؤشر على وجود شهية لدى المستثمرين، لكنه لا يعني أن الدين بلا كلفة، لأن الفائدة ستظل تؤدى طوال مدة السند.
لماذا هناك بيع وشراء بعد الإصدار؟
السندات لا تنتهي بمجرد بيعها أول مرة. بعد الإصدار، يمكن تداولها في ما يسمى السوق الثانوية. فالمستثمر الذي اشترى السند قد يبيعه لاحقا لمستثمر آخر إذا احتاج إلى السيولة، أو إذا تغيرت أسعار الفائدة، أو إذا أراد تعديل محفظته الاستثمارية.
هنا يظهر الفرق بين سوقين:
السوق الأولية: هي لحظة إصدار السند لأول مرة، حيث تحصل الدولة على المال مباشرة من المستثمرين.
السوق الثانوية: هي مرحلة البيع والشراء بين المستثمرين بعد الإصدار. في هذه الحالة لا تحصل الدولة عادة على أموال جديدة، لكن حركة الأسعار في هذه السوق تعكس نظرة المستثمرين إلى المخاطر والفائدة.
وفي السوق الداخلية، يعرض بنك المغرب مؤشرات مرتبطة بسندات الخزينة، منها نتائج الإصدارات، والمبالغ المقترحة والمقبولة، والمعدلات، كما ينشر أسعارا مرجعية لسندات الخزينة في السوق الثانوية حسب آجال مختلفة.
متى تصدر السندات؟
تصدر السندات بطريقتين أساسيتين. داخليا، تصدر الخزينة المغربية سندات وأذونات بشكل دوري عبر آلية المزاد، وتكون الآجال قصيرة أو متوسطة أو طويلة. وتظهر معطيات بنك المغرب أن نتائج إصدارات سندات الخزينة تشمل آجالا مثل 13 أسبوعا، و52 أسبوعا، وسنتين، مع المبالغ المقترحة والمقبولة والمعدلات المرتبطة بها.
أما خارجيا، فلا تصدر الدولة سندات دولية كل أسبوع، بل تختار التوقيت حسب حاجتها للتمويل، وظروف السوق الدولية، ومستويات الفائدة، وثقة المستثمرين، وحجم الطلب المحتمل. لذلك قد تنتظر الدولة نافذة مناسبة في الأسواق حتى تحصل على أفضل شروط ممكنة.
هل إصدار السندات أمر خطير؟
إصدار السندات ليس خطيرا في حد ذاته، بل هو أداة عادية تستعملها الدول والشركات الكبرى. الخطر يظهر عندما يصبح الدين كبيرا جدا مقارنة بقدرة الدولة على السداد، أو عندما ترتفع كلفة الفائدة، أو عندما تُستعمل الأموال لتمويل نفقات غير منتجة بدل الاستثمار في الاقتصاد.
لذلك لا يكفي أن نقول إن المغرب “اقترض” أو “نجح في جمع الأموال”. السؤال الأهم هو: كيف ستُستعمل هذه الأموال؟ وهل ستساعد على تمويل إصلاحات واستثمارات واحتياجات ضرورية، أم ستزيد عبء الفوائد في السنوات المقبلة؟
وفي الحالة المغربية، تؤكد المعطيات الرسمية والإعلامية أن الخزينة تسعى إلى تنويع مصادر التمويل بين الداخل والخارج. لكن هذا لا يلغي ضرورة مراقبة كلفة الدين، خاصة في ظرف عالمي يشهد ارتفاعا في أسعار الفائدة وتوترا في أسواق الطاقة.
ما علاقة المواطن بهذا الخبر؟
قد يبدو خبر السندات بعيدا عن الحياة اليومية، لكنه يرتبط في العمق بالميزانية العامة. فالدولة حين تقترض، تمول نفقات ومشاريع ودعما اجتماعيا واستثمارات، لكنها في المقابل تلتزم بأداء فوائد وسداد أصل الدين في المستقبل.
بالنسبة للمواطن، الأثر لا يكون مباشرا في اليوم التالي، لكنه يظهر عبر قدرة الدولة على تمويل الخدمات، ودعم الأسعار، والاستثمار في البنية التحتية، والحفاظ على التوازنات المالية. لذلك ففهم السندات يساعد على فهم كيف تتحرك الدولة بين الحاجة إلى التمويل والحفاظ على استقرار المديونية.
خلاصة المقال
إصدار السندات يعني أن الدولة تقترض من المستثمرين مقابل فائدة وأجل محددين. المغرب أصدر سندات دولية بقيمة 2.25 مليار يورو، في عملية تهدف إلى تنويع مصادر التمويل بين السوق الداخلية والخارجية.
- السندات هي قرض منظم تبيعه الدولة للمستثمرين وتلتزم بسداده لاحقا مع الفائدة.
- البيع الأول يمنح الدولة تمويلا، أما البيع والشراء اللاحق فيجري غالبا بين المستثمرين في السوق الثانوية.
- الفائدة الحقيقية للمواطن ترتبط بكيفية استعمال هذه الأموال وبقدرة الدولة على التحكم في كلفة الدين.