منذ أكثر من خمسة عقود، اختار النظام العسكري الجزائري أن يجعل من قضية الصحراء المغربية محورًا لعقيدته السياسية الخارجية، لا دفاعًا عن “حق تقرير المصير” كما يروج، بل هروبًا من أزماته الداخلية ومحاولة لبناء شرعية إقليمية قائمة على العداء للمغرب. غير أن التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة جعلت هذا الرهان يبدو اليوم أكثر عزلة وفشلًا من أي وقت مضى.
المغرب، في المقابل، تحرك بمنطق الدولة الهادئة والواثقة، مستندًا إلى التاريخ والشرعية والواقعية السياسية، حتى أصبح ملف الصحراء يحصد اعترافًا ودعمًا غير مسبوقين على المستوى الدولي. أكثر من 130 دولة عبر العالم باتت تدعم بشكل مباشر أو غير مباشر مغربية الصحراء، فيما تتزايد القنصليات الأجنبية في مدينتي العيون والداخلة، في رسالة دبلوماسية واضحة بأن المجتمع الدولي يتجه نحو الحسم الواقعي لهذا النزاع المفتعل.
ورغم هذا التقدم الكبير، لا يزال النظام العسكري الجزائري يصر على الاستمرار في سياسة الإنكار والمواجهة، وكأنه ذلك الشخص الذي توفيت أمه فهرب بالفأس حتى لا تُدفن، في محاولة عبثية لوقف ما لا يمكن إيقافه. فبدل مراجعة الحسابات والاعتراف بأن الزمن تغير، يستمر الخطاب الرسمي الجزائري في ضخ المزيد من التوتر داخل المنطقة المغاربية، معطلاً بذلك أي أمل في بناء اتحاد مغاربي قوي يخدم شعوب المنطقة.
المغرب لم يغلق الباب أبدًا أمام الحل السياسي، بل قدم منذ سنوات مبادرة الحكم الذاتي كحل جدي وواقعي وذي مصداقية، وهي المبادرة التي وصفتها قوى دولية كبرى بأنها الأساس الأكثر واقعية لتسوية النزاع. هذه المبادرة لم تكن تعبيرًا عن ضعف، بل عن ثقة دولة تعرف حقوقها وتبحث في الوقت نفسه عن حل يحفظ الاستقرار الإقليمي ويضمن كرامة الجميع.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: إلى متى سيظل المغرب ينتظر؟ فالصبر السياسي، مهما طال، له حدود. والمملكة التي نجحت في تثبيت موقعها إقليميًا ودوليًا، لم تعد في وضعية الدفاع كما كان الأمر في العقود الماضية، بل أصبحت في موقع المبادرة والقوة الدبلوماسية والاستراتيجية.
الواقع الجديد يؤكد أن المغرب بات يتحرك من موقع مريح، مدعومًا بشراكات دولية قوية ومشاريع تنموية كبرى في الأقاليم المغربية الجنوبية، بينما يجد النظام العسكري الجزائري نفسه غارقًا في عزلة متزايدة، نتيجة استمرار عقلية الحرب الباردة ورفضه التكيف مع التحولات الجيوسياسية الحالية.
وفي هذا السياق، يبرز القرار 9727 كأحد المؤشرات السياسية والقانونية التي تصب في اتجاه تكريس مغربية الصحراء وتعزيز مقاربة الحل الواقعي بدل الأوهام الإيديولوجية التي تجاوزها الزمن. فالعالم اليوم لم يعد يقيس القضايا بالشعارات، بل بالاستقرار والتنمية والواقعية السياسية.
إن المغرب، وهو يمنح الفرصة تلو الأخرى للحل السلمي، يبعث برسالة واضحة: باب الحوار لا يزال مفتوحًا، لكن استمرار التعنت لن يغير الحقائق على الأرض، ولن يوقف المسار الدولي المتنامي الداعم لمغربية الصحراء. وإذا كان النظام العسكري الجزائري يعتقد أن بإمكانه تجميد التاريخ، فإن الوقائع تؤكد أن عجلة السياسة لا تعود إلى الخلف.
لقد دخل الملف مرحلة جديدة عنوانها الحسم الهادئ، والمغرب يبدو اليوم أكثر ثقة من أي وقت مضى في أن المستقبل يُكتب من العيون والداخلة، لا من خطابات العداء والتوتر.
بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
