تملك كرة القدم قدرة نادرة على إعادة فتح دفاتر الذاكرة في اللحظات التي لا يتوقعها أحد. وبين مونديال 1986 ومونديال 2026، تقف المكسيك شاهدة على فصلين متباعدين زمنيا، لكنهما متصلان في وجدان المغاربة بخيط واحد: حلم “أسود الأطلس” حين يتحول من مشاركة عادية إلى حكاية وطنية كبرى.
في 11 يونيو 1986، وعلى أرضية ملعب خاليسكو بمدينة غوادالاخارا المكسيكية، كتب المنتخب المغربي واحدة من أجمل صفحاته في تاريخ كأس العالم، عندما أطاح بمنتخب البرتغال بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، في مباراة بقيت محفورة في ذاكرة الأجيال.
يومها، وقع عبد الرزاق خيري هدفين خالدين، وأضاف مصطفى كريمو الهدف الثالث، ليمنحا المغرب انتصارا لم يكن مجرد نتيجة في دور المجموعات، بل كان بوابة عبور تاريخية نحو الدور الثاني، جعلت المنتخب المغربي أول منتخب عربي وإفريقي يحقق هذا الإنجاز في تاريخ المونديال.
ذلك الجيل لم يكن يملك صخب النجومية كما تعرفه كرة القدم الحديثة، لكنه امتلك ما هو أثمن: الانضباط، الصلابة، الإيمان بالحظوظ، والقدرة على مواجهة الكبار دون عقدة. وبعد الإنجاز التاريخي أمام البرتغال، ودع المغرب البطولة بشرف أمام ألمانيا الغربية، بهدف قاتل في الدقيقة 87، لكنه غادر وقد ترك اسمه في سجل المونديال.
بعد أربعين عاما، تعود الكرة المغربية إلى المكسيك من جديد، لكن هذه المرة بذاكرة أثقل وطموح أكبر. فمونديال 2026، الذي تحتضنه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يعيد “أسود الأطلس” إلى أرض شهدت أول مجد عالمي لهم، وكأن التاريخ قرر أن يفتح الباب أمام فصل جديد من الحكاية.
المكان ليس تفصيلا صغيرا في هذه القصة. فالمكسيك ليست مجرد محطة جغرافية بالنسبة للمغاربة، بل هي رمز أول اختراق حقيقي للمنتخب الوطني في كأس العالم. هناك بدأ العالم ينظر إلى الكرة المغربية بجدية، وهناك خرج المغرب من دائرة المشاركة الشرفية إلى دائرة المنتخبات القادرة على صناعة الحدث.
اليوم، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام موعد جديد في الأدوار الإقصائية، وهذه المرة في مواجهة هولندا، أحد أكبر الأسماء في تاريخ كرة القدم العالمية، وصاحبة مدرسة كروية عريقة ارتبطت لعقود بفكرة “الكرة الشاملة” والمهارة والسرعة والتنظيم.
غير أن المغرب الذي يواجه هولندا في 2026 ليس هو المغرب الذي كان يبحث فقط عن الاعتراف سنة 1986. فبعد ملحمة قطر 2022، حين بلغ “أسود الأطلس” نصف نهائي كأس العالم كأول منتخب عربي وإفريقي يحقق ذلك، أصبح المنتخب الوطني يدخل مثل هذه المواعيد بثقة مختلفة، وبشخصية أقوى، وباحترام أكبر من الخصوم.
بين جيل 1986 وجيل 2026 تتغير الأسماء والظروف والكرة نفسها، لكن الروح تبقى حاضرة. في الأولى، كان المغرب يفاجئ العالم من بوابة البرتغال. وفي الثانية، يدخل وهو يحمل إرث إنجاز قطر، ورغبة في إثبات أن ما وقع هناك لم يكن صدفة جميلة، بل بداية مرحلة جديدة في تاريخ كرة القدم المغربية.
مباراة هولندا، بهذا المعنى، ليست مجرد مواجهة من 90 دقيقة. إنها اختبار لذاكرة كاملة. اختبار لجيل يريد أن يربط بين أمجاد الماضي وطموحات الحاضر، وأن يجعل من العودة إلى المكسيك أكثر من مجرد صدفة في روزنامة المونديال.
فالرقم أربعون يحمل في داخله رمزية خاصة. أربعون عاما مرت منذ أن فاز المغرب على البرتغال في غوادالاخارا، وأربعون عاما كانت كافية لتتغير الكرة المغربية من منتخب يحلم بعبور الدور الأول، إلى منتخب يحلم بالذهاب بعيدا في المونديال، وهو يحمل على كتفيه انتظارات شعب كامل.
وتزيد مواجهة هولندا من قوة الحكاية، لأنها تحمل بدورها الكثير من المعاني الكروية والإنسانية، خاصة أن عددا من لاعبي المنتخب المغربي يعرفون الكرة الهولندية عن قرب، كما أن العلاقة بين البلدين على مستوى الهجرة والهوية الرياضية جعلت هذا اللقاء أكثر من مجرد مباراة بين منتخبين.
في مثل هذه المحطات، لا تكفي الأرقام وحدها لفهم الرهان. هناك ذاكرة ملعب، وحنين جيل، وطموح جيل آخر، وجمهور مغربي بات يؤمن أن منتخب بلاده قادر على الوقوف أمام الكبار دون خوف. وهذا التحول في النظرة ربما يكون أحد أكبر مكاسب الكرة المغربية في العقود الأخيرة.
المكسيك التي شهدت بداية الحلم سنة 1986، تعود اليوم لتقف شاهدة على فصل جديد. لا أحد يعرف كيف ستنتهي مواجهة هولندا، لكن المؤكد أن “أسود الأطلس” يدخلونها وهم يحملون تاريخا لا ينسى، وحاضرا أكثر نضجا، وحلما لا يزال مفتوحا على كل الاحتمالات.
فهل تبتسم المكسيك للمغرب مرة أخرى؟ وهل يتحول رقم الأربعين من مجرد ذكرى إلى عنوان جديد في مسار المنتخب الوطني؟ الجواب سيكتبه اللاعبون فوق العشب، كما كتبه خيري وكريمو قبل أربعة عقود، حين جعلوا من ليلة غوادالاخارا لحظة لا تغيب عن ذاكرة المغاربة.
خالد اكرام

