سويعات قبل المواجهة كانت شوارع المدينة تعيش حظر تجوال اختياري لم تعلنه أي سلطة.. سوى سلطة العاطفة والانتماء.
خلت الأزقة من مارّتها.. وغرقت الدروب في سكون رهيب يسبق العاصفة بينما تحولت المقاهي إلى علب سردين بشرية لم تعد تتسع لروادها.
في تلك اللحظات.. تسمّرت عيون المغاربة ومعهم ملايين عبر العالم. أمام الشاشات في طقس جماعي أقرب إلى الصوفية الكروية.
كانت كل العيون معلقة بعقرب ساعة عنيد بدا وكأنه يرفض التحرك..
وقت كانت فيه الأنفاس محبوسة. والنبضات تائهة بين ذاكرة “السامبا” المرعبة التي تختزل تاريخ اللعبة وبين كبرياء وطن ذاق حلاوة المجد في قطر.. وجاء اليوم ليثبت أن المعجزات لا تولد من رحم الصدفة. بل هي الصيرورة الطبيعية لبلد قرر أن ينهض ويقف على قدميه.ويقول بجرأة وثقة:
لقد كبرنا.. وفي كل المجالات.
مع الصافرة الأولى
انطلق امتحان الأعصاب.. كان التوتر يلتهم الوجوه ونحن نتابع تلك التمريرات بكثير من الوجل وقليل من الإطمئنان.. غير أن هذا الخوف السيكولوجي سرعان ما تبدد ليحل محله ذهول من نوع آخر..
لقد رأينا على المستطيل الأخضر رجالاً يرتدون قميص الوطن لا تأخذهم أمام أسماء البرازيل الرنانة سِنةُ خوف أو ارتباك.
قارعوا الكبار بنِدية تمتيكيّة كروية تدرّس
ودخلوا في صراع بدني شريف يقدس القواعد لتلتقي الفنيّات بالبراعة والتكتيك الصارم في طبق كروي فاخر أعاد إلى الأذهان زمن اللعبة الجميل
ذلك الزمن الذي كانت فيه البطولات أعراساً حقيقية تبهج النفوس.. لا مآتم جافة تحركها الحسابات الضيقة.
وحين أطلقت الصافرة النهائية معلنة عن “عدالة رياضية” قسّمت النقاط بالتساوي بين العملاقين.. لم يكن التعادل في عمقه مجرد رقم على سبورة الملعب بل كان صك اعتراف دولي وشهادة ميلاد رسمية لمدرسة فنية جديدة وقائمة الذات اسمها
“المدرسة المغربية”.
لقد كانت الأجواء التي تلت نهاية المقابلة تفوق الوصف في بهائها.. انقشع غبار المعركة الكروية لتتسلل إلى المشهد لوحة حضارية آسرة تلاحمت فيها قارتان في عناق دافئ وتبادل للتحيات الصادقة بين اللاعبين.
في تلك اللحظة التاريخية. رأينا كيف انقلبت الآية وأصبح القميص المغربي الأحمر – الأخضر امتيازاً يتسابق عليه نجوم البرازيل ويبحثون عنه كغنيمة فخر واعتزاز.
هذا الانبهار امتد أثره سريعاً إلى كبريات قاعات التحرير إذ وقفت الصحافة الدولية مذهولة أمام القوة الهادئة والأسلوب المغربي الساحر مجمعةً على ميلاد نجم استثنائي في خط الوسط هو “بوعدي” الذي أعاد إلى الأذهان بريق الأسطورة الراحل “عبد المجيد الظلمي”.
لقد كتب المحللون بدهشة عن هدوء هذا “المايسترو” الشاب ونظافة تدخلاته حتى أشار البعض بنوع من الشاعرية والإنصاف أنه كان يركض على العشب وكأنه يرتدي “ربطة عنق” في وصف بليغ لقمة الأناقة والوقار الكروي.
آه يا زمان..
كم كنت رؤوفاً بنا وجواداً كي يمتد بنا العمر ونستمتع بهذه اللحظة الرمزية الفارقة!
كم كنت منصفاً ونحن نرى كبرياء السامبا ينحني احتراماً لإبداع الأطلس تحت تصفيقات جمهور عريض تذوق الفن الكروي في أبهى تجلياته.
نعم، هي كرة القدم بلغة النبلاء التي أكدت للعالم أجمع،وبكثير من الاعتزاز أن المغرب لم يعد مجرد رقم إضافي في معادلات الكبار بل هو رائد قادم لصياغة المستقبل برأس مرفوعة لا تعرف الإنحناء لتنام تلك الليلة شوارعنا وهي تلتحف الدفء والفخر موقنةً أن موقنةً أن شمس هذا الوطن قد أشرقت ولن تغيب خلف غيوم المستحيل
يوسف غريب كاتب صحفي
