اللعبة انتهت… وبقي اللاعب عالقاً في الملعب: حين تحوّلت الورقة إلى ورطة، من يدفع ثمن 240 ألف إنسان؟”

أخبار وطنية

بقلم: أحمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية

في الحظةٍ التي قرأت دول العالم اتجاه الريح… ظلّ النظام العسكري الجزائري يحدّق في السماء منتظراً عاصفةً لم تعد موجودة. الملف الذي كان يُلوَّح به لعقود كـ”ورقة ضغط” تحوّل بهدوء إلى عبء ثقيل، ثم إلى فخّ محكم… والأطرف؟ أن من نصبه هو نفسه من سقط فيه.
“فكها يا من وحلّتها!” ليست مجرد عبارة ساخرة، بل وصف دقيق لحالة نظامٍ راهن على معادلات قديمة في عالم تغيّر بسرعة. فبينما كانت العواصم الكبرى تعيد ترتيب أولوياتها، ظلّ الخطاب الرسمي يكرّر نفس الأسطوانة: شعارات، بيانات، ومسرحيات دبلوماسية فقدت جمهورها.

  • أين المشكلة إذن؟

المعضلة لم تعد في “القضية” كما يُروَّج، بل في التفاصيل التي حاولت طويلاً أن تبقى في الظل. الحديث عن مخيمات تندوف لم يعد محصوراً في الرواية الرسمية، بل خرج إلى الضوء: تركيبة سكانية معقّدة، أرقام غير محسومة، وأسئلة محرجة حول من هو “الصحراوي المغربي ” فعلاً.
حين تبدأ الأرقام في التسرّب 20%، 30%… والباقي خليط من هويات متعددة ليبيا ، الجزائر، مالي،النيجر ، موريتانيا و غيرها من الدول الإفريقية جنوب الصحراء ) يتحول الملف من قضية سياسية إلى لغز ديمغرافي. وهنا تبدأ السخرية السوداء: كيف يمكن الدفاع عن “تقرير مصير” بينما هوية المعنيين نفسها محل جدل؟

  • الفخ الحقيقي

النظام لم يكتفِ بإدارة الملف، بل عمّقه، ضخّمه، وربط به رهانات إقليمية. والنتيجة؟ واقع يصعب تفكيكه:

  • عشرات الآلاف من الأشخاص في وضع قانوني ضبابي
  • مسؤولية دولية لا يمكن التنصل منها بسهولة
  • ضغط متزايد لإيجاد حلول عملية بدل الشعارات
    وحين حاولت الجزائر، وفق الرواية المتداولة، إعادة توزيع هذا العبء أو التخفيف منه، جاء الرد البارد: “أنتم من صنع هذا الواقع… وعليكم التعامل معه.”
  • السؤال الأكثر إزعاجاً: ماذا بعد؟

هنا تدخل الحكاية مرحلة أكثر تعقيداً، بل وأكثر سخرية. إذا افترضنا كما يُطرح عودة من يُعتبرون “صحراويين” إلى وطنهم، فماذا عن البقية؟ ماذا عن عشرات الآلاف الذين لا ينطبق عليهم هذا التصنيف؟
هل سيُعاد تصنيفهم فجأة؟
هل ستُفتح لهم أبواب بلدانهم الأصلية؟
أم سيبقون عالقين في فراغ قانوني لا هو هوية ولا هو إقامة؟
الفكرة التي يتم تجاهلها طويلاً تعود الآن بقوة: لا يمكن تفكيك ملف بهذا الحجم بقرار سياسي بسيط. لأنك لا تتعامل مع أرقام فقط، بل مع بشر، مع واقع تشكّل عبر سنوات.

  • من الورقة إلى الورطة الكبرى

وهنا تبلغ السخرية ذروتها:
الملف الذي استُخدم كورقة ضغط، قد يتحول إلى عبء إنساني وسياسي دائم.

  • فإما إدماج هؤلاء ضمن واقع جديد داخل الجزائر
  • أو تحمّل مسؤولية إعادتهم وفق ترتيبات معقدة مع دول أخرى
  • أو مواجهة وضع طويل الأمد لمجموعات بلا وضع واضح
    وفي كل السيناريوهات، هناك كلفة… سياسية، إنسانية، ودبلوماسية.
  • العقدة التي كبرت أكثر من صاحبها

“فكها يا من وحلّتها!” لم تعد مجرد نكتة سياسية، بل تشخيص دقيق لوضعٍ وصل إلى نقطة لا ينفع معها الإنكار.
لأن السؤال لم يعد: كيف نربح الملف؟
بل أصبح: كيف نخرج منه بأقل الخسائر؟
وهذا… هو السؤال الذي لا يملك له أحد جواباً سهلاً.