يكشف موسم أضاحي العيد في المغرب مفارقة اقتصادية لا تقل أهمية عن سؤال الأسعار والوفرة. ففي الوقت الذي تسعى فيه الدولة وبنك المغرب والمؤسسات المالية إلى تقليص الاعتماد على “الكاش”، وتشجيع الأداء الإلكتروني وإدماج السيولة المتداولة خارج الأبناك داخل الدورة الرسمية، تتحول أسواق الأضاحي كل سنة إلى واحدة من أكبر لحظات خروج النقد من الحسابات البنكية نحو الرحبات والضيعات والكراجات.
العملية تبدو بسيطة في ظاهرها: مواطن يسحب مبلغا من حسابه، يتوجه إلى السوق، يشتري الأضحية نقدا، ثم ينتقل المال إلى يد الكساب أو الوسيط أو الناقل أو صاحب الرحبة. لكن السؤال الاقتصادي الحقيقي هو: كم من مليار درهم خرج من الأبناك خلال أيام قليلة؟ وأين ذهب بعد ذلك؟ وهل عاد إلى النظام البنكي، أم بقي يدور في الاقتصاد النقدي غير المراقب؟
لا توجد، إلى حدود المعطيات المنشورة، إحصائية رسمية تفصل حجم السحوبات النقدية المرتبطة حصرا بشراء أضاحي العيد. لذلك لا يمكن الجزم برقم دقيق. لكن يمكن بناء تقدير تقريبي لفهم حجم الظاهرة. فإذا كان الطلب الوطني على أضاحي العيد يقدر، وفق معطيات وزارة الفلاحة، بحوالي 6 إلى 7 ملايين رأس، فإن مجرد افتراض متوسط سعر بين 3000 و5000 درهم للرأس يعني أن سوق الأضاحي قد يحرك نظريا ما بين 18 و35 مليار درهم، مع اختلاف كبير حسب السعر الحقيقي وعدد الأضاحي المباعة نقدا أو عبر معاملات أخرى. وكانت وزارة الفلاحة قد أعلنت أن العرض الوطني من الأغنام والماعز المخصصة لعيد الأضحى 1447 هـ يتراوح بين 8 و9 ملايين رأس، متجاوزا الطلب المقدر بين 6 و7 ملايين رأس.
هذه الأرقام التقديرية لا تعني أن كل المبلغ خرج من الأبناك في أسبوع واحد، ولا أن كل العمليات تمت نقدا. لكنها تكشف حجم السؤال: سوق الأضاحي ليس سوقا صغيرا. إنه موسم يحرك كتلة مالية ضخمة، وفي جزء كبير منها خارج الفوترة البنكية المباشرة، وخارج الأداء الإلكتروني، وخارج أثر ضريبي واضح.
والأخطر أن هذه المفارقة تأتي في وقت ترتفع فيه العملة المتداولة خارج الأبناك أصلا. فقد أظهرت مؤشرات بنك المغرب أن “النقد المتداول” أو monnaie fiduciaire بلغ 511.2 مليار درهم في نهاية أبريل 2026، بارتفاع سنوي قدره 17 في المائة. كما بلغ 499.4 مليار درهم في يناير 2026، بارتفاع سنوي قدره 18.5 في المائة، وفق المؤشرات الأسبوعية المنشورة من بنك المغرب.
هذا يعني أن الاقتصاد المغربي يدخل موسم العيد وهو أصلا أمام كتلة نقدية ضخمة خارج التداول البنكي الكامل. وعندما يضاف إليها ضغط موسم الأضاحي، تصبح الأسئلة أكبر: هل تسحب الأسر مدخراتها؟ هل يتم تفريغ الشبابيك الأوتوماتيكية في بعض المناطق؟ هل ينتقل النقد إلى الوسطاء ثم يبقى لديهم؟ وهل تعود المبالغ إلى الأبناك عبر الإيداعات، أم تبقى جزءا من دورة “الكاش” التي يصعب تتبعها؟
بنك المغرب نفسه يشير في وثائقه إلى أن العملة المتداولة لها نمط موسمي، وتبلغ ذروات خلال النصف الثاني من السنة بسبب فترات تعرف طلبا عاليا على النقد، ومن بينها الصيف واحتفالات عيد الأضحى والدخول المدرسي. وتوضح القوائم المالية لبنك المغرب لسنة 2024 أن تداول الأوراق والقطع النقدية بلغ ذروة خلال النصف الثاني من السنة، بسبب تمركز مناسبات ذات طلب مرتفع على الكاش.
هنا تظهر المفارقة غير المفهومة بالنسبة للمواطن: الدولة تشجع الأداء الإلكتروني، وبنك المغرب يشتغل على تطوير وسائل الدفع وتقليص الاعتماد على النقد، والمؤسسات المالية تتحدث عن الإدماج المالي، لكن واحدة من أكبر عمليات الاستهلاك السنوية، وهي شراء الأضحية، تظل إلى حد كبير نقدية. والمواطن نفسه الذي تدفعه الأبناك نحو البطاقة والتطبيقات، يجد نفسه أمام بائع لا يقبل إلا “الكاش”.
وليست هذه المفارقة تقنية فقط، بل لها آثار اقتصادية عميقة. فعندما تتم العملية نقدا، يصعب معرفة السعر الحقيقي، والربح الحقيقي، وعدد الرؤوس التي بيعت فعلا، وحجم الوسطاء، وحجم السيولة التي غادرت الحسابات البنكية. كما يصبح من الصعب ربط سوق الأضاحي بسجل تجاري أو ضريبي أو إحصائي دقيق، رغم أن الموسم يحرك مليارات الدراهم.
وتعمل المؤسسات المالية على تقليص الاعتماد على النقد عبر تطوير الأداء الرقمي والشمول المالي. فبنك المغرب ينشر تقارير حول الاستراتيجية الوطنية للإدماج المالي، كما تشير وثائق حول أنظمة ووسائل الدفع إلى العمل على مرحلة جديدة للاستراتيجية خلال الفترة 2024-2027، مع التركيز على الخدمات المالية الرقمية. كما أعلن البنك الإفريقي للتنمية، في فبراير 2026، عن منحة لبنك المغرب لدعم تطوير الأداءات الإلكترونية وتعزيز الإدماج المالي، بهدف المساهمة في تقليص استعمال الكاش.
لكن سوق الأضاحي يبين أن محاربة الكاش لا تتم فقط بتوفير التطبيقات والبطاقات. يجب أن تصل البدائل إلى الرحبة نفسها. فإذا كان المواطن يستطيع أداء فاتورة الماء أو الهاتف رقميا، لكنه لا يستطيع شراء أضحية عبر تحويل فوري أو أداء موثق، فإن جزءا كبيرا من الاقتصاد الموسمي سيظل خارج الهدف.
السؤال ليس: لماذا يستعمل المواطن الكاش؟ بل: هل وفرت له المنظومة بديلا موثوقا ومقبولا في السوق؟ الكساب قد يرفض التحويل لأنه لا يثق في سرعة التوصل بالمبلغ، أو لأنه لا يملك حسابا مهنيا واضحا، أو لأنه يخشى الاقتطاعات، أو لأنه يفضل بقاء العملية خارج الأثر البنكي. والمواطن بدوره يفضل الكاش لأن العملية فورية، والبائع يشترطها، والرحبة لا توفر بنية أداء رقمية.
لذلك، إذا أراد المغرب فعلا تقليص الكاش في سوق الأضاحي، فالحل لا يبدأ في العيد، بل قبل العيد بأشهر. يجب بناء مسار أداء منظم: تسجيل البائعين، فتح حسابات مبسطة أو محافظ أداء، اعتماد “بون بيع” يحمل رقم حلقة الأضحية، تمكين المواطن من الأداء عبر تحويل فوري أو بطاقة أو محفظة رقمية، وضمان توصل البائع بالمبلغ في وقت قصير وبكلفة منخفضة.
في هذه الحالة، يصبح المال مرئيا. يعرف المواطن ما دفع، وتعرف الدولة كم بيع، ويعرف البنك أين تحركت السيولة، وتصبح عودة النقد إلى النظام البنكي شبه تلقائية بدل أن تبقى معلقة على قرار البائع: هل يودع المال في البنك أم يحتفظ به نقدا؟
أما الآن، فالمسار أكثر غموضا. السيولة تخرج من الأبناك عبر السحب من الشبابيك أو الوكالات. تنتقل إلى الأسواق. جزء منها يعود عندما يودع الكسابة والتجار مداخيلهم، وجزء آخر قد يبقى في التداول النقدي لشراء الأعلاف، أداء أجور، تسديد ديون، نقل، كراء، أو معاملات غير موثقة. لذلك، لا يمكن التأكد من أن كل الكاش الذي خرج من الأبناك بمناسبة العيد سيعود إليها بسرعة أو بالكامل.
هذا الغموض له كلفة على الاقتصاد. فارتفاع الكاش خارج النظام البنكي يضغط على سيولة الأبناك، ويضعف أثر الشمول المالي، ويصعب مراقبة المعاملات الكبرى، ويترك مساحات واسعة للاقتصاد غير المهيكل. كما يجعل الدولة عاجزة عن قراءة سوق الأضاحي بدقة: كم بيع؟ بأي ثمن؟ من باع؟ من اشترى بالجملة؟ وكم بقي من العرض؟
والحل ليس بإلغاء الكاش فجأة، لأن ذلك غير واقعي في سوق تقليدي، خصوصا في العالم القروي. لكن يمكن البدء بخطوات عملية: إلزام الأسواق المنظمة بتوفير نقطة أداء إلكتروني، تخفيض كلفة الأداء الرقمي خلال موسم العيد، منح وصل رقمي أو ورقي لكل عملية، ربط الأداء برقم حلقة الأضحية، وتوفير حوافز للكسابة الذين يقبلون الأداء عبر الحساب البنكي أو المحفظة.
كما يمكن اعتماد سقف معين للمعاملات النقدية داخل الأسواق المنظمة، مع فترة انتقالية واضحة. مثلا، يمكن أن يبدأ الأمر بالأسواق الكبرى والرحبات الحضرية، ثم يتوسع تدريجيا. الهدف ليس التضييق على المواطن، بل حماية السوق من الغموض، وحماية المال العام، وربط المبيعات الحقيقية بالإحصاء والدعم وتتبع القطيع.
الأهم أن سوق الأضاحي يجب أن يتحول من “لحظة نقدية ضخمة” إلى “لحظة اقتصادية مقروءة”. فكما نطرح اليوم سؤال الحلقات لتتبع القطيع، يجب أن نطرح سؤال الأداء لتتبع المال. لا معنى أن نعرف رقم الأضحية ولا نعرف ثمنها. ولا معنى أن نسجل البائع ولا نعرف حجم معاملاته. ولا معنى أن نتحدث عن محاربة الكاش ثم نترك أكبر موسم نقدي يمر بلا أثر واضح.
الخلاصة أن أضاحي العيد تكشف معضلة بنيوية في الاقتصاد المغربي: هناك رغبة رسمية في تقليص الكاش، لكن الواقع التجاري والاجتماعي ما زال يدفع الناس إلى استعماله بقوة. وما لم تُبنَ جسور عملية بين الرحبة والبنك، وبين الحلقة والبيع، وبين الدعم والفوترة، ستظل مليارات الدراهم تتحرك في الظل، تخرج من الأبناك بسرعة، وتعود ببطء أو لا تعود كاملة.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله