هناك بعض اللقطات التي تولد في الملاعب لا تُقاس بالدقائق بل بالخلود.. ففي تلك الليلة المشتعلة من مونديال 2026 وحين كانت الأنفاس محبوسة في صدورنا انطلقت ركلة إسماعيل صيباري كقذيفة من نور لتخترق شباك هولندا كقديفة عبور نحو المجد . انطلقت الصافرة واشتعلت المدرجات بزلزال من الفرح لكن البطل لم يلتفت للأضواء ولم يسقط في فخ الغرور العابر بل ركض مدفوعاً ببوصلة سرية ومغناطيس خفي يجذبه نحو المدرجات ليرتمي في أحضان أمه.
حين حشى صيباري رأسه في صدرها بكى… ولم تكن تلك دموع فرح بانتصار كروي بل كان أنيناً قديماً يعود إلى أصله. في تلك اللحظة تداخلت الخطوط وتلاشت الحدود بين اللحم والتراب فمن عانق صيباري في تلك الليلة؟
هل كانت أمه التي حملته وهناً على وهن أم كانت أرض الوطن التي نادته من خلف البحار والمنافي ليدافع عن شعارها إنها الحقيقة الكبرى التي تتجلى في طهر هذا العناق:
لا فرق بين الأم وأرض الوطن فكلاهما نابع من جذر واحد ممتد في أعماق تربة هذا الوطن ..
خلف هذا الارتباط الأسطوري الذي يظهره أبطال المغرب في كل محفل يكمن تشويق من نوع خاص سرٌّ حار في تفسيره محللو الغرب كيف للاعبين ولدوا في صقيع أوروبا ونشأوا في أكاديمياتها وتحدثوا لغاتها أن يقاتلوا على المستطيل الأخضر بشراسة محاربين قدامى يحمون قلاعهم؟ الجواب يكمن في ذلك العناق هؤلاء الأبطال لم يغتربوا يوماً لأن الأمهات في ديار المهجر لم يلدن أطفالاً فحسب، بل كنَّ يلدنَ (أوطاناً مصغرة)
كانت الأم تسكب في قلوبهم حب الوطن مع حليب الرضاعة وتحكي لهم عن طين الأرض وعن عبق الأجداد وعن شمس المغرب التي لا تغيب عن الوجدان لهذا حين يرتدي أحدهم قميص المنتخب فهو لا يمثل فريقاً رياضياً بل يعود ليزرع جسده في أرضه الحقيقية مدفوعاً بنداء الجذور الإلهي.
لقد واجه صيباري وبقية أصدقائه في تلك الموقعة عمالقة الدفاع واصطدم بحواجز نفسية وتكتيكية كادت أن تكسر العزائم لكن الأقدام لم تكن وحدها من تسدد .. بل طاقة روحية خفية استمدها من طهر دعوات أمه في عتمة الليالي دعوات صعدت إلى السماء لتصنع الثبات الانفعالي والهدوء الأسطوري أمام الشباك. وحين سجد البطل على العشب الأخضر ثم طار إلى حضن أمه كان كمن يغلق الدائرة السحرية: فالعشب هو وجه الأرض والأرض هي الوطن والوطن هو الأم.
كانت دموع هذه الأم غريبة.. فيها فرحة جارفة وفيها أيضاً شريط قطار العمر الذي مرّ سريعاً…
تذكرت ذلك الطفل الصغير الذي قال عنه الأطباء يوماً ببرود علمي جاف: (هذا الصغير وُلد بعاهة خلقية.. لن يمشي أبداً) نعم.. الأطباء يثقون في الأجهزة والكتب لكنهم ينسون دائماً أن هناك قوةً أخرى لا تعترف بالقوانين الأرضية.. قوة الدعم الروحي الذي تملكه الأمهات.
في تلك السنوات الغابرة حين كان صيباري الطفل يصرخ ويبكي في عتمة الليل من وجع ساقيه كانت هذه الأم هناك تسهر وحدها لم تكن تقرأ الغيب ولم تكن تدرك أن هذا الطفل العاجز عن الحركة سيصبح يوماً بطلنا القومي لكنها كانت تعرف طريقاً واحداً لا يخطئ طريق السماء… كانت ترفع كفيها بالدعاء في خلوها ودعوات الخلوة المستجابة هي البريد السريع الذي يصل إلى عرش الرحمن دون وساطة.
كان دمعها يغسل عجز الابن ويصنع من رجليه المريضتين..
صارا اقداماً من ذهب
يا لها من مفارقة إلهية عجيبة تختصر حكاية هذا العناق
تلك الأقدام التي ركضت في ملاعب المونديال لم تكن تتحرك بدافع الشهرة أو المال بل كانت تتحرك ببركة ذلك “الجذر الواحد” الذي يربط الابن بأمه والأم بأرضها
إنني أنحني احتراماً وإجلالاً لهذه الأم العظيمة ولكل أم عرفت كيف تحول اليأس إلى معجزة والكسر إلى كبرياء.
ما أروع الدعم الروحي حين يمتزج باليقين
لقد عجز الطب واستسلم الفكر ولكن سحر دعاء الأم كان أقوى..
تلك الأقدام التي حُكم عليها يوماً بالموت والقعود.. هي نفسها التي قادت ملايين المغاربة أول أمس نحو منصات المجد.. وصعدت بنا جميعاً إلى عنان السماء.
وحين اختبأ صيباري في صدر أمه كان لسان حاله يقول لها وللعالم:
لقد صدقتِ يا أمي.. وكذب الأطباء
يوسف غريب كاتب صحفي

