بقلم: رئيس جمعية المهرجان الإفريقي
وشريك كونفدرالية الطلبة الأفارقة بالمغرب
بعد إسدال الستار على نهائي كأس إفريقيا للأمم التي احتضنها المغرب، كان من الطبيعي أن تتواصل النقاشات المرتبطة بالجوانب التقنية والتنظيمية لهذه التظاهرة القارية، في إطار التقييم الرياضي المشروع الذي يصاحب عادة مثل هذه الاستحقاقات الكبرى. غير أن جزءًا من هذا النقاش، للأسف، انزاح عن مساره الطبيعي، لينتقل إلى فضاءات رقمية اتسمت بقراءات متسرعة، وأحيانًا مغلوطة، حاولت تحميل الحدث أبعادًا تتجاوز طبيعته الرياضية، وتغذّي خطابات لا تخلو من سوء التأويل أو التوظيف الإيديولوجي.
وقد أظهرت بعض منصات التواصل الاجتماعي كيف يمكن لحدث جامع، من قبيل كرة القدم، أن يتحول إلى مجال لتضخيم وقائع معزولة أو اجتزاء أحداث من سياقها، في ظل انتشار الحسابات غير الموثوقة والحملات الرقمية المنظمة التي تقوم على منطق الإثارة والاستقطاب بدل النقاش الرصين والمسؤول. وهي ظاهرة عالمية لا تخص بلدًا بعينه، غير أنها، في السياق المغربي الإفريقي، تفرض قدرًا أكبر من اليقظة والوعي، بالنظر إلى خصوصية العلاقات التي تجمع المغرب بعمقه الإفريقي.
فالعلاقة بين المغرب وإفريقيا ليست علاقة ظرفية تُختزل في بطولة رياضية أو مباراة عابرة، بل هي علاقة تاريخية وإنسانية راسخة، تشكلت عبر قرون من التبادل الديني والثقافي والتجاري، وتعززت بروابط الأخوة والتعاون والمصير المشترك. وقد وضع أسسها الأولى جلالة المغفور له السلطان محمد الخامس، طيب الله ثراه، حين جعل من الانتماء الإفريقي للمغرب خيارًا مبدئيًا وثابتًا، لا رهينًا بحسابات ظرفية. ثم واصل ترسيخها جلالة الملك الحسن الثاني، رحمه الله، قبل أن يمنحها جلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، بعدًا استراتيجيًا متجددًا، قائمًا على الشراكة المتوازنة، والتنمية المشتركة، والتضامن الفعلي.
وفي هذا الإطار، يبرز دور الطلبة الأفارقة جنوب الصحراء الذين يتابعون دراستهم بالمغرب كأحد أهم التجليات الحية لهذا العمق الإفريقي. فهؤلاء الطلبة لا يمثلون فقط فئة مستفيدة من التكوين الأكاديمي، بل يشكلون، بحكم سلوكهم اليومي وأخلاقهم العالية، جسورًا إنسانية حقيقية بين المغرب وبلدانهم الأصلية. وقد أبانوا، على امتداد سنوات، عن قيم المتابرة والاجتهاد، وروح التعاون، واحترام القوانين والأعراف، بما جعلهم جزءًا فاعلًا من النسيج الجامعي والمجتمعي المغربي.
ومن خلال تجربة ميدانية ممتدة، يتأكد أن الطلبة الأفارقة بالمغرب يشعرون بالأمن والاحتضان والاحترام، ويعتبرون المغرب بلدًا للعيش المشترك، لا مجرد محطة للدراسة. كما أن الطلبة الذين أنهوا مسارهم الدراسي بالمغرب ظلوا أوفياء لهذا البلد، محافظين على روابط إنسانية ومؤسساتية متينة معه، ومساهمين، كل من موقعه، في تعزيز صورته الإيجابية داخل محيطهم الإفريقي.
وعليه، فإن محاولات التشويش أو بث خطابات الكراهية عقب بعض الأحداث الرياضية تبقى محاولات معزولة، لا تعكس حقيقة العلاقات المغربية الإفريقية، بقدر ما تصطدم بواقع أقوى منها، قوامه الثقة المتبادلة والتجربة الملموسة. وهي علاقات لا يمكن النيل منها عبر حملات رقمية ظرفية، مهما تعددت أدواتها، لأنها مبنية على أسس تاريخية وإنسانية صلبة.
إن المرحلة الراهنة تفرض تعزيز الوعي الرقمي، والتمييز الواضح بين النقد المشروع الذي يُغني النقاش العمومي، وبين الخطاب التحريضي الذي يسعى إلى زرع الشك والفرقة. فالتعامل المسؤول مع المعلومة، والتحقق من مصادرها، وقراءة الأحداث في سياقها الشامل، باتت ضرورة ملحّة لحماية الفضاء العام، وصون العلاقات الإنسانية من التضليل والتشويه.
وفي الختام، تبقى الرياضة مجالًا للتنافس الشريف وجسرًا للتقارب بين الشعوب، لا أداة للقطيعة بينها. ويبقى الوعي المجتمعي والرقمي هو صمام الأمان الحقيقي في زمن الضجيج. أما العلاقات المغربية الإفريقية، كما يجسدها واقع الطلبة الأفارقة بالمغرب، فقد أثبتت أنها أعمق من أن تتأثر بموجات عابرة، وأرسخ من أن تُختزل في خطاب انفعالي أو حملة مؤقتة .


التعاليق (0)