أعاد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، ملف إلغاء الساعة الإضافية إلى صدارة النقاش السياسي، بعدما ربط القرار بما وصفه بحالة “الضجر الشعبي العام” التي بلغها المجتمع المغربي جراء استمرار العمل بهذا التوقيت لسنوات.
وجاء حديث بنكيران خلال كلمة ألقاها بمناسبة انعقاد الاجتماع العادي للأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، يوم 27 يونيو 2026، حيث لم يتعامل مع إلغاء الساعة الإضافية باعتباره مجرد إجراء تقني مرتبط بتدبير الزمن الرسمي، بل قدمه كملف اجتماعي وسياسي ظل يراكم الغضب والانتقادات داخل المجتمع.
واستهل بنكيران كلمته بنبرة دينية وتنظيمية، موجها حديثه إلى أعضاء الأمانة العامة، ومؤكدا أن ما سيقوله مستمد، حسب تعبيره، من المعاني التي استحضرها أثناء قراءته للقرآن الكريم. وتوقف عند المقابلة بين من يسلك طريقه في الدنيا بمنطق الإيمان، ومن يسلك غير ذلك، معتبرا أن الله يمنح النصر والتوفيق والسداد للصف المؤمن بشرط أساسي هو التقوى، وما يرتبط بها من حسن الظن، وحسن النية، وصدق الحديث، واستقامة السلوك.
وشدد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية على أن سر بقاء أي عمل جماعي واستمراره لا يكمن فقط في الشعارات أو التنظيم، بل في الأخلاق والقيم التي يحملها أفراده في أنفسهم وتصرفاتهم. واعتبر أن ما تحقق لحزبه وحركته من استمرار وحضور راجع، في جزء مهم منه، إلى هذا الرصيد المعنوي، داعيا مخاطبيه إلى الحفاظ عليه باعتباره أغلى ما يملكون.
وتحدث بنكيران بنبرة تأملية عن تعاقب الأجيال، وعن حتمية الرحيل والمفارقة، سواء تعلق الأمر بأجل الوفاة أو أجل الابتعاد أو انتقال المسؤولية. وقال إن كل أب أو صاحب مشروع أو مسؤول لا بد أن يفكر في ما سيقع لما هو بين يديه بعد رحيله، مستحضرا في هذا السياق قصة يعقوب عليه السلام حين سأل أبناءه: “ما تعبدون من بعدي؟”.
وأوضح بنكيران أنه لا يشك في أن مخاطبيه وأبناءهم سيعبدون الله من بعده، لكنه تساءل عن مصير “هذا الخير” الذي يسره الله لهم، في إشارة إلى الانتساب إلى الحركة والحزب والعمل الجماعي. وأضاف أنه لا يحب كثيرا استعمال كلمة “المشروع”، لأنها تحيل في ذهنه على المشاريع الاقتصادية، في حين أن الأمر، بالنسبة إليه، يتعلق بمسار دعوي وسياسي واجتماعي له بعد معنوي أكبر من الحسابات المادية.
وتوقف بنكيران عند ما اعتبره نعما ينبغي استحضارها وشكر الله عليها، قائلا إن مجرد السلامة من آفة التدخين، المنتشرة في أوساط كثيرة، تمثل في حد ذاتها نعمة كبيرة قد لا يقدرها البعض حق قدرها. وأضاف أن أعضاء حزبه وحركته يعيشون، حسب تعبيره، “نصيبا من جنة الرضوان” في الدنيا، داخل أنفسهم وبيوتهم ومع أزواجهم وأولادهم وفي أعمالهم وحياتهم المادية، معتبرا أن ذلك من فضل الله الذي يستوجب الحمد والشكر.
وفي سياق حديثه عن اختياره السياسي والتنظيمي، روى بنكيران أنه تعرض في وقت سابق لاقتراح من أحد أقاربه الميسورين للاختيار بين “الفلوس” و“السياسة”، مؤكدا أنه اختار طريق العمل السياسي لأنه يرى فيه طريقا لخدمة الناس وسلوكا لما يعتقد أن الله أمر به، وليس بحثا عن المال أو الثروة. وقال إن أغلب المنتمين إلى هذا المسار، إن لم يكن كلهم، لم يكونوا أصحاب ثروات، لكنهم انشغلوا بالدعوة والحركة والحزب والعمل الجماعي.
وأكد بنكيران أن المسؤولية التي يحملها هو ورفاقه اليوم ستنتقل، بدون شك، إلى الأجيال اللاحقة، وأن سر الحفاظ عليها هو تقوى الله حقيقة، لا فقط في المظاهر أو العبادات الشكلية، بل في ما يحمله الإنسان في نفسه وفي عمله وتصرفاته من أخلاق وصدق واستقامة. واعترف في الوقت نفسه بأن التعثر قد يقع أحيانا، سائلا الله المغفرة والتجاوز للجميع.
وبعد هذا المدخل الديني والتنظيمي، انتقل بنكيران إلى النقطة التي أعادت اسمه إلى واجهة الجدل، وهي قرار إلغاء الساعة الإضافية. وقال إن ما وقع مؤخرا يستحق التوقف عنده، مشيرا إلى أن هناك من يحاول أن ينسب فضل القرار إلى نفسه أو يقدمه باعتباره ثمرة موقفه أو مبادرته، دون أن يدخل في تفاصيل ذلك، قبل أن يؤكد أن الجميع يعرفون، حسب قوله، تفاصيل هذا الملف.
وكشف بنكيران أنه تعاهد شخصيا على أنه في حال آلت مسؤولية الحكومة إلى حزبه، فإن أول قرار كان سيتخذه هو إلغاء الساعة الإضافية. وشرح أن هذا الموقف كان مبنيا على “حس سياسي” لديه، يفيد بأن هذا الملف نضج داخل المجتمع، وأنه كان يحتاج إلى دفعة حاسمة، بعدما بلغ مستوى من “الضجر الشعبي العام”.
وأضاف أن بعض الناس يتصورون أن قرارات من هذا النوع لا يمكن أن تتم إلا بقرار من الملك، مؤكدا أنه لا يرى مانعا في ذلك، لكنه عبر عن اعتقاده بأن الملك لن يعارض مطلبا اجتماعيا وصل إلى هذه الدرجة من التعبير الشعبي والضيق العام. واعتبر أن المهم بالنسبة إليه ليس من سينسب إليه القرار، بل أن يرفع ما وصفه بـ“التعسف” عن المجتمع، بعدما طال أمده.
وفي هذا السياق، بدا بنكيران حريصا على تقديم ملف الساعة الإضافية كعنوان لعلاقة السياسة بالمجتمع، لا كموضوع إداري بسيط. فهو يرى أن القرار العمومي، خاصة عندما يمس الحياة اليومية للأسر والموظفين والتلاميذ، لا يمكن عزله عن المزاج العام للناس، ولا عن تراكم الإحساس بالضيق لدى فئات واسعة من المواطنين.
وقال بنكيران إن البعض قد يدعو إلى تبني خطاب معين أو رفع سقف الكلام في مواجهة هذا القرار أو بشأن توقيته، لكنه شدد على أن الأمور ليست بهذه السهولة، وأن المهم هو أن يبقى حزبه ملتزما مع المجتمع في اتجاه ما يعتبره المصلحة الحقيقية للمواطنين. وأضاف أن السياسة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد إرضاء للناس في كل لحظة، لأن الإنسان أحيانا لا يرضي حتى أبناءه، بل يفعل لهم ما يعتقد أنه في مصلحتهم، سواء أعجبهم ذلك أم لم يعجبهم.
وربط الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ملف الساعة الإضافية بفكرة أوسع تتعلق بطريقة التعامل مع المجتمع، موضحا أن واجب الحزب، من وجهة نظره، هو الانحياز إلى المصلحة الحقيقية للناس، وليس البحث عن المجاملة أو “دير لهم الخاطر” فقط. واعتبر أن رفع الساعة الإضافية يدخل في هذا الباب، لأنه يستجيب لحاجة اجتماعية تراكمت عبر الزمن، وبلغت مستوى لم يعد ممكنا تجاهله.
وتكشف كلمة بنكيران عن محاولة واضحة للجمع بين البعد الديني والتنظيمي والسياسي في قراءة لحظة إلغاء الساعة الإضافية. فقد قدم القرار بوصفه استجابة لمطلب شعبي قديم، وفي الوقت نفسه جعله مناسبة لتذكير أعضاء حزبه بما يعتبره جوهر العمل الجماعي: التقوى، الصدق، الأخلاق، حسن النية، وتحمل المسؤولية تجاه الأجيال المقبلة.
كما تعكس الكلمة حرص بنكيران على تأكيد أن حزب العدالة والتنمية كان سباقا، على الأقل في موقفه الداخلي، إلى تبني مطلب إلغاء الساعة الإضافية، وأن القرار لو عاد إليه، لجعله أول إجراء حكومي، ليس من باب المزايدة السياسية، بل لأنه يرى أن المجتمع كان قد بلغ مرحلة كافية من الضيق بهذا التوقيت.
وبذلك، لم تكن كلمة بنكيران مجرد تعليق سياسي على قرار حكومي، بل جاءت في سياق حديث أطول عن معنى المسؤولية، ومصير العمل الحزبي والدعوي، وضرورة الحفاظ على ما يعتبره رصيدا أخلاقيا وتنظيميا، قبل أن تتحول إلى قراءة سياسية لملف الساعة الإضافية باعتباره واحدا من الملفات التي ظلت تؤثر على الحياة اليومية للمغاربة.
وتبقى تصريحات بنكيران مرشحة لإثارة نقاش سياسي جديد، خاصة أنها تأتي في وقت عاد فيه ملف التوقيت الرسمي إلى واجهة النقاش العمومي، بين من يرى في إلغاء الساعة الإضافية استجابة لمطلب اجتماعي طال انتظاره، ومن يعتبر أن توقيت القرار لا يخلو من حسابات سياسية.
غير أن اللافت في كلمة بنكيران هو أنه لم يركز فقط على من اتخذ القرار، بل على ما اعتبره جوهر المسألة: رفع عبء اجتماعي عن المواطنين، والتعامل مع انتظارات المجتمع بمنطق المصلحة لا بمنطق الحسابات الضيقة. وفي هذا المعنى، أراد بنكيران أن يقدم موقفه من الساعة الإضافية بوصفه امتدادا لرؤية أوسع للعمل السياسي، تقوم، حسب تصوره، على الأخلاق، والتقوى، وخدمة الناس، والاستعداد لتحمل المسؤولية في اللحظات الصعبة.

