في كرة القدم، يحق للناس أن يفرحوا أو يحزنوا، وأن تختلف ميولهم واختياراتهم في التشجيع. لكن عندما تتحول نتيجة مباراة إلى مناسبة لتصريف خطاب سياسي مشحون، ويصبح فوز فرنسا على المغرب مدخلاً للشماتة في الجار، فإن النقاش يتجاوز حدود الرياضة ليفتح سؤالاً أعمق: ماذا فعلت الدعاية المتواصلة بذاكرة بعض الأجيال؟
غادر المنتخب الوطني المغربي كأس العالم 2026 من ربع النهائي، بعد الهزيمة أمام فرنسا بهدفين دون رد، لينهي مشاركته ضمن أفضل ثمانية منتخبات في نسخة شارك فيها 48 منتخباً. كانت النتيجة مؤلمة بالنسبة للمغاربة، لكنها تظل جزءاً من منطق كرة القدم، حيث لا بد أن تنتهي كل مباراة بفائز وخاسر.
غير أن الجدل الذي أعقب المواجهة لم يرتبط بالنتيجة وحدها، بل بما جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي من صور ومقاطع وتعليقات منسوبة إلى تجمعات أو أصوات إعلامية احتفت بإقصاء المغرب أمام فرنسا. وهي مشاهد، متى ثبتت صحتها وسياقها، تطرح أكثر من علامة استفهام حول المسافة التي قطعتها الدعاية في تحويل المنافسة الرياضية إلى عداء سياسي واجتماعي.
عندما تصبح فرنسا الفريق المفضل لأن الخصم هو المغرب
المفارقة تبدو قاسية. فقد ظل الخطاب الرسمي وشبه الرسمي في الجزائر، على مدى عقود، يستحضر الذاكرة الاستعمارية الفرنسية وتضحيات الجزائريين خلال مرحلة التحرير. ومع ذلك، تكشف بعض ردود الفعل الكروية أن الخصومة مع المغرب قد تصبح، لدى فئة من المتابعين، أقوى من هذه الذاكرة نفسها.
فحين يختار بعضهم الاحتفاء بفوز فرنسا فقط لأنها أقصت المغرب، لا يعود الأمر مجرد ميل رياضي عادي، بل يصبح مؤشراً على خلل عميق في ترتيب الوعي والذاكرة. وتصبح الدعاية قادرة على دفع المتلقي إلى رؤية الجار بوصفه خصماً دائماً، حتى لو كان الطرف الآخر مرتبطاً في الوجدان بتاريخ استعماري مؤلم.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، الحديث عن الشعب الجزائري كله. فالجزائر تضم مواطنين ومثقفين وعقلاء يعرفون تاريخ المنطقة، ويحترمون روابط الدم والجغرافيا والدين والمصير المشترك، ويرفضون اختزال علاقتهم بالمغرب في خطاب سياسي متوتر أو منشورات رقمية عابرة.
المشكلة ليست في شعب كامل، بل في ماكينة إعلامية وسياسية تنجح أحياناً في نقل الخصومة من المؤسسات إلى مشاعر فئة من الجمهور.
ذاكرة مشتركة لا ينبغي تحريفها
التاريخ المغربي الجزائري لا يبدأ من مباراة كرة قدم، ولا ينتهي عند حدود مغلقة أو حملة إلكترونية. فقد عرفت مرحلة مقاومة الاستعمار تنسيقاً وتضامناً بين مكونات من المقاومة المغربية والثورة الجزائرية، كما قدم المغرب، وفق ما ورد في خطب ووثائق رسمية مغربية، أشكالاً من الدعم المادي والمعنوي لجبهة التحرير الجزائرية.
وفي الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب سنة 2016، جرى التأكيد على التضامن المغربي مع الثورة الجزائرية، وعلى الدور الذي قام به البلدان في دعم حركات التحرر واستقلال عدد من الدول الإفريقية.
وتجعل هذه الذاكرة المشتركة مشاهد الشماتة أكثر إثارة للاستغراب، لأنها تقدم صورة مناقضة لتاريخ طويل من التداخل والتعاون. فالمغرب، الذي ساند الثورة الجزائرية في مرحلة من أكثر مراحلها صعوبة، يجد نفسه اليوم هدفاً لخطاب يسعى إلى تقديمه للأجيال الجديدة في صورة الخصم الدائم.
والمشكلة هنا ليست في اختلاف سياسي قابل للنقاش، بل في محاولة إعادة تشكيل الوعي الجماعي بطريقة تختزل تاريخ البلدين في التوتر الراهن، وتلغي كل ما سبقه من تضامن ومصير مشترك.
جيل المنصات الرقمية أمام جرعات متواصلة من الشماتة
لم تعد الدعاية الحديثة تحتاج إلى خطابات طويلة أو برامج سياسية معقدة. يكفي مقطع قصير، أو تعليق ساخر، أو صورة خارج سياقها، أو وسم متداول، حتى تتشكل لدى المتلقي صورة كاملة عن شعب أو دولة.
وعبر “تيكتوك” و“فايسبوك” و“إنستغرام”، يمكن تمرير جرعات متواصلة من السخرية والعداء، واختزال المغرب في خصم دائم، مع تغييب كل عناصر الذاكرة المشتركة والتداخل الإنساني بين الشعبين.
وتزداد خطورة هذا النوع من المحتوى عندما يتكرر بالمفردات نفسها، والزوايا نفسها، والرغبة نفسها في تبخيس كل إنجاز مغربي. فعندها لا يعود الأمر مجرد اختلاف عفوي بين جماهير كرة القدم، بل يتحول إلى صناعة رأي موجه، تجعل بعض الشباب يتعلمون الكراهية قبل أن يتعلموا قراءة التاريخ.
والأخطر أن المتلقي قد يردد ما يصله دون أن يسأل عن مصدره، أو سياقه، أو الجهة المستفيدة منه. وهكذا يصبح الاحتفال بخسارة الجار أمراً عادياً، حتى لو كان المنتصر هو الطرف الذي ترتبط به واحدة من أكثر صفحات الذاكرة الجزائرية إيلاماً.
النقد موجه إلى الدعاية وليس إلى الشعب الجزائري
من الضروري التوضيح أن هذا المقال لا يستهدف الشعب الجزائري الشقيق، ولا يحمل المواطنين الجزائريين مسؤولية خطاب سياسي وإعلامي لا يعبر بالضرورة عنهم جميعاً.
فالجزائر فيها عقلاء ومثقفون ووطنيون يعرفون أن العلاقات بين الشعبين أكبر من الخلافات السياسية، وأقدم من الحدود المغلقة، وأعمق من حملات مواقع التواصل الاجتماعي.
النقد موجه إلى من يصنع الكراهية ويغذيها، وليس إلى من يقع ضحية لها. وإلى من يحرف التاريخ، وليس إلى من يحفظه. وإلى المنابر التي تحول كل مناسبة رياضية أو ثقافية أو اقتصادية إلى فرصة جديدة لضرب صورة المغرب.
فالجزائري الذي يعرف تاريخ ثورته يدرك أن المغرب لم يكن عدواً لها، والمغربي الذي يعرف تاريخ بلده لا يعتبر الشعب الجزائري خصماً. والخطر الحقيقي هو الخطاب الذي يحاول دفن هذه الذاكرة تحت ركام العداء اليومي.
كرة القدم تكشف ما تخفيه السياسة
كانت مباراة المغرب وفرنسا مواجهة رياضية. فازت فرنسا، وخسر المغرب، وانتهت النتيجة داخل الملعب. لكن بعض ردود الفعل التي تلت المباراة كشفت أن هناك من لم ير في الخسارة نتيجة كروية فقط، بل فرصة للانتقام الرمزي من بلد جار.
وهنا تظهر خطورة استعمال الرياضة وقوداً للكراهية. فالكرة قادرة على توحيد الشعوب وخلق جسور بين الجماهير، لكنها قد تتحول أيضاً إلى مرآة تعكس ما راكمته السياسة والإعلام من احتقان.
وحين يصفق شخص لفرنسا لا حباً في منتخبها، بل كراهية في المغرب، يصبح السؤال مشروعاً: هل كان يشجع فريقاً لكرة القدم، أم ينفذ دون وعي ما صنعته سنوات من التحريض؟
فالشماتة المتكررة لا تأتي دائماً من فراغ، بل قد تكون نتيجة خطاب طويل نجح في تحويل الجار إلى تهديد دائم، وفي جعل كل إنجاز له سبباً للانزعاج، وكل خسارة مناسبة للاحتفال.
المغرب لا يحتاج شهادة من خصومه
خرج المغرب من ربع نهائي كأس العالم 2026، لكنه خرج ضمن أفضل ثمانية منتخبات في العالم، بعدما أكد مجدداً أن كرة القدم المغربية أصبحت حاضرة بقوة على المستوى الدولي.
قد يفرح البعض بخسارة المنتخب المغربي، وقد يحاول آخرون تحويل الإقصاء إلى مادة للسخرية، لكن ذلك لا يغير من قيمة المسار أو من حقيقة التحول الذي حققته الكرة المغربية خلال السنوات الأخيرة.
فبعد الوصول إلى نصف نهائي مونديال 2022، عاد المغرب إلى الأدوار المتقدمة في نسخة 2026، وهو ما يعكس استمرارية مشروع رياضي لا ينتظر شهادة من إعلام معاد أو من صفحات إلكترونية موجهة.
فالشماتة لا تسقط مشروعاً، والضجيج لا يمحو النتائج، والتعليقات الساخرة لا تغير مكانة منتخب أصبح يحضر بانتظام بين الكبار.
ما يبقى بعد انتهاء الضجيج
بعد أيام، ستنتهي موجة المنشورات السريعة، وستتراجع الوسوم، وستختفي أغلب المقاطع التي صنعت الجدل. لكن التاريخ سيبقى أطول عمراً من كل هذا الضجيج.
سيبقى أن الشعبين المغربي والجزائري يرتبطان بذاكرة مشتركة وبعلاقات اجتماعية وإنسانية لا تستطيع الحملات الرقمية محوها. وسيبقى أن المغرب ساند الثورة الجزائرية وفق ما تؤكده الذاكرة الرسمية المغربية. كما ستبقى فرنسا، مهما تحولت في لحظة إلى منتخب يجري خلف كرة، مرتبطة في الذاكرة الجزائرية بتاريخ استعماري مؤلم.
أما الشعوب التي تُدفع إلى نسيان تاريخها من أجل الانتصار في خصومة يومية، فإنها لا تهزم جيرانها، بل تخسر جزءاً من ذاكرتها أولاً.
الدعاية لا تستطيع محو روابط الشعوب
ما أعقب مباراة المغرب وفرنسا لا ينبغي قراءته فقط بوصفه شماتة كروية ظرفية، بل باعتباره نموذجاً لما يمكن أن تفعله الدعاية حين تخلط الرياضة بالسياسة، وتضع الخصومة مع الجار فوق التاريخ والذاكرة.
لكن الإنصاف يقتضي دائماً التمييز بين الشعب الجزائري الشقيق وبين منابر وأصوات تتغذى على العداء. فالشعوب لا تختزل في تجمع محدود، أو منشور على “فايسبوك”، أو مقطع على “تيكتوك”.
والتاريخ لا يمحى بتعليق ساخر، كما أن المغرب لا يخسر ذاكرته أو احترامه لأنه خسر مباراة لكرة القدم.
للتاريخ ذاكرة لا تنسى، وللشعوب العاقلة قدرة على النجاة من سموم الدعاية، مهما طال زمنها وارتفع ضجيجها.
عبدالله بن عيسى/ أكادير24



