تهديد كمي يقترب من العملات الرقمية.. الذكاء الاصطناعي يفتح مرحلة أمنية أكثر خطورة

تهديد كمي يقترب من العملات الرقمية.. الذكاء الاصطناعي يفتح مرحلة أمنية أكثر خطورة

لسنوات، كان خطر الحواسيب الكمية على العملات الرقمية يبدو بعيداً، أقرب إلى سيناريو علمي مؤجل منه إلى تهديد عملي. لكن دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى مختبرات البحث والأمن السيبراني يغير طريقة النظر إلى هذا الملف. فالمشكلة لم تعد فقط في سؤال: متى سيصبح الحاسوب الكمي قادراً على كسر التشفير؟ بل في سؤال أكثر إلحاحاً: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تقليص الطريق نحو تلك اللحظة، وجعل شبكات الكريبتو مطالبة بالاستعداد أسرع مما كانت تتوقع؟

تحذير جديد من سباق أمني مختلف

بحسب تقرير حديث لـCoinDesk، يرى باحثون ومطورون في مجال الأمن الكمي أن الذكاء الاصطناعي قد يسرّع تطور الحوسبة الكمية، ويدفع قطاع العملات الرقمية إلى إعادة التفكير في أمنه الأساسي. الفكرة لا تعني أن بيتكوين أو إيثريوم مهددتان بالاختراق غداً، لكنها تشير إلى أن الأسس التشفيرية التي حمت المحافظ والمعاملات لسنوات قد لا تبقى صالحة بنفس الدرجة في عالم تجمع فيه الهجمات بين AI والحوسبة الكمية.

لماذا تخاف العملات الرقمية من الحواسيب الكمية؟

تعتمد كثير من شبكات البلوكشين على مفاتيح عامة وخاصة وخوارزميات توقيع رقمية لحماية الملكية وتنفيذ المعاملات. نظرياً، يمكن لحاسوب كمي قوي بما يكفي أن يستخدم خوارزميات متقدمة لاستخراج المفتاح الخاص من المفتاح العام في بعض الأنظمة التشفيرية. وإذا حدث ذلك عملياً، فقد يصبح بإمكان المهاجم الوصول إلى محافظ أو تحويل أموال أو استغلال معاملات قبل تأكيدها.

دور الذكاء الاصطناعي.. تسريع البحث والهجوم والدفاع

التحذير الجديد لا يضع الذكاء الاصطناعي في خانة الخطر فقط. فهو قد يساعد الباحثين على تحسين تصحيح أخطاء الحواسيب الكمية، وتسريع اكتشاف المواد والتصاميم، وتحليل الثغرات البرمجية في الأنظمة التشفيرية. وفي المقابل، يمكن استعماله دفاعياً في مراجعة الكود، اختبار الأنظمة، والتحقق الشكلي من البرمجيات الحساسة. لذلك، تبدو المعركة المقبلة أقرب إلى سباق دائم بين أدوات هجومية ودفاعية تتطور بسرعة.

بيتكوين وإيثريوم تحت المجهر

تلفت أبحاث حديثة مرتبطة بفريق Google Quantum AI إلى أن بعض سيناريوهات الهجوم على تشفير بيتكوين وإيثريوم قد تحتاج موارد كمية أقل مما كانت تفترض تقديرات سابقة. كما أن بعض المحافظ التي كشفت مفاتيحها العامة على السلسلة قد تكون أكثر حساسية في المستقبل، خصوصاً إذا ظهرت حواسيب كمية قادرة على استغلال هذه المعطيات خلال فترة زمنية قصيرة.

هل الخطر قريب فعلاً؟

لا يوجد إجماع بين الخبراء حول موعد ظهور حاسوب كمي قادر على كسر التشفير المستخدم اليوم على نطاق واسع. بعض التقديرات تتحدث عن سنوات قليلة، وأخرى ترى أن الأمر قد يحتاج زمناً أطول. لكن الرسالة المشتركة بين أغلب التحذيرات هي أن الانتقال إلى تشفير مقاوم للكم لا يتم بضغطة زر. شبكات البلوكشين تحتاج توافقاً مجتمعياً، اختبارات، تحديثات، ومحافظ جديدة، وهذا يجعل التحضير المبكر ضرورة لا رفاهية.

معايير ما بعد الكم تدخل مرحلة التنفيذ

في 2024، أصدرت NIST أول معايير نهائية للتشفير المقاوم للحوسبة الكمية، بينها ML-KEM للتبادل الآمن للمفاتيح وML-DSA وSLH-DSA للتوقيعات الرقمية. هذه المعايير موجهة لمجموعة واسعة من الأنظمة الرقمية، لكنها تهم قطاع الكريبتو أيضاً لأنها تعطي المطورين مساراً أوضح نحو تحديث البنية الأمنية بدل انتظار لحظة الخطر.

صعوبة الانتقال داخل البلوكشين

رغم وجود حلول ما بعد الكم، فإن إدخالها إلى شبكات البلوكشين ليس بسيطاً. فبعض خوارزميات التشفير الجديدة أكبر حجماً وأبطأ من الأنظمة الحالية، وقد تزيد كلفة التخزين أو التحقق أو حجم المعاملات. كما أن العملات الرقمية اللامركزية تحتاج إلى تنسيق واسع بين المطورين، المعدنين أو المدققين، المحافظ، المنصات، والمستخدمين، وهو ما يجعل أي انتقال أمني كبير عملية دقيقة وحساسة.

ما الذي يجب أن يفعله المستثمرون والمستخدمون؟

لا يعني التحذير بيع الأصول الرقمية بدافع الخوف، ولا يعني أيضاً تجاهل الخطر. الأهم هو تجنب الممارسات التي تزيد التعرض مستقبلاً، مثل إعادة استخدام العناوين بشكل عشوائي، والاعتماد على محافظ قديمة لا تتطور، أو حفظ مبالغ كبيرة في بيئات غير محدثة. كما ينبغي متابعة خطط الشبكات الكبرى والمنصات والمحافظ بشأن دعم التشفير المقاوم للكم خلال السنوات المقبلة.

الأمن لم يعد ثابتاً

الدرس الأوسع هو أن الأمن الرقمي لم يعد بنية تُبنى مرة واحدة ثم تُترك لعقد كامل. مع الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية، قد يصبح الأمن عملية تحديث مستمرة، حيث تحتاج البروتوكولات إلى مرونة تشفيرية تسمح بتغيير الخوارزميات عند الضرورة. وهذا التحول قد يكون واحداً من أكبر اختبارات نضج سوق العملات الرقمية منذ ظهورها.

تهديد الحوسبة الكمية للكريبتو لا يزال مستقبلياً، لكنه لم يعد موضوعاً نظرياً بعيداً كما كان. فالذكاء الاصطناعي قد يسرّع البحث الكمي، ويساعد في اكتشاف الثغرات، وفي الوقت نفسه يمنح المطورين أدوات دفاع أقوى. وبين هذين الاتجاهين، تجد العملات الرقمية نفسها أمام معادلة واضحة: من يريد البقاء آمناً في العقد المقبل، عليه أن يبدأ الاستعداد اليوم.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. التعليقات النظيفة تُنشر، والمحتوى المخالف أو الإشهاري يُحال للمراجعة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أكادير24

بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله