ما وقع في ملعب المسيرة بمدينة آسفي خلال إياب نصف نهائي كأس الكونفدرالية الإفريقية لم يعد مجرد حادث رياضي عابر، لأن ما أعقب تلك المواجهة كشف شيئًا أعمق وأخطر من مجرد توتر في مباراة كرة قدم. المباراة نفسها تأكدت نتيجتها رسميًا من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، إذ انتهت بالتعادل بين أولمبيك آسفي واتحاد العاصمة، وتأهل الفريق الجزائري إلى النهائي. لكن قبل انطلاق اللقاء، تحدثت مصادر متعددة عن اضطرابات وفوضى وتأخير كبير للمباراة بسبب أحداث في محيط وأرضية الملعب. ورغم أن ما جرى كان أمام الجماهير والكاميرات وتحت إشراف الكاف، ظهرت في المقابل روايات جزائرية حاولت تقديم صورة مغايرة تمامًا، بل سعت إلى تحويل ما وقع إلى خطاب سياسي جاهز.
هنا بالتحديد تبدأ الزاوية التي تجعل من هذه الواقعة أكثر من مجرد خبر رياضي. لأن القضية لم تعد فقط من فاز ومن تأهل، بل كيف يمكن لرواية إعلامية أن تنازع وقائع جرت في فضاء مفتوح وتحت أعين الملايين. وإذا كان ذلك ممكنًا في مباراة كرة قدم، فإن السؤال الأخطر يصبح مشروعًا جدًا: ماذا عن السياسة، حيث القرارات تُتخذ في الكواليس، والمعلومات لا تُنشر كاملة، والاجتماعات تدور بعيدًا عن الكاميرات والشهود؟ هذا الاستنتاج تحليلي، لكنه قائم على مقارنة واضحة بين حدث علني مكشوف وبين طريقة إعادة تأطيره بعد ذلك.
واقعة آسفي كما ظهرت في المصادر المنشورة
المعطيات الأساسية حول ما جرى قبل المباراة متقاربة في خطوطها الكبرى. الاتحاد الإفريقي لكرة القدم ذكر أن المباراة تأخرت لأكثر من ساعة بسبب اضطرابات جماهيرية قبل أن تنطلق في أجواء مشحونة، ثم انتهت بالتعادل الذي منح اتحاد العاصمة بطاقة التأهل إلى النهائي. وهذا تأكيد رسمي على أن اللقاء نفسه لم يجر في ظروف عادية منذ البداية.
وفي التغطية المغربية، نقلت SNRT News أن بعض جماهير اتحاد العاصمة اقتحمت أرضية ملعب المسيرة قبل الانطلاق، ما تسبب في حالة من الفوضى المؤقتة داخل الميدان. هذه الصياغة مهمة لأنها لا تتحدث عن مجرد توتر عام، بل عن فعل محدد وقع قبل صافرة البداية وتسبب في اضطراب واضح. كما أن هذه الرواية الميدانية تتقاطع مع ما أورده الكاف حول وجود “crowd disturbances” وتأخير يفوق الساعة.
أما في الجهة المقابلة، فقد نشر موقع TSA Algérie مقالًا بعنوان صريح يقول إن “أحداث آسفي نتيجة لاستراتيجية الكراهية ضد الجزائر”. هذا العنوان لا يكتفي بوصف واقعة رياضية، بل ينقلها مباشرة إلى مستوى سياسي وإعلامي أوسع، ويجعل من المباراة مدخلًا لإنتاج سردية جاهزة عن “العداء” و”التحريض” ضد الجزائر. وحتى اللحظة، لا يمكنني تأكيد وجود قرار تأديبي منشور من الكاف في المصادر التي راجعتها يدعم هذا التأطير السياسي الشامل كما قدمته هذا المقال. لذلك فالأدق مهنيًا هو التمييز بين الوقائع الميدانية المنشورة وبين القراءة السياسية التي تبنتها بعض المنابر الجزائرية.
من هنا تبدأ الفكرة الأخطر
المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في وجود رواية جزائرية مخالفة، بل في كون هذه الرواية ظهرت رغم أن الحدث وقع أمام عدد هائل من الشهود. نحن هنا لا نتحدث عن لقاء مغلق ولا عن تسريب غير مؤكد ولا عن اجتماع سري لا أحد يعرف ما دار فيه. نحن نتحدث عن مباراة قارية جرت داخل ملعب معروف، بحضور جماهير، وتحت أنظار مسؤولين تابعين للكاف، وفي إطار منافسة رسمية يتابعها جمهور واسع. ومع ذلك، تم السعي إلى بناء سردية بديلة لا تنطلق من الوقائع كما ظهرت، بل من النتيجة الدعائية التي أريد الوصول إليها.
وهنا تحديدًا يصبح الحدث الرياضي نموذجًا سياسيًا مصغرًا. لأن ما جرى بعد آسفي يكشف آلية معروفة في الخطاب الدعائي. أولًا، يتم تجاهل الجزء المزعج من الحقيقة أو تهميشه. ثانيًا، يُعاد ترتيب الأحداث بطريقة انتقائية. ثالثًا، تُربط الواقعة بسردية عاطفية أو وطنية أو سياسية أكبر حتى تتحول من حادثة محددة إلى “دليل” على خطاب شامل. بهذه الطريقة، لا يعود الهدف تفسير ما وقع، بل توظيف ما وقع في معركة إدراكية أوسع. وهذا وصف تحليلي لآلية التأطير، لا حكم قانوني ولا قرار مؤسساتي.
إذا كذبت الرواية في الملعب فالكارثة في السياسة أكبر
هنا نصل إلى جوهر المقال. إذا كانت واقعة مكشوفة بهذا الشكل، بكل ما فيها من صور وشهود وتغطيات ومراقبة تنظيمية، يمكن أن تتحول إلى مادة لتسويق رواية مغايرة، فإن السؤال عن السياسة يصبح مشروعًا بقوة. ففي السياسة، لا توجد في الغالب جماهير بالملايين تراقب كل تفصيل. لا توجد كاميرات تنقل كواليس المفاوضات. لا تُكشف كل المحاضر. لا تُنشر كل التفاهمات. ولا يعرف الرأي العام ما قيل داخل الاجتماعات المغلقة إلا بقدر ما تختار الأطراف كشفه أو حجبه.
لهذا، إذا كان التلاعب بالرواية ممكنًا في واقعة رياضية مفتوحة أمام العالم، فإنه يصبح أسهل بكثير في السياسة التي تُدار خلف الأبواب المغلقة. ففي الملعب، تبقى الحقيقة لديها فرصة للدفاع عن نفسها لأن الشهود كثيرون. أما في السياسة، فالحقيقة تكون أكثر هشاشة، لأن من يملك المعلومة يملك أيضًا سلطة قصها، وحذف أجزاء منها، وإعادة ترتيبها، وتقديمها في شكل يخدم الغرض المطلوب. وهذه ليست مبالغة إنشائية، بل استنتاج منطقي من المقارنة بين مجالين، أحدهما مكشوف ومع ذلك تعرض لإعادة صياغة دعائية، والآخر مغلق بطبيعته وأكثر قابلية لهذا النوع من التلاعب.
الجزائر هنا ليست مجرد اسم في عنوان
عندما نقول إن المقال يركز على الجزائر، فالمقصود ليس التعميم على شعب بأكمله، بل الإشارة إلى جزء من الخطاب الإعلامي والسياسي الجزائري الذي اختار التعامل مع واقعة آسفي من زاوية دعائية بدل زاوية الوقائع. والدليل أن المادة المنشورة في TSA لم تقف عند وصف اضطرابات أو مساءلة سلوك مشجعين أو انتظار ما قد يصدر عن الهيئات القارية، بل قفزت مباشرة إلى اتهام المغرب بإنتاج مناخ “كراهية” ضد الجزائر. هذا الانتقال السريع من الملعب إلى الخطاب السياسي يكشف أن القضية لم تكن بالنسبة لهذا الخطاب مجرد مباراة، بل مناسبة لتغذية سردية أوسع.
وهذا بالضبط ما يجعل من “الجزائر” عنصرًا محوريًا في العنوان وفي المقال. لأن الحديث هنا ليس عن شغب جمهور فقط، بل عن بنية سردية تستعمل الأحداث الرياضية لتثبيت رواية سياسية. وعندما يتم تدريب المتلقي باستمرار على استقبال هذه الصياغة، يصبح أكثر قابلية لتصديق الخطاب نفسه في ملفات أعقد وأخطر، من العلاقات الثنائية إلى القضايا الإقليمية إلى المواقف الرسمية التي لا يملك الناس بشأنها صورًا مباشرة ولا شهادات جماعية ولا وثائق فورية.
حين تصبح الحقيقة مرئية ولا تكفي
من أكثر ما تكشفه أحداث آسفي إزعاجًا أن الحقيقة، حتى عندما تكون مرئية، لا تكفي وحدها دائمًا. فوجود الشهود، ووجود الكاميرات، ووجود النقل الإعلامي، ووجود تنظيم قاري، كل ذلك لم يمنع من ظهور سردية أخرى. وهذا يعني أن الصراع لم يعد فقط بين حقيقة وكذبة، بل بين وقائع وآلات لتسويق الوقائع البديلة. في هذه الحالة، لا يصبح المطلوب إخفاء الحقيقة تمامًا، بل إغراقها بخطاب موازٍ يربك الجمهور ويمنح أنصار كل رواية ما يكفيهم من الذخيرة العاطفية والسياسية للاستمرار في تصديقها. وهذا ما يجعل الواقعة أخطر من مجرد اختلاف صحفي في العناوين.
ومن هنا يمكن فهم البعد السياسي الأوسع. حين تتكرر مثل هذه الصياغات، يصبح الرأي العام داخل أي بلد أقل اهتمامًا بالتحقق وأكثر استعدادًا للاستهلاك السريع للرواية الجاهزة. وعندها تتحول السياسة من إدارة للوقائع إلى إدارة للإدراك. لا يعود السؤال: ماذا جرى فعلًا؟ بل يصبح: أي رواية ستنتصر في السوق الإعلامية؟ وما حدث في آسفي يقدم مثالًا حيًا على هذا التحول، لأنه جمع بين حدث يمكن التحقق من خطوطه العريضة، وخطاب أراد أن يدفع الناس إلى رؤية شيء آخر.
أحداث آسفي لم تكشف فقط اضطرابات سبقت مباراة قارية كبيرة، بل كشفت شيئًا أشد خطورة. كشفت أن الرواية يمكن أن تُصنع ضد الوقائع حتى عندما تقع هذه الوقائع أمام الملايين. وكشفت أن بعض الخطابات لا تنطلق من الحقيقة لكي تشرحها، بل تنطلق من النتيجة السياسية التي تريدها ثم تعيد تشكيل الحقيقة على مقاسها. وإذا كان هذا الأسلوب حاضرًا في مباراة جرت داخل ملعب مكشوف، فإن القلق يصبح أكبر بكثير حين ننتقل إلى السياسة، حيث لا كاميرات ترصد كل شيء، ولا جماهير تشهد كل لحظة، ولا تقارير تُنشر كلها للرأي العام. لهذا فإن الدرس الأعمق من آسفي ليس رياضيًا فقط، بل سياسي بامتياز: إذا أمكن تزوير واقعة رآها الملايين، فإن تزييف الوقائع خلف الأبواب المغلقة يصبح أسهل وأخطر.
عبدالله بن عيسى
