في خضم السجال العمومي الذي أثاره مشروع قانون مهنة المحاماة، يتأكد يوماً بعد آخر أن هذه المعركة تجاوزت حدود النقاش التقني حول نص تشريعي، لتغدو مواجهة مؤسساتية وقيمية حول موقع المحاماة داخل منظومة العدالة، وحول الضمانات الدستورية لاستقلالها، ودورها المجتمعي في حماية الحقوق والحريات وصيانة التوازن داخل الدولة القانونية. وفي هذا السياق، يبرز الإعلام كفاعل محوري، لا بوصفه ناقلاً محايداً للخبر فحسب، بل باعتباره شريكاً في بناء الوعي وصياغة الفهم العام لطبيعة الرهانات المطروحة.
لقد عكست بلاغات جمعية هيئات المحامين بالمغرب، ولاسيما البلاغ الصادر بتاريخ 31 يناير 2026، إدراكاً واضحاً بأن الحسم في هذه المرحلة لا يتم فقط داخل قنوات الترافع المؤسساتي، بل في الفضاء العمومي الذي تتشكل فيه القناعات وتُبنى فيه المشروعية. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى زخم إعلامي مسؤول ومنظم، قادر على نقل معركة المحامين من دائرة الالتباس والاختزال، إلى فضاء النقاش الرصين القائم على المعطى الدستوري والحقوقي.
فمشروعية معركة المحامين لا تنبع من منطق الرفض المجرد، ولا من الدفاع عن مصالح فئوية ضيقة، وإنما تستمد قوتها من كونها دفاعاً عن استقلال مهنة دستورية، وعن حصانة وظيفية تشكل إحدى ضمانات المحاكمة العادلة، وعن حق المواطن في دفاع حر ومستقل. وهي معركة، في جوهرها، دفاع عن توازن دقيق داخل منظومة العدالة، لا يستقيم بدونه أي إصلاح حقيقي.
من هذا المنطلق، يصبح الحضور الإعلامي المكثف لرئيس جمعية هيئات المحامين وأعضاء مكتبها، ولكل الأصوات المهنية الغيورة، خياراً استراتيجياً لا غنى عنه. فالمرحلة تتطلب مواكبة إعلامية مسؤولة: من ندوات صحفية منتظمة، لقاءات حوارية، مقالات رأي وتوضيح، وانفتاحاً واعياً على الإعلام الوطني والدولي، بما يسمح بتفكيك مضامين المشروع، وكشف نواقصه، وبيان ما قد ينطوي عليه من مساس باستقلال المهنة ومكانتها الدستورية والمجتمعية.
ولا يتعلق الأمر بخطاب تعبوي انفعالي، بل بتواصل عقلاني هادئ، يضع الرأي العام أمام حقائق قانونية واضحة، ويُخرج النقاش من ثنائية “الإصلاح أو الرفض” إلى سؤال أعمق حول طبيعة الإصلاح ومنهجيته وحدوده الدستورية. فحين يُحرم أصحاب المهنة من المشاركة الحقيقية في صياغة قانونهم، وحين تُمسّ ضمانات الاستقلال تحت عناوين التحديث، يصبح الإعلام فضاءً مشروعاً لاستعادة التوازن وطرح الأسئلة المؤجلة و المشروعة.
إن القرارات النضالية التي أعلنت عنها الجمعية، من استمرار التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية، إلى تنظيم الندوات الصحفية والاستعداد للوقفة الوطنية أمام البرلمان، لا يمكن أن تحقق أهدافها كاملة دون مواكبة إعلامية في مستوى الرهان. فالمعركة اليوم هي معركة رأي عام بقدر ما هي معركة قانونية: إما أن يروي المحامون قصتهم بأنفسهم، أو تُروى عنهم بعيون غيرهم.
في نهاية المطاف، لا يدافع المحامون عن امتياز، بل عن وظيفة دستورية، ولا يخاصمون الإصلاح، بل يطالبون بإصلاح يحترم جوهر المهنة ورسالتها. والإعلام، حين يضطلع بدوره التنويري في هذه اللحظة المفصلية، لا ينحاز لطرف، بل ينحاز للعدالة، ويؤكد أن الكلمة الحرة تظل دائماً خط الدفاع الأول عن استقلالها.
الاستاذ خالد الغريص محام بهيئة اكادير كلميم و العيون.


التعاليق (0)