كلما ظهر خبر يمكن استعماله ضد المغرب، تبدو بعض المنابر الجزائرية مستعدة للقفز عليه قبل أن تجف أحباره، وقبل معرفة مصدره، وأحياناً قبل طرح أبسط سؤال مهني: هل الخبر صحيح؟
لا يتعلق الأمر دائماً بخطأ صحفي بسيط، لأن الخطأ يقع في جميع وسائل الإعلام. المشكلة تبدأ عندما يصبح الخطأ في اتجاه واحد، ويتكرر داخل السياق نفسه، ويكون المغرب دائماً هو الطرف الذي لا يحتاج الخبر المتعلق به إلى دليل قبل نشره.
عندها يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام صحفيين يبحثون عن الحقيقة، أم أمام أفراد يحملون صفات صحفية ويؤدون وظيفة أخرى داخل ماكينة سياسية وإعلامية؟
المغرب أولاً.. والتحقق قد يأتي لاحقاً
في الصحافة المهنية، يسبق التحقق النشر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بوثيقة قانونية أو قرار دولي أو واقعة قد تؤثر في سمعة أشخاص ومؤسسات ودول.
لكن بعض المنابر الجزائرية تقلب القاعدة عندما يكون المغرب طرفاً في الخبر: تنشر الرواية أولاً، تضخمها، تضعها في العناوين والنشرات، ثم تترك مهمة التحقق للجمهور أو لوسائل إعلام أخرى.
ولا تبدو المصداقية في هذا النموذج أولوية حقيقية، لأن المعيار ليس قوة المصدر، بل مدى توافق الخبر مع الرواية السياسية الجاهزة: المغرب متهم قبل التحقق، وخاسر قبل صدور النتيجة، ومتورط قبل ظهور الدليل.
هذه ليست سقطة تقنية فقط، بل نتيجة طبيعية عندما تتحول الخصومة مع دولة أخرى إلى خط تحريري دائم.
هل يجهل هؤلاء أننا في العصر الرقمي؟
من الصعب الاعتقاد بأن العاملين في الإعلام لا يعرفون أن الوثائق أصبحت قابلة للفحص خلال دقائق، وأن البلاغات الأصلية والأرشيفات وأرقام الملفات وتواريخ النشر متاحة عبر الهاتف.
الأرجح أن بعضهم يعرف ذلك جيداً، لكنه يراهن على شيء آخر: أثر الساعات الأولى.
فالإشاعة المثيرة تنتشر بسرعة، وتصل إلى ملايين المتابعين قبل ظهور التصحيح. وحتى عندما تنكشف الحقيقة، لا يحصل التصحيح عادة على المشاهدة نفسها، ولا تستعيد المؤسسة ما فقدته من المصداقية، لكنها تكون قد حققت هدفاً قصير المدى: صناعة الانطباع المطلوب.
الهدف، في هذه الحالة، ليس بناء حقيقة تصمد أمام البحث، بل زرع فكرة عاطفية سريعة داخل جمهور مستعد لتصديقها.
من يقف وراء هذا الإعلام؟
لا توجد أدلة تسمح بالقول إن غرفة واحدة أو جهازاً واحداً يكتب كل عنوان ويحدد كل خبر يبث في الجزائر.
لكن التقارير الدولية ترسم صورة لمنظومة إعلامية تعمل داخل ضغوط سياسية واقتصادية وقانونية شديدة. وتقول منظمة «مراسلون بلا حدود» إن الصحفيين في الجزائر يتعرضون لضغوط متواصلة من الرئاسة والأحزاب وأجهزة الأمن ومسؤولين محليين، وإن السلطات تؤثر مباشرة في تعيين وإعفاء مسؤولي المؤسسات الإعلامية والهيئات التنظيمية.
كما تشير المنظمة إلى أن الدعم والإعلانات الحكومية تذهب أساساً إلى وسائل الإعلام العمومية أو الخاصة المؤيدة للسلطة، في وقت أغلقت فيه مؤسسات خاصة أبوابها بعد جفاف موارد الإعلانات. وهذا يعني أن الاستقلال التحريري لا يتأثر بالأوامر المباشرة فقط، بل أيضاً بمن يملك القدرة على تمويل الوسيلة أو تجفيف مواردها.
وتحدثت منظمة «ARTICLE 19» في يوليوز 2026 عن استمرار القيود على الأصوات المنتقدة، وعدم اكتمال بناء هيئات تنظيمية مستقلة وقادرة على ضمان التعددية والشفافية، مع هيمنة الفاعلين القريبين من الحكومة على أبرز المساحات السمعية البصرية.
إذن، قد لا يكون وراء كل خبر مسؤول يملي نصه حرفياً، لكن توجد منظومة تفهم فيها المؤسسة مسبقاً ما هو الخطاب الآمن، وما هو الخطاب الذي يرضي السلطة، وما هي الملفات التي يمكن تحويلها إلى أدوات لإثبات الولاء.
لماذا يتحول المغرب إلى الموضوع المثالي؟
مهاجمة المغرب تمنح بعض المنابر مساحة مريحة لا تتوفر لها عند تناول الشأن الجزائري الداخلي.
فالصحفي الذي قد يتردد في مساءلة مسؤول محلي أو مناقشة ملفات الفساد والحريات والاحتجاجات، يجد أمامه موضوعاً خارجياً آمناً يمكنه من خلاله استعمال لغة هجومية وتقديم نفسه مدافعاً عن الوطن.
وتتحول الخصومة مع المغرب، بهذه الطريقة، إلى منفذ لصناعة بطولة إعلامية بلا تكلفة داخلية.
بدلاً من السؤال عن الأسعار والبطالة والحريات وأداء المؤسسات، ينتقل النقاش إلى المغرب، والحدود، وكرة القدم، والصحراء، والاتحادات الدولية، وكل ملف يمكن تحويله إلى مواجهة رمزية.
وكلما اشتدت الحاجة إلى صرف الانتباه عن الأسئلة الداخلية، تصبح الرواية المعادية للمغرب أكثر حضوراً وأسهل تسويقاً.
ولا يعني ذلك أن كل مادة تنتقد المغرب مصنوعة أو خاطئة، فالمغرب مثل أي دولة يجب أن يخضع للنقد والتحقق. لكن الفرق كبير بين النقد المبني على الوثائق، وبين انتظار أي إشاعة لأنها تتوافق مع رغبة سياسية مسبقة.
هل هؤلاء صحفيون فعلاً؟
قد يحمل الشخص بطاقة صحفية، ويظهر خلف مكتب أخبار، ويقرأ نصاً بلغة سليمة، لكنه لا يؤدي بالضرورة وظيفة الصحفي.
فالصحافة ليست الميكروفون ولا الاستوديو ولا الشريط الإخباري. الصحافة هي منهج: مصدر، تحقق، استقلال، حق في الرد، وتصحيح عند الخطأ.
عندما يعرف العامل في وسيلة إعلامية أن المعلومة غير مثبتة، ثم يقدمها بوصفها حقيقة لأنها تخدم موقفاً سياسياً، فهو يغادر وظيفة الصحفي ويدخل مجال الدعاية.
وعندما تنتظر المؤسسة الإشارة السياسية قبل تحديد ما هو صحيح، فهي لا تعمل باعتبارها غرفة أخبار مستقلة، بل باعتبارها جزءاً من جهاز تعبئة.
يمكن وصف هؤلاء بأنهم صحفيون من حيث الصفة الإدارية، لكن المادة التي ينتجونها قد لا تكون صحافة من حيث الوظيفة والمضمون.
صحفيون جزائريون يدفعون الثمن
من الخطأ في المقابل اختزال جميع الصحفيين الجزائريين في هذه الصورة.
فالتقارير الدولية نفسها التي تنتقد الإعلام الموالي للسلطة توثق تعرض صحفيين مستقلين جزائريين للاعتقال والمحاكمات والمراقبة وحملات التشهير، بسبب محاولتهم ممارسة الصحافة خارج الخطوط المرسومة. وتحتل الجزائر المرتبة 145 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لسنة 2026 الصادر عن «مراسلون بلا حدود».
كما صنفت «فريدوم هاوس» الجزائر ضمن الدول «غير الحرة» في تقريرها لسنة 2026، وأعطتها نقطة واحدة من أربع في معيار وجود إعلام حر ومستقل.
وهذا يعني أن جزءاً من الصحفيين الجزائريين ليس شريكاً في المنظومة، بل ضحية لها.
فهناك فرق بين صحفي اختار الدعاية طوعاً، وصحفي يمارس الرقابة الذاتية خوفاً على عمله وحريته، وصحفي مستقل يدفع ثمن رفضه الانضمام إلى الجوقة.
القانون والخوف يصنعان الرقابة الذاتية
توضح «مراسلون بلا حدود» أن القوانين الجزائرية تعاقب نشر ما يوصف بـ«الأخبار الكاذبة» أو المساس بالأمن والوحدة الوطنية، وأن هذه النصوص تُستخدم ضد الصحفيين وتؤدي إلى انتشار الرقابة الذاتية. كما فرض قانون الإعلام الصادر سنة 2023 قيوداً إضافية على تمويل المؤسسات الإعلامية وعمل الصحفيين.
وفي بيان مشترك سنة 2025، تحدثت منظمات حقوقية دولية عن استعمال التشريعات والإجراءات القضائية والرقابة لإسكات الأصوات المنتقدة، وعن تضييق المجال العام عبر ما وصفته بالترسانة الأمنية والقضائية والإعلامية.
داخل هذه البيئة، يتعلم بعض الصحفيين أن النجاح لا يتحقق بالسبق المهني، بل بعدم تجاوز الخطوط الحمراء. ويتعلم بعض المسؤولين عن التحرير أن مهاجمة الخصم الخارجي أكثر أماناً من مساءلة المسؤول الداخلي.
وهكذا لا يحتاج النظام الإعلامي دائماً إلى إرسال أمر مكتوب؛ إذ تتحول الرقابة الذاتية والتمويل والامتيازات والخوف إلى أوامر غير معلنة.
الدعاية لا تحتاج دائماً إلى كذبة محكمة
قد يتساءل القارئ: لماذا تنشر وسيلة محترفة رواية يمكن كشفها بسهولة؟
لأن الدعاية لا تبحث دائماً عن كذبة تستمر إلى الأبد.
أحياناً يكفي أن تعيش الرواية ساعات، وأن تتحول إلى عناوين ومنشورات ومقاطع، وأن تزرع الشك والغضب قبل انهيارها.
وعندما يظهر التكذيب، يمكن للمنبر أن يتجاهله وينتقل إلى موضوع آخر، بينما تبقى النسخة الأولى داخل ذاكرة جزء من الجمهور.
بهذا المعنى، لا تكون الفضيحة في أن المؤسسة لم تعرف الحقيقة، بل في أنها لم تعتبر الحقيقة شرطاً ضرورياً للنشر.
الجمهور الجزائري هو الضحية الأولى
حين تتحول وسائل الإعلام إلى أدوات خصومة سياسية، لا يكون المغرب هو المتضرر الوحيد، بل يصبح الجمهور الجزائري أول الضحايا.
فالمواطن الذي يحتاج إلى معلومات دقيقة عن بلده والمنطقة يحصل بدلاً منها على روايات انتقائية، ومواجهات مصطنعة، وانتصارات إعلامية لا تعيش أكثر من ساعات.
ويُدفع الجمهور تدريجياً إلى النظر إلى المغرب باعتباره تفسيراً جاهزاً لكل أزمة أو إخفاق أو توتر، بينما تتراجع مساحة النقاش العقلاني حول السياسات الداخلية.
وهنا تؤدي الدعاية وظيفة مزدوجة: مهاجمة الخارج، ومنع الداخل من مساءلة نفسه.
لماذا لا تقدم هذه المنابر اعتذاراً؟
في الصحافة المهنية، لا يمثل التصحيح هزيمة، بل دليل احترام للقارئ.
أما في إعلام التعبئة، فيصبح الاعتذار خطراً، لأنه لا يعترف بخطأ خبر واحد فقط، بل قد يكشف أن المنهج الذي أنتجه كان معيباً من الأصل.
لذلك تفضل بعض المنابر الصمت، أو حذف المادة، أو القفز إلى إشاعة جديدة، بدلاً من شرح كيف نُشرت المعلومة ومن المسؤول عنها.
فالاعتذار يحتاج إلى مؤسسة ترى القارئ مواطناً يستحق الحقيقة، لا مجرد متلقٍ يجب الحفاظ على حماسه.
المغرب لا يحتاج إلى تقليد الأسلوب نفسه
الرد على الدعاية لا يكون بدعاية معاكسة، ولا بالتعميم على الشعب الجزائري أو وصف كل صحفي جزائري بأنه عميل أو بوق.
الرد الأقوى هو تسمية المنبر الذي نشر الخبر، وتوثيق ما قاله، ومقارنته بالمصدر الأصلي، ثم ترك الوقائع تحكم.
كما ينبغي للإعلام المغربي نفسه أن يقبل المعيار ذاته: التحقق قبل النشر، وتصحيح الأخطاء، وعدم تحويل المنافسة السياسية إلى مبرر لنشر كل ما يسيء إلى الطرف الآخر.
المهنية لا تملك جنسية، والدعاية أيضاً لا تملك جنسية.
لكن عندما يتحول العداء للمغرب إلى سياسة تحريرية شبه دائمة لدى بعض المنابر الجزائرية، يصبح من المشروع السؤال عن وظيفة هذه المنابر وعن الجهات والمصالح التي تستفيد من استمرار هذا الخطاب.
صحافة أم وظيفة سياسية؟
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العاملون في هذه المؤسسات يحملون بطاقات صحفية، بل ما إذا كانوا يملكون القرار التحريري الحر.
فإذا كان الخبر يُختار لأنه يرضي السلطة، والعنوان يُصاغ لخدمة الخصومة، والمصدر يُهمَل لأنه قد يفسد الرواية، فنحن لسنا أمام صحافة مكتملة الأركان.
نحن أمام وظيفة سياسية تُمارس بأدوات إعلامية.
وقد يكون داخل هذه المؤسسات صحفيون مهنيون، لكن المؤسسة نفسها تجعلهم جزءاً من منتج دعائي، سواء شاركوا فيه عن اقتناع أو خوف أو بحثاً عن الامتيازات.
وهذا هو أخطر ما في القضية: ليست المشكلة في إشاعة انكشفت، بل في منظومة لا ترى في انكشافها سبباً لمراجعة نفسها.
الزمن الرقمي يفضح لكنه لا يصلح
العصر الرقمي جعل كشف الإشاعات أسرع، لكنه لم يمنع إنتاجها.
فالمصدر الرسمي أصبح متاحاً، وأرقام الملفات قابلة للمقارنة، والصور يمكن فحصها، والأرشيف لا ينسى. لكن التكنولوجيا لا تستطيع إجبار المؤسسة على احترام الحقيقة إذا كانت أولوياتها سياسية.
لذلك قد تُكشف الكذبة في دقائق، بينما تستمر الآلة التي صنعتها في إنتاج روايات أخرى.
المشكلة ليست نقص أدوات التحقق، بل غياب الإرادة في استعمالها.
هذا، وحين تتعامل بعض المنابر الجزائرية مع كل خبر يخص المغرب باعتباره فرصة للمواجهة، فإنها لا تخسر معركة خبر واحد فقط، بل تستنزف ما تبقى من ثقة الجمهور فيها.
وقد لا يكون وراء كل عنوان شخص واحد يصدر الأوامر، لكن توجد بيئة سياسية وقانونية واقتصادية تكافئ الولاء، وتضغط على الاستقلال، وتجعل الخطاب المعادي للمغرب أكثر أمناً وربحاً من الصحافة النقدية داخل الجزائر.
أما العاملون داخل هذه المنظومة، فليسوا جميعاً في الموقع نفسه: منهم من اختار الدعاية، ومنهم من تكيف معها، ومنهم من يصمت خوفاً، ومنهم صحفيون مستقلون يدفعون ثمناً باهظاً مقابل رفضها.
لكن النتيجة تبقى واحدة: عندما يسبق العداءُ التحققَ، ويتقدم الموقف السياسي على الحقيقة، لا يعود ما يُنتج صحافة، حتى لو قُرئ من داخل استوديو وحمل توقيع صحفي.
إنها دعاية ترتدي بطاقة مهنية.

