نجا المنتخب الإنجليزي من واحدة من أكثر مباريات دور الـ32 توترا في كأس العالم 2026، بعدما قلب تأخره أمام الكونغو الديمقراطية إلى فوز صعب بهدفين مقابل هدف واحد، في مواجهة احتضنها ملعب أتلانتا، وكادت تكتب واحدة من مفاجآت الأدوار الإقصائية.
دخلت إنجلترا المباراة وهي مرشحة بقوة للعبور، بالنظر إلى الأسماء والتجربة وحجم الرهان. لكنها وجدت نفسها مبكرا أمام منتخب كونغولي شجاع، منظم، لا يخاف الضغط، ولا يتعامل مع الموعد وكأنه ضيف شرف في ليلة إنجليزية.
الصدمة جاءت في الدقيقة السابعة، حين استغل بريان سيبينغا هفوة دفاعية إنجليزية ومنح الكونغو الديمقراطية هدف التقدم، ليفتح المباراة على سيناريو لم يكن في حسابات الإنجليز.
بعد الهدف، لم تظهر إنجلترا بالشكل الذي انتظره جمهورها. امتلكت الكرة، لكنها لم تمتلك الحلول. كانت التمريرات كثيرة، غير أن الخطورة بقيت محدودة أمام دفاع كونغولي متماسك وحارس يقظ.
الكونغو الديمقراطية لعبت بذكاء واضح. لم تركن إلى الدفاع الكامل، ولم تندفع بلا حساب. أغلقت المساحات، كسرت إيقاع الإنجليز، ونجحت في جر المباراة إلى منطقة القلق، حيث بدأ الضغط يكبر مع مرور الدقائق.
ودخل المنتخب الإنجليزي المواجهة بتشكيلة ضمت جوردان بيكفورد في الحراسة، وإزري كونسا، نيكو أورايلي، مارك غويهي، وديد سبنس في الدفاع، إلى جانب ديكلان رايس، إليوت أندرسون، وجود بيلينغهام في الوسط، وهاري كين، ماركوس راشفورد، ونوني مادويكي في الهجوم.
هذه الأسماء منحت إنجلترا أفضلية واضحة على الورق، لكنها لم تكن كافية لإخفاء الارتباك في البناء، خصوصا أمام منتخب لعب بثقة ودافع عن تقدمه بانضباط كبير.
وفي مثل هذه المباريات، لا تقاس قيمة المهاجم بعدد لمساته، بل بلحظة واحدة يغير بها مصير منتخب كامل. وهذا ما فعله هاري كين.
انتظرت إنجلترا إلى الدقيقة 75 لتتنفس، بعدما نجح قائدها في تسجيل هدف التعادل بضربة رأسية أعادت المباراة إلى نقطة البداية، وأنقذت المنتخب الإنجليزي من مأزق كان يكبر دقيقة بعد أخرى.
لكن كين لم يكتف بإعادة إنجلترا إلى المباراة. ففي الدقيقة 86، عاد ليضرب من جديد، موقعا هدف الفوز بعد مجهود فردي وتسديدة قوية، ليمنح منتخب بلاده بطاقة العبور إلى الدور المقبل.
هكذا تحولت ليلة إنجليزية صعبة إلى فوز ثمين. لم يكن الفوز مقنعا بالكامل، لكنه كان من ذلك النوع الذي تصنعه الشخصيات الكبيرة في مباريات خروج المغلوب.
ورغم الإقصاء، لا يمكن اختزال أداء الكونغو الديمقراطية في مجرد محاولة فاشلة لإحداث المفاجأة. المنتخب الكونغولي لعب مباراة كبيرة، تقدم مبكرا، دافع بشراسة، وأحرج أحد المنتخبات المرشحة للذهاب بعيدا في البطولة.
وكانت الكونغو قريبة من تعقيد الأمور أكثر لو استغلت بعض اللحظات التي سنحت لها بعد هدف التقدم، لكنها دفعت ثمن التفاصيل الصغيرة في الربع ساعة الأخير، حيث ظهر فارق الخبرة والنجاعة أمام المرمى.
صحيح أن إنجلترا تأهلت، وصحيح أن هاري كين حضر في الموعد، لكن الأداء يترك أكثر من سؤال قبل الدور المقبل.
منتخب يريد المنافسة على اللقب لا يمكن أن يدخل مباراة إقصائية بهذا القدر من البطء والارتباك، ولا يمكن أن ينتظر حتى الدقيقة 75 ليجد طريقه إلى المرمى أمام منافس منظم، لكنه ليس من أثقل منتخبات البطولة على الورق.
الدفاع ارتكب خطأ كلف هدفا مبكرا. الوسط عانى في فترات كثيرة من بطء الإيقاع. والهجوم احتاج إلى عبقرية كين الفردية أكثر مما استفاد من منظومة هجومية واضحة.
وبهذا الفوز، واصل المنتخب الإنجليزي مشواره في كأس العالم، ليضرب موعدا ناريا مع المكسيك في الدور المقبل، في اختبار يبدو أكثر صعوبة، بالنظر إلى قوة المنتخب المكسيكي، ودعم جماهيره، وحجم الضغط الذي ينتظر الإنجليز.
وإذا كانت الكونغو الديمقراطية قد كشفت عددا من نقاط ضعف إنجلترا، فإن مواجهة المكسيك قد تكون امتحانا أقسى. فمنتخب يلعب بطاقة كبيرة وبدعم جماهيري واسع لن يترك للإنجليز وقتا طويلا لتصحيح الأخطاء أثناء المباراة.
إنجلترا عبرت، لكنها لم تقنع. والكونغو الديمقراطية ودعت، لكنها خرجت مرفوعة الرأس. أما هاري كين، فقد أكد مرة أخرى أنه ليس مجرد قائد على الورق، بل لاعب يعرف كيف يحضر عندما يبدأ العد العكسي للخروج.
في كأس العالم، لا يهم دائما أن تفوز بأناقة. أحيانا يكفي أن تنجو. وإنجلترا نجت فعلا، لكنها غادرت مباراة الكونغو برسالة واضحة: الطريق إلى اللقب لا يرحم المنتخبات التي تحتاج إلى الخطر كي تستيقظ.

