أضحية العيد بين دعم الدولة وغلاء السوق.. أين اختفى أثر الدعم؟

ليست أزمة أضحية العيد في المغرب مجرد ارتفاع عادي في الأسعار. إنها معادلة موجعة: الدولة تعلن دعم الكساب، وتدعم الأعلاف، وتتحدث عن وفرة القطيع، لكن المواطن البسيط يدخل السوق فلا يجد أمامه إلا أثمنة تتجاوز قدرته. وهنا يبدأ السؤال الصعب: إذا كان الدعم موجودا، فلماذا لا يظهر أثره في الثمن النهائي؟

هذه ليست ملاحظة انفعالية. فالمعطيات الرسمية تؤكد أن الدولة عبأت إجراءات واسعة لدعم مربي الماشية وإعادة تكوين القطيع الوطني. فقد أعلنت وزارة الفلاحة دعما مباشرا لاقتناء الأعلاف حسب عدد الرؤوس المرقمة، مع دعم تنازلي يبدأ من 150 درهما للرأس بالنسبة إلى الأغنام ضمن العشرة رؤوس الأولى، ثم ينخفض تدريجيا حسب حجم القطيع. كما خُصصت منحة للحفاظ على إناث الماشية، تبلغ 400 درهم لكل أنثى من الأغنام و300 درهم لكل أنثى من الماعز.

ومع ذلك، لا يشعر المواطن بأن هذا المجهود العمومي وصل إلى جيبه. يسمع عن الدعم، وعن الوفرة، وعن الأسواق المنظمة، لكنه حين يسأل عن الثمن يجد نفسه أمام أرقام ثقيلة، وكأن حلقات السوق ابتلعت أثر الدعم قبل أن يصل إلى المستهلك.

دعم الأعلاف حاضر.. لكن أثره غائب في السوق

الحكومة سبق أن أعلنت أيضا دعما لبيع الشعير في حدود 7 ملايين قنطار، حتى يباع الكيلوغرام بسعر 1.5 درهم، إلى جانب دعم الأعلاف المركبة الموجهة للأغنام والماعز في حدود 7 ملايين قنطار، ليصبح سعر الكيلوغرام درهمين، بكلفة تقارب 2.5 مليار درهم. وتندرج هذه التدابير ضمن برنامج أوسع تناهز كلفته 3 مليارات درهم إلى نهاية 2025، مع 3.2 مليارات درهم إضافية خلال سنة 2026.

هذه الأرقام كبيرة، ولا يمكن تجاهلها. لكنها تفتح سؤالا أكبر: كيف يستفيد القطاع من دعم الأعلاف والدعم المباشر، ثم لا يجد المواطن مقابلا واضحا في ثمن الأضحية؟ هل المشكل في كلفة الإنتاج فعلا؟ أم في الوسطاء؟ أم في ضعف المراقبة؟ أم في غياب ربط الدعم بالثمن النهائي؟

المواطن لا يناقش حق الكساب في الربح، ولا ينكر أثر الجفاف وغلاء الأعلاف خلال السنوات الماضية. لكنه يرى أن المال العمومي حين يدخل لدعم سلسلة الإنتاج، فمن حقه أن يسأل: أين انعكس هذا المال؟ هل خفف السعر؟ هل حمى الأسر؟ أم أنه بقي في منتصف الطريق؟

الوفرة وحدها لا تكفي

تتحدث المعطيات الحكومية والإعلامية عن توفر العرض، بل وعن كون عدد الرؤوس الموجهة للعيد كافيا لتغطية الطلب. لكن الوفرة، في عين المواطن، لا تقاس بعدد الرؤوس الموجودة في الحظائر والأسواق، بل تقاس بقدرته على الشراء.

ما معنى أن يكون القطيع متوفرا إذا كان رب أسرة بسيط لا يستطيع الاقتراب من الأثمنة؟ وما معنى أن تكون الأعلاف مدعمة إذا كان ثمن الأضحية يظل مرتفعا؟ وما قيمة كل إجراءات الدعم إذا انتهى المواطن إلى الاستدانة أو التخلي عن الأضحية أو الدخول إلى العيد بقلب مثقل؟

هذه هي المفارقة التي تحتاج إلى جواب رسمي واضح. فالسوق لا يمكن أن يستفيد من دعم الدولة ثم يترك المواطن وحده أمام منطق “اللي بغا يشري يشري”.

بين الكساب والمستهلك.. حلقات ترفع الثمن

جزء من الأزمة يوجد غالبا بين المنتج والمستهلك. فالكساب يشتكي من الكلفة، والمواطن يشتكي من الثمن، وبينهما تتحرك حلقات كثيرة: النقل، الأسواق، السماسرة، الوسطاء، التخزين، والمضاربة في الأيام الأخيرة.

وهنا يصبح الدعم غير كاف إذا لم يرافقه تتبع صارم لمسار الأضحية من الضيعة إلى المستهلك. فإذا استفاد الكساب من دعم الأعلاف، ثم دخلت الأضحية في سلسلة وساطة طويلة، فإن أثر الدعم قد يتبخر قبل الوصول إلى السوق النهائي.

المطلوب إذن ليس فقط إعلان الدعم، بل مراقبة أثره. فالدعم العمومي لا يجب أن يتحول إلى هامش ربح إضافي داخل السوق، بل إلى أداة لتخفيف الضغط عن الأسر. وإذا لم يحدث ذلك، فإن المواطن سيشعر أن الدولة دعمت السلسلة، لكن الحلقة الأخيرة، وهي المستهلك، بقيت خارج الحماية.

دعم الكساب يجب أن يقابله التزام أخلاقي وسعري

ليس من العدل مهاجمة كل الكسابين. كثير منهم تضرروا فعلا من الجفاف، وارتفاع تكاليف التربية، وتراجع المراعي، وغلاء النقل. لكن ليس من العدل أيضا أن يتحمل المواطن كل شيء.

عندما يتدخل المال العمومي لإنقاذ القطيع ودعم الأعلاف، يصبح من المشروع أن تطالب الدولة السوق بسلوك مختلف. الدعم ليس هدية بلا أثر اجتماعي. إنه تدخل لحماية قطاع حيوي، لكنه يجب أن يحمي في النهاية القدرة الشرائية كذلك.

لذلك، من حق المواطن أن يرى أسعارا أكثر عقلانية. ومن حقه أن يعرف لماذا لا تنخفض الأثمنة رغم الدعم. ومن حقه أن يطالب بلجان مراقبة لا تكتفي بتتبع السلامة الصحية للأضاحي، بل تراقب أيضا المضاربة والاحتكار والرفع غير المبرر للأسعار.

لا يكفي أن نقول للمواطن: لا تتسرع في الشراء

تتكرر كل سنة نصيحة عدم التسرع في شراء الأضحية، وانتظار الأيام الأخيرة حتى تهدأ الأسعار. هذه النصيحة قد تكون مفيدة، لكنها لا تحل جوهر المشكلة. المواطن ليس خبير سوق، ولا يملك القدرة على مواجهة السماسرة، ولا يعرف الثمن الحقيقي من الثمن المنفوخ.

الدولة وحدها تملك أدوات التنظيم: أسواق نموذجية، أثمان مرجعية، تتبع للوسطاء، مراقبة يومية، نقط بيع مباشرة، ومحاربة للمضاربة. بدون هذه الأدوات، يبقى المواطن أمام سوق مفتوحة لا ترحم، خصوصا حين يتعلق الأمر بمناسبة دينية واجتماعية لا يتعامل معها الناس كسلعة عادية.

الأضحية ليست كمالية بالنسبة إلى كثير من الأسر. إنها طقس روحي واجتماعي عميق. ولهذا بالضبط يستغل بعض المتدخلين ضغط المناسبة، ويعرفون أن المواطن قد يشتري ولو كان الثمن فوق طاقته.

السؤال الحقيقي: من يحمي الحلقة الأخيرة؟

من الواضح أن الدولة تدخلت لحماية القطيع والكساب. وهذا مهم. لكن السؤال الذي يطرحه المواطن اليوم هو: من يحمي المستهلك؟

إذا كان الدعم موجها إلى الأعلاف والقطيع، فيجب أن يظهر أثره في السوق. وإذا لم يظهر، فهناك خلل في الطريق. إما أن الدعم لا يصل إلى مستحقيه بالكامل، أو أن كلفة الإنتاج ما تزال مرتفعة فعلا، أو أن الوسطاء يلتهمون الفارق، أو أن السوق تحتاج إلى ضبط أقوى.

في كل الحالات، لا ينبغي ترك المواطن يواجه النتيجة وحده. فالمواطن البسيط لا يملك حقائق السلسلة، لكنه يملك حقيقة واحدة: دخله محدود، والأسعار مرتفعة، والعيد يقترب.

تدخل صارم لا يظلم الكساب ولا يترك المواطن فريسة

الحل ليس في ضرب الكساب، ولا في شيطنة التجارة، ولا في فرض أثمان غير واقعية. الحل في عدالة السوق. أي أن يربح الكساب ربحا معقولا، ويشتغل التاجر في إطار واضح، ويصل المستهلك إلى ثمن يمكن احتماله.

هذا يتطلب ربط الدعم بالمراقبة، وتتبع مسار الأعلاف المدعمة، ومنع إعادة بيعها خارج الهدف المخصص لها، ومراقبة الوسطاء، وتنظيم الأسواق، وإشهار الأثمان، وفتح قنوات بيع مباشرة أو شبه مباشرة بين المربين والمواطنين.

كما يتطلب شفافية أكبر في التواصل. المواطن يحتاج إلى معرفة واضحة: كم كلف الدعم؟ من استفاد؟ كم عدد الرؤوس المدعمة؟ هل انخفضت كلفة الإنتاج فعلا؟ ولماذا لا ينعكس ذلك على الثمن؟

بدون هذه الأجوبة، سيبقى الإحساس العام هو أن الدعم موجود في البلاغات، لكنه غائب في الرحبة.

خلاصة المقال

تكشف أزمة أضحية العيد عن مفارقة حادة: دعم عمومي مهم للكساب والأعلاف، مقابل أسعار لا تزال ثقيلة على المواطن البسيط.

  • الدولة دعمت الأعلاف والقطيع بمبالغ وإجراءات مهمة، لكن الأثر لا يظهر بوضوح في الثمن النهائي.
  • حلقات الوساطة والمضاربة قد تبتلع جزءا من أثر الدعم قبل وصوله إلى المستهلك.
  • المطلوب ربط الدعم بالمراقبة والشفافية، حتى لا يبقى المواطن الحلقة الأضعف في السوق.

إن أضحية العيد اليوم ليست مجرد خروف في السوق. إنها مرآة لعلاقة المواطن بالدعم العمومي وبالعدالة الاجتماعية. فإذا دعمت الدولة الكساب والأعلاف، وبقي المواطن عاجزا عن الشراء، فإن المشكلة لم تعد في الوفرة فقط، بل في الطريق الطويل الذي يقطع فيه الدعم قبل أن يصل أثره إلى جيب المواطن.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. التعليقات النظيفة تُنشر، والمحتوى المخالف أو الإشهاري يُحال للمراجعة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أكادير24

بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله