لم يعد السؤال، صباح اليوم التالي لنهائي دوري أبطال أوروبا، هو من توج بالكأس فقط. النتيجة عُرفت سريعاً: باريس سان جيرمان احتفظ بلقبه بعد فوزه على آرسنال بركلات الترجيح. لكن بالنسبة للجمهور المغربي، كان للنهائي عنوان آخر أكثر قرباً ودفئاً: أشرف حكيمي عاد من الإصابة، لعب 120 دقيقة، سجل ركلته تحت الضغط، ثم وقف على منصة التتويج بطلاً لأوروبا من جديد.
قبل أيام قليلة فقط، كان حضور الدولي المغربي في النهائي موضع ترقب وقلق. إصابة في الفخذ أبعدته عن مباريات مهمة مع باريس سان جيرمان، وجعلت عودته قبل موعد بودابست سباقاً مع الزمن، خصوصاً أن كأس العالم 2026 باتت على الأبواب. ثم تغير المشهد كاملاً: حكيمي في التشكيلة الأساسية، وحكيمي أمام آرسنال، وحكيمي يرفع الكأس بعد ليلة امتدت إلى ركلات الترجيح.
لهذا السبب لم تتعامل الصحافة المغربية والعربية مع التتويج باعتباره خبراً باريسياً فقط، بل قدمته في صورة إنجاز شخصي جديد للاعب المغربي الذي تحول من مصدر قلق بسبب الإصابة إلى أحد وجوه الاحتفال الأوروبي.
عناوين الصحافة.. من «البطل للمرة الثالثة» إلى «ملك الذهب»
اختارت SNRTnews عنواناً مباشراً وقريباً من الشعور المغربي: «حكيمي بطلا لدوري أبطال أوروبا للمرة الثالثة في مسيرته». ولم يكتف التقرير بإبراز التتويج، بل توقف عند مشاركة اللاعب أساسياً وتسجيله إحدى ركلات الترجيح، معتبراً أن اللقب يعزز مكانته بين أبرز اللاعبين المغاربة والإفريقيين في المسابقة الأوروبية.
أما الجزيرة نت، فذهبت إلى عنوان أكثر احتفاءً بالرمزية والرقم التاريخي: «حكيمي “ملك الذهب” يعادل رقم أسطورة الكاميرون إيتو». هنا لم يعد حكيمي مجرد لاعب ضمن فريق متوج، بل أصبح محور المقارنة مع واحد من أشهر الأسماء الإفريقية التي مرت من أوروبا، الكاميروني صامويل إيتو.
وفي الاتجاه نفسه، اختارت منصة كووورة عنواناً قوياً: «بعد التاج الثالث.. حكيمي رجل إفريقيا الأول في تاريخ أوروبا»، مركزة على البعد الإفريقي للإنجاز، وعلى انتقال اللاعب المغربي إلى دائرة الأسماء التي بنت مسيرتها على الحضور المستمر في أعلى مستوى قاري.
أما صحيفة “Le Matin” المغربية، فاختارت تقديم التتويج من زاوية باريس سان جيرمان، لكنها خصصت لحكيمي مكاناً واضحاً في متن خبرها، مؤكدة أنه سجل ركلته في سلسلة الترجيح، وأنه سبق أن توج بالمسابقة مع ريال مدريد سنة 2018، قبل مساهمته في التتويجين المتتاليين للفريق الباريسي.
هذه العناوين ليست مجرد عبارات احتفالية؛ إنها تكشف كيف تغير موقع حكيمي في المخيال الرياضي المغربي. قبل سنوات، كان الخبر هو انتقال لاعب مغربي إلى ريال مدريد أو بوروسيا دورتموند أو إنتر ميلان. اليوم، صار الخبر أن لاعباً مغربياً يراكم ألقاب دوري الأبطال، ويعود من الإصابة ليشارك في نهائي جديد، ويقف عند نقطة الجزاء في لحظة تحتاج إلى أعصاب باردة.
ليس رجل المباراة.. لكنه كان صاحب قصة النهائي المغربية
من الضروري، تحريرياً، عدم المبالغة في وصف أداء حكيمي داخل المباراة. فالاسم الذي اختاره الاتحاد الأوروبي لكرة القدم أفضل لاعب في النهائي هو البرتغالي فيتينيا، بعد دوره الكبير في قيادة وسط باريس سان جيرمان، خصوصاً في الشوط الثاني.
لكن كرة القدم لا تصنع عناوينها دائماً من جائزة رجل المباراة وحدها. أحياناً تكون القصة في السياق: لاعب غاب بسبب الإصابة، استعاد جاهزيته في الوقت المناسب، عاد مباشرة إلى التشكيلة الأساسية في نهائي قاري، صمد طوال 120 دقيقة، ثم تقدم لتنفيذ ركلته في سلسلة ترجيح مرهقة وسجلها بنجاح.
وهذا بالضبط ما صنع جاذبية قصة حكيمي. فباريس كان قد تعثر في ركلة ترجيحية بعد تصدي حارس آرسنال لمحاولة نونو مينديز، قبل أن يتقدم اللاعب المغربي ويسجل ركلته، محافظاً على توازن فريقه النفسي في سلسلة لا تحتمل التردد.
لم تكن ركلة حكيمي هي الركلة الأخيرة التي منحت اللقب رسمياً، لكنها كانت ركلة لاعب يعرف أن الخطأ في نهائي بهذا الحجم قد يبتلع كل الحديث عن العودة من الإصابة وعن التاريخ وعن النجومية. تقدم وسجل، ثم ترك بقية الفصل لزملائه حتى ضاعت ركلة آرسنال الأخيرة وانفجر الاحتفال الباريسي.
من الشك في الجاهزية إلى ثقة لويس إنريكي
قبل النهائي، كان الحديث عن حكيمي مرتبطاً بجسده أكثر من موهبته. صحيفة “Le Parisien” الفرنسية رصدت عودته إلى التدريبات الجماعية بعد غياب دام نحو شهر بسبب إصابة في الفخذ، ثم وضعت مشاركته الأساسية ضمن أبرز أسئلة التشكيلة قبل المباراة.
وبعد التتويج، منحت الصحيفة الفرنسية حكيمي تقييماً بلغ 6.5 من 10 في ليلة وصفتها بالتاريخية لباريس سان جيرمان. ولم يكن الرقم هو الأهم بقدر ما كان مهماً أن اللاعب عاد مباشرة من فترة غياب إلى نهائي طويل وشاق، ولم يحتج إلى مرحلة انتقالية أو دقائق محدودة ليؤكد حضوره.
أما رويترز، فاختارت زاوية أعمق من التقييم الفردي، عندما نقلت تصريح حكيمي بعد التتويج بشأن المدرب لويس إنريكي. اللاعب المغربي اعتبر أن التتويج مرتين متتاليتين ليس أمراً سهلاً، وأرجع التحول الباريسي إلى ثقة اللاعبين في مدربهم وإلى إعلائه قيمة الفريق فوق قيمة الفرد.
هذه الكلمات تفسر أيضاً مكانة حكيمي داخل باريس الجديد. فهو نجم كبير، لكنه لا يقدم نفسه في صورة اللاعب المنفصل عن المجموعة. داخل منظومة لويس إنريكي، تحول الظهير الأيمن إلى لاعب يهاجم ويدافع ويتحمل مسؤولية التنفيذ في ركلات الترجيح، من دون أن يفقد ارتباطه بفكرة الجماعة التي صنعت اللقب.
ثلاثة ألقاب.. مع توضيح ضروري حول طريقة احتساب الرقم
احتفت وسائل إعلام مغربية وعربية بالتتويج باعتباره اللقب الثالث لأشرف حكيمي في دوري أبطال أوروبا: الأول مع ريال مدريد سنة 2018، ثم لقبان متتاليان مع باريس سان جيرمان في 2025 و2026.
ويحتاج هذا الرقم إلى توضيح دقيق حتى لا يقع الالتباس. فالتقارير التي تتحدث عن اللقب الثالث تحتسب وجود حكيمي ضمن الفريق المتوج لريال مدريد سنة 2018 ضمن رصيده الشخصي، وهو ما اعتمدته SNRTnews و“Le Matin” والجزيرة وكووورة في تغطياتها بعد نهائي بودابست.
في المقابل، تنشر “يويفا” إحصاء خاصاً بجنسيات اللاعبين الذين ظهروا فعلياً في المباراة النهائية، وقد سجلت فيه اسم المغرب عبر أشرف حكيمي في نهائيي باريس سان جيرمان لسنتي 2025 و2026 فقط، لأن الهيئة الأوروبية توضح أن قائمتها تحتسب اللاعبين الذين شاركوا في النهائي نفسه.
ولا يوجد تعارض جوهري بين القراءتين: الأولى تتحدث عن رصيد اللاعب ضمن الفرق المتوجة، والثانية تقيد الإحصاء بالمشاركة الفعلية في المباريات النهائية. وفي الحالتين، يبقى حكيمي الاسم المغربي الذي نقل حضور الكرة الوطنية إلى منصة التتويج في نهائيين أوروبيين متتاليين بقميص باريس.
لقب يأتي في التوقيت الذي يحتاجه المنتخب المغربي
ما يزيد من قيمة ليلة حكيمي أنها تأتي على أبواب كأس العالم 2026. فاللاعب لم يكن يخوض نهائياً أوروبياً في نهاية موسم عادي، بل كان يعود من إصابة أقلقت الجماهير المغربية، في مرحلة ينتظر فيها المنتخب الوطني أن يستفيد من قائده وأحد أبرز أسلحته في موعد عالمي كبير.
والآن، لا يلتحق حكيمي بمعسكر “أسود الأطلس” باعتباره لاعباً استعاد عافيته فقط، بل باعتباره لاعباً خرج للتو من اختبار بدني ونفسي بالغ الصعوبة، وفاز فيه بالكأس وسجل ركلته تحت الضغط.
هذه التفاصيل تهم محمد وهبي بقدر ما تهم جمهور باريس. فالمنتخب المغربي سيحتاج في المونديال إلى لاعبين اعتادوا المباريات الثقيلة، وإلى أسماء لا ترتبك أمام البرازيل أو أمام لحظة حاسمة في مباراة إقصائية. وحكيمي يصل إلى هذا الموعد محملاً بثقة لاعب يعرف شكل القمة، وسبق أن عاش ضغطها وخرج منها منتصراً.
باريس انتصر.. لكن حكيمي كان العنوان المغربي للانتصار
في باريس، ستتحدث الصحافة طويلاً عن لويس إنريكي، وعن فيتينيا رجل المباراة، وعن عثمان ديمبيلي الذي أعاد فريقه من التأخر، وعن جيل فرنسي حافظ على اللقب الأوروبي للمرة الثانية توالياً.
لكن في المغرب، تبدو الصورة أكثر خصوصية. فهناك لاعب بدأ الموسم نجماً، وتعرض لإصابة هددت حضوره في أهم موعد، ثم عاد في الوقت المناسب، وخاض النهائي، وسجل في الترجيح، ورفع كأساً جديدة جعلت عناوين الصحافة تنقله من خانة المحترف الناجح إلى خانة اللاعب الذي يصنع تاريخاً مغربياً وإفريقياً في أوروبا.
لم يعد أشرف حكيمي يحتاج إلى هدف في كل نهائي حتى يثبت مكانته. أحياناً يكفي أن يكون حاضراً عندما يُختبر الكبار: بعد الإصابة، في النهائي، عند نقطة الجزاء، وعلى منصة التتويج.
هذه هي قصة ليلة بودابست المغربية: باريس حمل الكأس، لكن حكيمي حمل معه إلى المغرب عنواناً أكبر من النتيجة.. لاعب عاد في الوقت الصعب، وانتصر في الموعد الأكبر.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله