أسعار النفط تقفز فوق 93 دولارا مع اتساع القتال في لبنان ومخاوف مضيق هرمز

عادت أسعار النفط إلى الارتفاع بقوة في بداية تعاملات اليوم الاثنين، بعدما دفعت التطورات العسكرية المتسارعة في الشرق الأوسط الأسواق إلى إعادة تسعير مخاطر الإمدادات، في ظل اتساع العمليات الإسرائيلية في لبنان، وتجدد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتزايد القلق بشأن مستقبل الملاحة عبر مضيق هرمز.

وبعد ارتفاع تجاوز 2 في المائة في التعاملات الأولى، تسارعت مكاسب الخام خلال الساعات اللاحقة، إذ صعدت العقود الآجلة لخام برنت إلى 93.90 دولارا للبرميل، بزيادة بلغت 3.05 في المائة، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي إلى 90.24 دولارا للبرميل، مسجلا زيادة قدرها 3.3 في المائة، وفق أحدث معطيات أوردتها وكالة “رويترز”.

ويأتي هذا الارتفاع بعد جلسة الجمعة التي أنهى فيها الخامان التعاملات على تراجع، تحت تأثير آمال مرتبطة بإمكان تمديد اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، بما قد يفتح الطريق أمام تخفيف القيود على الملاحة في مضيق هرمز وعودة جزء من الإمدادات إلى السوق.

غير أن تفاؤل نهاية الأسبوع لم يصمد طويلا. فالتطورات الميدانية الجديدة أعادت المخاوف إلى الواجهة، بعدما أمرت إسرائيل قواتها بالتوغل أكثر داخل الأراضي اللبنانية في مواجهتها مع حزب الله، رغم وقف إطلاق النار الذي أُعلن منذ أكثر من ستة أسابيع، بينما شهدت الساحة الإقليمية تبادلا جديدا للضربات بين الولايات المتحدة وإيران.

لبنان يعيد إشعال علاوة المخاطر في السوق

لا ينتج لبنان النفط الذي تعتمد عليه السوق العالمية، لكن موقع التصعيد الجديد داخل معادلة أوسع مرتبطة بإيران وحزب الله وإسرائيل يجعل أي توسع في القتال مؤشرا مقلقا بالنسبة للمتعاملين في أسواق الطاقة.

فالأسواق لا تقرأ العمليات العسكرية داخل حدودها الجغرافية فقط، بل تقيس احتمال اتساع المواجهة وتأثيرها على خطوط الشحن والممرات البحرية ومصادر الإمداد. وفي الحالة الراهنة، يرتبط تصعيد لبنان مباشرة بمدى قدرة المفاوضات الأمريكية الإيرانية على الصمود، وبما إذا كانت ستقود فعلا إلى تهدئة أوسع تشمل أمن الملاحة والطاقة.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد قال، يوم الجمعة، إنه سيتخذ قريبا قرارا بشأن مقترح لتمديد وقف إطلاق النار مع إيران، بما يتيح للمفاوضين وقتا إضافيا للبحث عن تسوية أوسع للنزاع والملف النووي الإيراني. غير أن تصاعد القتال في لبنان وتعقد المصالح المرتبطة بإسرائيل وحزب الله أعادا الشكوك حول سرعة الوصول إلى اتفاق قابل للتنفيذ.

وتصر إيران، بحسب التقارير الدولية، على أن أي تفاهم أوسع لا يمكن أن يتجاهل الوضع في لبنان أو دور حزب الله، فيما تبقى إسرائيل طرفا أساسيا في أي ترتيبات أمنية إقليمية مرتبطة بوقف التصعيد وإعادة الاستقرار إلى تدفقات الطاقة.

مضيق هرمز.. الخطر الذي لا تحتمله الأسواق

لا يتوقف قلق الأسواق عند جبهة لبنان. فمضيق هرمز يبقى النقطة الأكثر حساسية في كل التطورات الجارية، بالنظر إلى دوره المحوري في نقل النفط والغاز الطبيعي المسال من الخليج نحو الأسواق العالمية.

وبحسب وكالة الطاقة الدولية، يعبر المضيق في الظروف العادية نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط، بما يمثل قرابة ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا، فضلا عن مرور نحو 19 في المائة من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا عبر هذا الممر البحري.

وتتزايد المخاوف حاليا من أن تؤخر مخاطر الألغام البحرية استئناف حركة الملاحة بشكل طبيعي، حتى في حال توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق سياسي أو أمني. ونقلت “رويترز” عن المحلل لدى “آي.جي” توني سيكامور قوله إن القلق بشأن الألغام في مضيق هرمز قد يجعل الإغاثة تصل ببطء إلى سوق النفط، مؤكدا أن التوصل إلى اتفاق لن يؤدي بالضرورة إلى تدفق سريع للإمدادات.

وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن الأسواق لا تنتظر الإغلاق الكامل للمضيق حتى ترفع الأسعار. فمجرد ارتفاع كلفة التأمين على السفن، أو بطء عبور الناقلات، أو مخاوف الشركات من المخاطر الأمنية، يكفي لرفع كلفة الشحن وتقليص المعروض المتاح في فترات قصيرة.

كما أن الحديث عن ألغام إضافية أو تأخر إزالة المخاطر البحرية يجعل إعادة فتح المضيق أكثر تعقيدا من مجرد إعلان سياسي. فعودة الملاحة تحتاج إلى ضمانات عملية، ومسح للممرات، وثقة شركات الشحن والتأمين، وهو ما قد يستغرق وقتا حتى في حال تراجع مستوى التصعيد.

صعود النفط رغم مؤشرات ضعف الطلب الصيني

اللافت أن مخاوف الإمدادات تمكنت من التغلب على بيانات اقتصادية غير مشجعة صدرت من الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، بعدما أظهرت المؤشرات تباطؤ نشاط الصناعات التحويلية في بداية الأسبوع.

وفي الظروف العادية، يدفع ضعف الصناعة الصينية أسعار النفط إلى التراجع، لأنه يثير القلق بشأن الطلب العالمي على الطاقة. لكن الأسواق تجاهلت جزئيا هذا العامل هذه المرة، لأن المخاطر المرتبطة بالإمدادات في الشرق الأوسط بدت أكثر إلحاحا من مخاوف تباطؤ الاستهلاك.

وهذا يعكس طبيعة المرحلة الراهنة: سعر النفط لم يعد يتحرك فقط بناء على الطلب والنمو الاقتصادي، بل أصبح رهينا بدرجة كبيرة بمسار الحرب، ومستقبل الممرات البحرية، وقدرة المنتجين والمخزونات الاستراتيجية على تعويض أي نقص مفاجئ.

ماذا يعني ارتفاع النفط بالنسبة للمغرب؟

بالنسبة للمغرب، لا يعني صعود خام برنت فوق 93 دولارا أن أسعار المحروقات في المحطات سترتفع فورا وبالقيمة نفسها، لأن التسعير المحلي يرتبط بعوامل متعددة، من بينها أسعار المنتجات المكررة، وسعر صرف الدولار، وكلفة النقل والتخزين، وسياسات شركات التوزيع، والفارق الزمني بين الشراء وإعادة البيع.

لكن ارتفاع النفط عالميا يظل مؤشرا حساسا بالنسبة للاقتصاد المغربي، بحكم اعتماد المملكة بدرجة كبيرة على استيراد حاجياتها الطاقية. وكل موجة صعود طويلة في أسعار الخام أو الغاز أو المنتجات المكررة قد تزيد الضغط على فاتورة الطاقة، وعلى كلفة النقل واللوجستيك، وعلى قدرة الأسر والمهنيين على تحمل المصاريف اليومية.

وتزداد أهمية هذا التطور بعد أيام من الحديث عن تراجع محتمل في أسعار الغازوال بالمغرب بعد عيد الأضحى، استنادا إلى انخفاضات سابقة في السوق الدولية. فإذا استمرت أسعار النفط في الصعود بسبب اتساع التوترات، فقد تعيد الشركات والمهنيون تقييم توقعاتهم بشأن اتجاه التسعيرة المقبلة.

ولا يتعلق الأمر بالمحروقات وحدها. فارتفاع كلفة الطاقة ينعكس عادة على النقل المهني، ونقل السلع، وبعض الأنشطة الفلاحية والصناعية، بما قد يجعل أي اضطراب مطول في مضيق هرمز أو المنطقة مؤثرا في القدرة الشرائية بشكل غير مباشر.

ومع ذلك، لا يمكن الجزم منذ الآن باتجاه أسعار الوقود محليا، لأن السوق ما تزال رهينة بتطورات سريعة ومتضاربة. فإذا نجحت المباحثات في تخفيف التصعيد وإعادة الملاحة تدريجيا، فقد تتراجع الأسعار مجددا. أما إذا توسعت المواجهات أو طال تعطل الإمدادات، فقد تبقى الأسعار تحت ضغط صعودي.

السوق تنتظر السياسة.. والسفن تنتظر الأمان

تدخل أسعار النفط الأسبوع الجديد وهي عالقة بين حسابات الميدان وحسابات التفاوض. فمن جهة، توجد محادثات ومحاولات لتمديد التهدئة وإعادة فتح مضيق هرمز أمام تدفقات الطاقة. ومن جهة ثانية، توجد عمليات عسكرية متسعة في لبنان وضربات متبادلة تضع أي اتفاق محتمل أمام اختبار صعب.

وهذا التناقض يفسر سرعة التقلبات المسجلة خلال الجلسات الأخيرة: انخفاض قوي عند الحديث عن قرب الاتفاق، ثم صعود سريع بمجرد عودة أصوات السلاح ومخاوف الإمدادات إلى الواجهة.

في النهاية، لا تحتاج سوق النفط اليوم إلى وعود سياسية فقط، بل إلى استقرار فعلي ينعكس على حركة السفن وسلامة الممرات البحرية. فالبرميل لا ينخفض لأن المتفاوضين يقتربون من التوقيع فحسب، بل حين تتأكد السوق أن الإمدادات ستصل فعلا، وأن ناقلات النفط والغاز ستعبر دون تهديد أو تأخير.

وبين لبنان ومضيق هرمز، دخل النفط مجددا منطقة الخطر. أما في المغرب، حيث يراقب المواطن أسعار المحطات بقلق مستمر، فإن السؤال سيظل مفتوحا خلال الأيام المقبلة: هل تكون القفزة الحالية موجة مؤقتة، أم بداية ضغط جديد على فاتورة الطاقة وأسعار المحروقات؟

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. التعليقات النظيفة تُنشر، والمحتوى المخالف أو الإشهاري يُحال للمراجعة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أكادير24

بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله