لهذه الأسباب لم ينتج المغرب صحافيا كبيرا من حجم حسنين هيكل

أكادير24 | Agadir24

من يكتب اليوم في المجتمع العربي ـ الإسلامي يشبه من يزرع حقلا في الفضاء” – أدونيس

شغلني ما طرحه المفكر محمد سبيلا لحظة تكريمه في اللقاء الذي نظمته الرابطة المغربية للصحافة الثقافية في منتصف دجنبر الماضي، حين تساءل: “لماذا لم ينتج المغرب صحافيا من حجم الصحافي المصري الكبير محمد حسنين هيكل؟

وأثناء محاولتي البحث عن جواب لهذا السؤال، اكتشفت أن حسنين هيكل هو استثناء عربي بامتياز، بل تبين لي أن صحافيين وازنين سبقوا إلى طرح ذات السؤال: لماذا لم ينتج كل بلد عربي صحافي من ذات الوزن الذي تميزت به مصر التي أنجبت هرما كبيرا اسمه هيكل ولم يتكرر حتى داخل أرض الكنانة؟ يقول الصحافي اللبناني طلال سلمان في جريدة “السفير” وهو ينعي الراحل حسنين هيكل: “ليست مصادفة أن الأنظمة العربية الأخرى لم تنجب “هيكلها”… ولا هي مكّنت الصحافيين المميزين فيها من أن يلعبوا مثل دور هيكل في “الأهرام”.. بل إنه كان مستحيلاً عليها أن تسمح بهامش من حرية الرأي ينهض بهذه المهنة ذات الدور الرائد في تاريخ التقدم الإنساني ويمكنها من الإسهام في خدمة مجتمعاتها بما يؤكد جدارتها بصنع الغد الأفضل”. (انظر جريدة “السفير” في عددها ليوم 20 فبراير 2016)، وهو العنوان ذاته الذي كان محور ندوات وعروض ومقابلات تلفزيونية، فقد كتبت الصحافية زينب الطحان في جريدة المنار في 21 فبراير 2016، مقالا بذات العنوان: (لماذا لم يستطع العالم العربي إنجاب أكثر من “هيكل”؟)

 

إن الصحافيين الكبار، حتى على المستوى العربي، محدودون جدا ويمكن عدهم دون أن نبلغ أصابع اليدين في أشد الحالات تفاؤلا، مع توسيع مفهوم “الصحافي الكبير” دون حصره في معيار ما تجمع في حسنين هيكل وتفرق في غيره، مثل الإخوة علي ومصطفى أمين مؤسسا صحيفة “أخبار اليوم” المصرية، وروز اليوسف التي أسست مجلة شهيرة تحمل اسمها، والصحافي اللبناني رؤوف شحوري مؤسس جريدة “القبس” الكويتية، ورئيس تحرير جريدة “السفير” الكاتب الصحافي طلال سلمان، وإبراهيم نافع رئيس مجلس إدارة “الأهرام” ورئيس تحريرها ونقيب الصحافيين الأسبق، وأنيس الدغيدي الكاتب الصحافي المصري الحائز على تقدير أفضل كاتب عربي عام 2004 .. إن الخلل إذن بنيوي والعطب عربي أيضا، وتظل لبنان ومصر- لعوامل متداخلة ذات طابع تاريخي وسياسي وثقافي مرتبط بهذين البلدين- الاستثناء الذي أنتج صحافيين من عيار ثقيل.. لكن جلهم تلاميذ المدرسة “الهيكلية”، إذ في محاولة تحديد معنى “صحافي كبير”، يجب أن نميز بين الشهرة والتأثير والفاعلية والخبرة والجرأة في التعبير عن الرأي، وبين الكفاءة المهنية والعمق الفكري واتساع الخيال الإبداعي وقوة المعلومة المسندة بوثائق سرية وحجم التأثير في الوقائع السياسية وفي القضايا ذات البعد الكوني لا القطري.. وهنا نحس أن الوطن العربي برمته لم ينتج غير حسنين هيكل واحد لم يتكرر حتى اليوم.. فالعطب عام إذن.

لكن مع ذلك يجب البحث في الأسباب التي لم تجعل المغرب ينتج “هيكل” واحد.

حداثة سن الصحافة المغربية

يعود عمر الصحافة بمصر إلى أكثر من قرنين من الزمان، ففي عام 1798م، أنشأ نابليون أول مطبعة عربية فرنسية هي “مطبعة جيش الشرق” بالإسكندرية وأصبحت “المطبعة الأهلية” بعد نقلها إلى القاهرة، وكانت أولى المنشورات والمطبوعات العربية والفرنسية، صحف مثل “كورييه دي ليجيبت” و”الريكار”.. وأول جريدة عرفها لبنان هي “حديقة الأخبار” التي أنشأها خليل الخوري عام 1858، وبعدها أطلق أحمد فارس الشدياق اللبناني صحيفة “الجوائب”، وعام 1865 صدرت في سوريا جريدة “فرات” و”الشهباء”، وأول صحيفة صدرت بالعراق هي “جورنال عراق” عام 1816، أما أول بروز للصحافة بالمغرب فكان في نهاية القرن 19 مع صدور “جريدة المغرب” في 1889، وأقدم جريدة لدينا التي لا زالت مستمرة حتى اليوم هي “العلم” أم الجرائد الوطنية، تأسست فقط في 11 شتنبر 1946، في حين أقدم جريدة مصرية هي “الأهرام” التي صدرت عام 1875، ولا زالت حية ترزق حتى اليوم..

هذا من حيث البعد الزمني والمقارنة التاريخية بين عراقة الصحافة المصرية والشامية وحداثة الصحافة الوطنية، دون الحاجة إلى المقارنة بالانتشار بين “الأهرام” الورقية التي توزع 273 مليون نسخة سنويا، وظلت مبيعاتها تقترب من المليون نسخة يوميا، في حين أن يومية “العلم” المغربية لا تتجاوز مبيعاتها في أحسن الأحوال سقف 5000 نسخة يوميا.. دون الحديث عن حجم تأثير المقاولتين الصحافيتين في المشهد الإعلامي والسياسي وعدد موظفيها وما يتقاضونه من أجور ووسائل العمل الموضوعة رهن إشارة المؤسستين… فصحافتنا مثل حقولنا، مجزأة إلى قطع صغيرة وغير معمرة إذا ما استثنينا جريدة “العلم” التي تبحث لها اليوم عن جنازة تليق بالفرسان في ساحة لم يعد فيها لا نبلاء ولا شرف.

سلطة لا تؤمن بالصحافي المستقل ولا تثق بذكائه

كانت مصادر خبر حسنين هيكل هم صناع القرار، من الملك فاروق حتى جمال عبد الناصر وأنور السادات وحتى حين اعتقل وطرد من دائرة السلطة، ظلت علاقاته مع المصادر التي تمده بالمعلومة من قلب صناعة القرار موجودة ولم تنضب، لذلك ظلت تحليلاته ذات مستوى عالي من المصداقية وتُبرز توفر صاحبها على المعلومة من مضانها العميقة، ومقالاته التي كان يكتبها في مصر ظلت تجد لها صدى في جميع بقاع العالم العربي بل تُعتمد من طرف القنصليات والسفارات في مصر، وسائر وسائل الإعلام الدولية.

وسأسرد واقعة واحدة تغنينا في تصور ما كانت تمثله شخصية حسنين هيكل، فقبل رحيله بثلاث سنوات، عرضت عليه دار “هاربر كولينز” البريطانية، أن يكتب لها كتاباً عن “الربيع العربي” مقابل مليون جنيه إسترليني- هذا العرض السخي الذي تعدد في حياة الصحافي هيكل لم يحلم به صحافي مغربي ولو لمرة واحدة منذ ميلاد الصحافة الوطنية- وبالفعل بدأ الصحافي حسنين هيكل في جمع مادته الأساسية بزيارة لبنان للحصول على وثائق يؤكد بها روايته للحوادث العاصفة التي جرت، كما يخبرنا تلميذه الصحافي عبد الله السناوي في كتابه “أحاديث برقاش”: “أثناء تلك الزيارة، ظنّ الإعلام العربي كله أنه قدم إلى بيروت للتوفيق بين الفرقاء اللبنانيين حيث التقى رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس المجلس النيابي وقادة التيارات والأحزاب الرئيسية بلا استثناء تقريباً”.. هذا صدى لزيارة واحدة للصحافي هيكل للبنان، لو لم ينهكه المرض ويتراجع عن المشروع وزار معظم الدول العربية والتقى رؤساءها وملوكها وكافة الفرقاء السياسيين بها، لقيل إن هيكل يقيم الوحدة العربية!

محمد حسنين هيكل فرادة استثنائية وظاهرة غريبة أن تحدث في حقل الصحافة العربية، اكتسب شهرة رئيس تحرير صحيفة “الأهرام” المصرية، التي تحولت إلى “نيويورك تايمز” العالم العربي، ظل معلقاً سياسياً عميقا وصحافياً متميزاً لأكثر من سبعين عاما، حاول أن يقربه الملك فاروق منه ورأى فيه جمال عبد الناصر شعلة متقدة من الفكر والثقافة والنباهة الصحافية، وخشي أنوار السادات كتاباته النارية فسجنه عام 1981 بعد أن ورثه مع النظام القومي، وحين كان يتقرب منه محمد السيسي وهو في آخر العمر، خاطبه قائلا: “أنت لا تملك لي سوى أن تأمر بجنازة عسكرية، وأنا لا أريد مثل هذه الجنازات”، وامتلك الجرأة ليتدخل لدى الرئيس لإطلاق سراح المحتجين الذين تم اعتقالهم غداة الربيع العربي..

صادق حسنين هيكل كبار زعماء العالم من جواهر لال نهرو وغيفارا إلى فرانسوا ميتران وهنري كيسنجر.. عدا كبار الصحافيين المؤثرين في معظم الصحف الدولية.. وخلف كتبا مليئة بالأسرار والوثائق لولاها ما كنا عرفنا شيئا عن مرحلة حرجة من التاريخ العربي، حيث جسد المعنى الحقيقي لكون الصحافي هو أول من يكتب المسودة الأولى للتاريخ، وظل يردد “الصحافة هي في صميمها تاريخ تحت الصنع”، وهيكل هو الذي كتب خطاب التنحِّي لعبد الناصر بعد هزيمة يونيو 1967، والصحافي الوحيد الذي كان في غرفة جمال عبد الناصر لحظة وفاته وهو من كتب بيان وفاته الذي تلاه أنور السادات، وهو من خط تقرير التكليف الإستراتيجي لحرب أكتوبر 1973 للرئيس المغتال واعتذر عن قبول منصب مستشار للسادات قبل أن يختلف معه فيسجنه، بل إن أنيس منصور كتب يقول: “كان مفكّر عبد الناصر، وصاغ الفكر السياسي له في هذه الفترة، ولم يحصل أي شخص على هذا الدور، وأكاد أقول إن عبد الناصر من اختراع هيكل”.

 

هل وصل أي صحافي مغربي إلى مقام محمد حسنين هيكل في قربه من صناعة القرار السياسي، كمحاور وكمقترح بل كمساهم في صياغات القرارات الكبرى والمصيرية لوطنه بما يسديه من رأي ومشورة؟ هل وجد لدينا يوما صوت واحد في دائرة القرار يقدر الصحافي المغربي بدل الأجنبي، ويحترم استقلاليته ويقدر ذكاءه خارج الاستعمال البئيس والتوجيه المخدوم؟

لدينا سلطة سياسية لا تثق في الصحافي وتنظر إليه كمعارض معرقل أو كقنّ وخادم، فالسلطة لدينا لم تؤمن بالصحافة المغربية أبدا، وظلت دوما ترى فيها سذاجة أو تحريضا.. من هنا العلاقة المتوترة للصحافة مع السلطة التي لا تؤمن إلا بالمخدومية، إذ حتى الصحافيون الذي ناصروا النظام السياسي من الذين كانوا متمكنين من اللغة الصحافية ويفهمون اللعبة السياسية، والذين مهما اختلفت معهم تحترم ذكاءهم الصحافي، لم يكونوا غير أقنان لدى السلطة، والشريف منهم كان موظفا مسؤولا في قطاع الإعلام أو في المؤسسات الإعلامية للدولة يخدم إستراتيجيتها ويروج خطابها، وإن تجرأ قليلا للرفع من قيمة المهنية في هذا القطاع الحيوي يتم تهميشه وغلق البرنامج الذي كان يشرف عليه، ويغنينا ما كتبه الصحافي الصديق معنينو في سلسلة مذكراته “مغرب زمان” للوقوف على وضع الصحافي في مؤسسات الدولة حيث لا يتم الاتصال بالصحافي الذي يحاول أن يكون استثناء سوى لتأنيبه وتجريحه وتهديده.. في حين تمتع محمد حسنين هيكل بقوة شخصيته وحافظ على استقلالية كبرى اتجاه مربع القرار حتى وهو يلعب على حدود الخبر مع الأجهزة السرية للدولة في بعديها الأمني والعسكري، التي تميل للكتمان والحجب والتستر.

الأمر يتعلق إذن ببنية ثقافية وسياسية لا تسمح بهيمنة الصحافي ولا برجاحة مشورته ولا بمشاركته المعلومة، لا يوجد صحافي مستقل نجح في أن تأتمنه السلطة السياسية وتثق برأيه وتحفظ له وضعه الاعتباري كصحافي.. على خلاف حسنين هيكل الذي كان يتوفر على سبق المعلومة حين كانت مصر أم الدنيا تصنع التاريخ والحدث السياسي في بعده الكوني والقومي والوطني بكل انتصاراته وانكساراته، متروبول الصناعة الإعلامية ومركز الإنتاج الثقافي والفكري والفني العربي، وقد اشترك في غبن موقع الصحافي كل من السلطة السياسية وسائر المؤسسات الرسمية وكذلك المؤسسات المضادة، خاصة الأحزاب الوطنية.

تبعية الإعلامي كما الثقافي للسياسي

في الجزء السادس من “مواقف” يحكي المفكر الراحل محمد عابد الجابري واقعة لها دلالتها، حين كان صحافيا بجريدة “العلم”، يقول في ص 22: “في ذلك الوقت زارنا السي المهدي- يقصد بن بركة- في جريدة “العلم”، وقصدني بالكلام فقال: أنت غدا تكون في الساعة كذا.. أمام مكان كذا.. وسيمر عليك بنهيمة.. لتذهب معه إلى طريق الوحدة (…) انطلقت بنا السيارة إلى طريق الوحدة، ولما وصلنا هالني أن وجدت السي المهدي هناك… وبفضول صحافي طفولي قلت له: “أريد أن أجري معك استجوابا صحافيا”، قطب حاجبيه الغليظين ونظر إلي مستفسرا: “هل أنت مغربي أم أجنبي؟ الاستجواب الصحافي يكون مع الأجانب ليتكلموا عنا إلى بلدانهم، أما أنت فيجب أن تلبس لباس الشغل أولا وتذهب إلى فرق المتطوعين وتكتب عنهم وعن عملهم.. وسأقرأ في “العلم” ما ستكتب، اذهب إذن”.

تلخص هذه الحكاية العطب الكبير الذي ارتبط بالصحافة الوطنية، فنحن أمام هرمين: المهدي بن بركة السياسي المناضل والمنظر الذي كان يريد بناء مغرب جديد، ومحمد عابد الجابري الصحافي بجريدة حزبية كبرى، فبن بركة هو من حدد للصحافي الجابري وظيفته عبر أفعال الأمر: “أنت ستكون في الساعة كذا.. في المكان كذا.. اذهب الآن..” وحين بادر الصحافي لمحاولة القيام بواجبه بطلب حوار مع مبدع طريق الوحدة، غضب الزعيم السياسي الذي هو في ذات الآن مدير جريدة “العلم” (قطب حاجبيه الغليظين)، وأملى على الصحافي ما يجب أن يقوم به، والتمييز الذي يعتبر عقدة تاريخية لدى السياسيين المغاربة، كون الصحافة الأجنبية أسمى من الصحافة الوطنية!

لقد ظلت الصحافة في المغرب كما الثقافة مجرد عربة في قاطرة السياسي، لم يكن الصحافي المغربي مستقلا يوما، يكتب ما تمليه عليه وظيفته في الإخبار والإنباء ويحلل من زاويته الخاصة وبخلفيته المعرفية الأحداث والوقائع، وكلما حاول ذلك كان يجد نفسه مهمشا أو في مواجهة مباشرة مع الأسلاك الكهربائية العالية الضغط، فالسياسي هو الذي ظل يحدد للصحافي حقله الخاص، وما يجب أن يكتب وما لا يجب.

بالأمس كانت الصحافة الحزبية المعارضة ذاتها تمتثل لسلطة الأب الزعيم، وكانت السلطة ترسل إشاراتها إلى الصحافة عبر الزعيم الذي يتدخل في تنظيم الصحافة، في أحد استجواباته بيومية “المساء”، يحكي الزميل عبد الكريم الأمراني أن عبد الرحيم بوعبيد توصل بمعلومات من جهات عليا تفيد استهداف حياة محمد البريني، الذي تحمل مسؤولية نشر “رسائل باريس” لمحمد باهي حول “آيات شيطانية” للكاتب الإيراني الذي أهدر الخميني دمه، في يومية “الاتحاد الاشتراكي”، وحُلّ الأمر بدون ضجيج.. مما يعني أنه كان هناك حوار وتواصل بين السياسيين في المعارضة والسلطة السياسية في قضايا محض صحافية.

إضافة إلى ذلك أن أغلب الصحافيين المغاربة جاؤوا من حقول الثقافة والفكر والإبداع إلى الصحافة من قاسم الزهيري، عبد الكريم غلاب، عبد الجبار السحيمي ومحمد عابد الجابري حتى أحمد المديني، إدريس الخوري ومحمد الأشعري… وجل الصحافيين قدموا من مؤسسات حزبية والقلة منهم أتت من معاهد الصحافة، أي أنهم كانوا يعملون في أغلبهم ضمن المؤسسات المضادة في الصحافة الحزبية، ونتذكر أن النقابة الوطنية للصحافة ظل يتناوب عليها الزعماء الكبار من قادة الأحزاب السياسية: عبد الكريم غلاب، علي يعتة، محمد اليازغي… بدل الصحافيين.

ثمة استثناء وحيد في حقل الصحافة المغربية كان يمكن أن يكون بحجم حسنين هيكل، هو الراحل محمد باهي بتكوين فكري عصامي ونباهة سياسية عميقة وحدس صحافي بلا حدود، غير أن أفقه كان في دائرة المحيط الإقليمي الضيق، ولم يكن في قلب المعلومة ولا مقربا من صناعها سوى في بداياته إثر علاقته بقادة جيش التحرير بالصحراء ثم بالمعارضة الاتحادية الراديكالية وقادة جبهة التحرير الوطني بالجزائر.. لقد كانت “رسالة باريس” استثناء صحافيا مغربيا وباهيا أيضا..

محمد حسنين هيكل استثناء عربي أشبه ببيضة الديك

أما محمد حسنين هيكل الذي لا يعرف الكثيرون أنه لم يلج لا معهدا ولا جامعة، وأنه كون نفسه بنفسه وتعلم اللغتين الفرنسية والانجليزية بمجهود شخصي، فقُيد له أن يكون في قلب الأحداث الكونية بالأسرار والمعلومات التي وصل إليها وبتحليلاته العميقة، عمل بالصحافة عام 1942 بجريدة “الايجيبشيان جازيت” كمحرر تحت التمرين بقسم الحوادث ثم انتقل إلى القسم الألماني، شارك في تغطية بعض المعارك التي خلفتها الحرب العالمية الثانية والتقى لأول مرة بجمال عبد الناصر في جبهة الحرب بفلسطين، ثم انتقل إلى مجلة “آخر ساعة” عام 1945 كمحرر، ثم مراسلا متجولا لجريدة “أخبار اليوم” حيث طاف بقاع العالم، وصل إلى الشرق الأوسط والشرق الأقصى وكوريا وزار معظم دول إفريقيا وأوربا، وعام 1951 تولى منصب رئيس تحرير مجلة “آخر ساعة” ومدير تحرير “أخبار اليوم” في آن، ثم عين رئيس تحرير “الأهرام” التي استمر فيها لمدة 17 عاما وكان له عمود أسبوعي تحت عنوان “بصراحة”…

نجح هيكل في أن ينقل جريدة “الأهرام” إلى مصاف أكبر عشر صحف في العالم، هذا عدا تأسيس العديد من مراكز الدراسات السياسية والإستراتيجية ومركز الدراسات الصحافية ومركز توثيق تاريخ مصر المعاصر.. وخلف وراءه أحد عشر كتاباً في مجال النشر الدولي ترجمت جلها إلى لغات عديدة، لذلك كانت جامعة “كامبريدج” البريطانية محقة عندما وصفته ب”الأسطورة الحية التي تمشي على قدمين”، وقدمه وزير الشؤون الخارجية البريطانية في حكومة أنتوني إيدن في 14 ديسمبر 1978 قائلا: “عندما كان حسنين هيكل قرب القمة كان الكل يهتمون بما يعرفه… وعندما ابتعد عن القمة تحول اهتمام الكل إلى ما يفكر فيه؟”

حريتنا هشة ومعطوبة وصحافيونا بأفق محلي لا كوني

لا يحدد المجتمع بشكل دقيق الهوية الصحافية ووظائف الصحافي، هناك نوع من الالتباس والغموض المتعمد ترك بياضاته بدون غوص في التفاصيل التي يكمن فيها الشيطان، وهو ما ينعكس في شكل تصور الصحافي لماهيته ووظائفه، فليس هناك وضع اعتباري متميز للصحافي وسط المجتمع، وواقعه المادي مأساوي وعلاقته بباقي الفاعلين انتفاعية أو ذيلية، وهو لدى البعض مناضل جريء بحكم الانتماء إلى مهنة المتاعب ويوجد في خطوط تماس حارق مع السلطة، وهو ما أنتج نوعا من الوهم، جسده شيخ الصحافيين الراحل مصطفى العلوي، حين قال: “لقد تعود القارئ المغربي عادات سيئة، فالخبر الذي لا يدخلك للسجن ليس خبرا”!

إذن فنسقنا الثقافي وبنياتنا الاجتماعية لا تسمح بأي وضع اعتباري متميز لكل الفاعلين في الحقل الرمزي ولا بالاستقلال أو تفرد، والصحافي المتميز بيننا لن تجد شيئا ملفتا في مسار حياته، باستثناء محمد باهي، ولا تستطيع حتى أن ترسم له بروفايلا مليئا بالأحداث الاستثنائية.. هناك بعد آخر وهو أن جل الصحافيين المغاربة لم يتجاوزوا الكتابة حدود المغرب وقضاياه، ولم يفهم أحد منا أن القضايا الدولية والسياسة الخارجية هي المحدد الأول للقرارات السياسية في الداخل، والصحافي المغربي خجول ويصاب بالفوبيا حين يفرض عليه الحديث في التحولات الدولية الكبرى، ويحس كما لو أنه غير معني بالتفكير في خبايا اللعبة السياسة كلما تجاوزت حدود وطنه، ولا أتكلم عن المحللين الذين يقدمون خدمة للأجهزة، وإنما عن الصحافيين المستقلين.. ويعتبر محمد باهي ومصطفى العلوي وعبد الكبير العلوي الإسماعيلي ومحمد الأشهب استثناء في هذا الباب.

فوق هذا تعتبر مساحة حرية التعبير المسموح بها في المغرب مشكلا جوهريا لا يسمح أبدا بتميز صحافيينا ولا في إبراز نباهتهم، فبالأحرى أن نشتهي أن يصبح واحدا منهم محمد حسنين هيكل المغرب.

عبد العزيز كوكاس

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: