كي لا تغرق السفينة البشرية

أكادير24 | Agadir24

على ضوء وظلام ما يشهده العالم اليوم من جهل وفقر وأمراض وأمية واقتتال وفشل السياسيين في مواجهة الكوارث والحرب الشرسة المباغتة الحالية التي شنها فيروس كورونا، العدو الذي لا يستثني أحدا وفي نيته الواضحة الاستمرار في حصد أرواح البشر والسعي الحثيث وراء لإبادة البشرية والقضاء على الحياة التي تتغير باستمرار والتي ما يزال البشر يجهلون معناها، فأمام هذا الوضع الكئيب، فإنه من الضروري ومن واجب كل واحد أن يتحمل المسؤولية ويدرك بكل قواه أن الجميع على سفينة واحدة، فإما أن يسلموا جميعا وإما أن يهلكوا جميعا فتنطفأ شموعهم إلى الأبد.

هذا الواقع المرير الذي لا مفر منه يحتم على الاجتماع البشري كثيرا من التعقل والحكمة واعتماد الأساليب والمنهجيات العلمية التي يتبعها العلماء والخبراء والمفكرون والمهتمون بصدق بمصير البشرية وسعادتها، إما فرادى أو جماعة سواء في الجامعات والمعاهد والمراكز العلمية المختلفة أو في أي مكان آخر بهدف واحد وهو التدبير الذكي للحياة على هذا الكوكب وفي أي مكان آخر في الكون الفسيح الذي قد تستعمره البشرية في المستقبل.

إن التمتع بثمرات الحفاظ على الحياة وتقدمها تستوجب الإيمان الصادق والحقيقي بأن البشرية هي جسم واحد ونظام واحد واعتبار كل واحد من بني البشر، ذكرا كان أو أنثى، عنصرا وعضوا(مثل خلايا أجسامنا) كامل العضوية في الجسم البشري بمن فيهم ‘تأبط شرا و’إبا ماماسة’.

جسم البشرية هذا، يشبه جسم الإنسان الذي تعمل أعضاءه وخلاياه، التي قدرها العلماء بما يزيد عن 37,2 ترليون، بانسجام محكم لتؤدي وظائفها والمساهمة في العناية بالجسم والسهر عليه، على أن جسم الإنسان الفردي مبرمج في تكوينه للسير نحو لقاء حتفه، من التراب إلى التراب، كما تعلم الأديان، وورد في القرآن، الذي يعتبره المسلمون كلام الله، بأن: “كل نفس ذائقة الموت”. وقد جسدت ‘ملحمة جلجامش’ هذه الحقيقة التي لا مناص منها منذ آلاف السنين قبل الميلاد، فخلود جسم الإنسان، ككائن حي، غير وارد وقد تقبل الإنسان جلجامش حتمية زواله على مضض واستمر في البناء والعيش إلى يوم مماته وخلوده هو عمله المشاهد، ومع ذلك لم يفقد الإنسان الأمل في النجاة بجسمه حتى اللحظة.

وبالنظر إلى الجسم البشري كوحدة ونظام يجتمع فيه جميع الأفراد والأشخاص (البشرية مجموعة)، فإنه بالرغم من التهديدات المتربصة به من كل الأشكال والأنواع، سواء من قبل الطبيعة والكوارث التي يتعرض لها باستمرار، أو من قبل حماقة وأخطاء بعض أعضاءه (الحروب المدمرة التي يخوضها)، فالوضع مختلف في وجه، فالجسم البشري (هومو سبيان) مستمر في الوجود منذ ظهوره على الأرض، وبقاء هذا الجسم على قيد الحياة لا ينذر ولا يوحي بالزوال مثل جسم الإنسان الفرد المحكوم عليه بالفناء عدا إذا اكتشفت الأبحاث العلمية أن سكان الأرض انقرضوا مرة وعادت بهم الحياة إلى ما هي عليها اليوم. فالاستمرار في الوجود هو القاعدة.

فجسم الإنسان، كما تقدم، والإنسان الفرد، لا يمكن أن يحلم بالبقاء، والخلود، فذلك أمر مفروغ منه، وقد اقتنع به كل واحد منا، ربما على مضض، لكن دون طموح الكثيرين من الذين يعتقدون أن الإنسان مركز الكون. فليس لأحد من يقين ولا من صحة تصور مآل جسم البشرية ومصيره، فيقين زوال الإنسان كفرد وكجسم حقيقة قد أدركها الإنسان البدائي حتى قبل ‘جلجامش’.

طبعا، إن اليقين باستمرار البشرية في الوجود كجسم لا يستند على علم ولا هو من الحقائق الثابتة عند العلماء، نظرا للتهديدات الطبيعية والحماقات الإنسانية من كل نوع والمخفي من المغيرات والاحتمالات أعظم، كما تقدم ذكره.

الجميع يشهد باستمرار وجود البشرية منذ ظهورها والعلماء الحقيقيون يعملون ويجهدون على استمرار هذا الوجود، إن على الأرض أو على غيرها من الكواكب في مجرتنا أو في غيرها. ضمان البقاء والحياة الأبدية للبشرية ليست وهما في مخيلة العلماء، لأن طبيعة الحياة نفسها مبنية على الصراع والعمل من أجل الحفاظ على البقاء وهذا بالرغم من دكا دكا، والجبال المنفوشة، والحروب السابقة والقائمة وللاحقة، وقنابل ناكازاكي وهيروشيما، وشيرنوبل، وثري مايل أيلاند، وكوارث غابة الأمزون، والعبث بالبيئة والمناخ، وإيحاءات أنبياء التشاؤم التي لا دليل عليها، فتجنيد العلماء والباحثين للحد من العواقب السيئة والتأقلم مع ظروف البيئة تستوجب من الأفراد(رغم مصير الفناء) المساندة المادية وتوفير جميع المستلزمات وظروف العمل التي تليق بنبل عملهم من أجل بقاء وحياة الجسم البشري  ككل.

يستوجب هذا التجنيد أيضا نفض غبار الجهل وثقل حمل الخرافات والأساطير والتفاهات من كل نوع، والوعود الزائفة، وظلم المستبدين والديماغوجيين، وخزعبلات الأديان، ونوايا أعداء البشرية، والتعالي على الغير، والتقليل من شأن العنصر الأنثوي، مع الثقة غير العمياء في عمل ما ينورنا به العلماء والباحثون من المعارف والاكتشافات التي تنصب على الحفاظ على بقائنا جميعا كجسم واحد ولولا أعمال العلماء لما استطاع البشر التعرف على كورونا وغيره من الكائنات الأخرى النافعة والمضرة منها.

فالواقع المعاش إذن، يحتم أن يجند كل واحد نفسه بصدق لدعم العلماء للدفاع عن مصلحة وسلامة الجسم البشري الذي ينتمي إليه كل واحد منا كعضو كامل فيه حسب استطاعته وقدراته المادية والعقلية، وهكذا يمكن إنقاذ السفينة البشرية، وللقراء واسع النظر.

الدكتور عبد الغاني بوشوار

اكادير، المغرب الآمن

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: