في ذاكرة كأس العالم، كانت الكرة دائماً جزءاً من الحكاية: لونها، اسمها، مسارها في الهواء، والجدل الذي تثيره بين اللاعبين والجماهير. أما في مونديال 2026، فإن الكرة الرسمية لن تكتفي بأن تُركل أو تهز الشباك؛ بل ستسجل الحركة، وتحدد لحظة اللمسة، وترسل بياناتها إلى غرفة حكم الفيديو في الوقت الحقيقي.
- كرة تحمل شريحة تقرأ الحركة 500 مرة في الثانية
- من “الرحلة” في قطر إلى “تريوندا” في أمريكا الشمالية
- لماذا سميت “تريوندا”؟
- كيف تتحول الكرة إلى شاهد على لقطة مثيرة للجدل؟
- الكرة داخل شبكة أكبر من الذكاء الاصطناعي
- ماذا يمكن أن تعرفه الكرة عن المباراة؟
- هل ستنهي الكرة الذكية الجدل التحكيمي؟
- ماذا يعني هذا للمغرب في المونديال؟
- ليست كرة تراقب اللاعبين.. بل كرة توثق الحدث
إنها كرة “تريوندا” TRIONDA، التي كشفت عنها “فيفا” و“أديداس” باعتبارها الكرة الرسمية لمونديال الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ومن الخارج، تحمل الكرة ألوان الدول المضيفة الثلاث ورموزها: ورقة القيقب الكندية، والنسر المكسيكي، والنجمة الأمريكية. لكن قصتها الحقيقية لا توجد على السطح وحده، بل داخل طبقة صغيرة من إحدى لوحاتها الأربع، حيث تستقر شريحة تجعل من الكرة مصدراً مباشراً للبيانات.
هذه ليست مبالغة دعائية، ولا حديثاً عن كرة تتخذ القرارات بدل الحكام. المقصود أن نسخة المباريات الرسمية من “تريوندا” ستعمل داخل منظومة تحكيمية رقمية متكاملة، بحيث توفر معلومة كان الوصول إليها في السابق يحتاج إلى الإعادة البطيئة وتقدير العين البشرية: متى لُمست الكرة تحديداً؟ ومن لمسها؟ وما هي لحظة تمريرها في لقطة تسلل لا تفصل فيها سوى أجزاء ضئيلة من الثانية؟
كرة تحمل شريحة تقرأ الحركة 500 مرة في الثانية
وفق المعطيات الرسمية لـ“أديداس” و“فيفا”، تتضمن كرات المباريات من “تريوندا” مستشعراً للحركة من نوع IMU، يعمل بتردد 500 هرتز، أي إنه يلتقط بيانات حركة الكرة 500 مرة في الثانية الواحدة.
ولفهم أهمية هذا الرقم، يكفي التفكير في لقطة تسلل شديدة التعقيد: مهاجم ينطلق على خط المدافع في اللحظة نفسها تقريباً التي يمرر فيها زميله الكرة. هنا لا يكفي أن تعرف أين كان المهاجم، بل يجب أولاً تحديد اللحظة الدقيقة التي غادرت فيها الكرة قدم الممرر. كلما كانت لحظة اللمس أدق، صار رسم خط التسلل أقرب إلى الحقيقة وأقل اعتماداً على اختيار إطار بصري قد يسبق اللمسة أو يتأخر عنها.
وترسل الشريحة بيانات الكرة إلى نظام حكم الفيديو المساعد VAR في الزمن الحقيقي. وعندما تُدمج هذه البيانات مع معلومات مواقع اللاعبين وتُحلل بمساعدة الذكاء الاصطناعي، يحصل الحكام على دعم تقني أسرع لتقييم حالات التسلل الضيقة.
لكن النظام لا يلغي الحكم. فالبيانات تقترح وتوضح وتختصر زمن المراجعة، بينما يظل التحقق من القرار واعتماده من اختصاص حكام الفيديو وحكم المباراة. بمعنى آخر، الكرة لا تطلق صافرة ولا تلغي هدفاً؛ إنها تمنح الحكام دليلاً رقمياً أكثر دقة في لحظة شديدة الحساسية.
من “الرحلة” في قطر إلى “تريوندا” في أمريكا الشمالية
ليست “تريوندا” أول كرة ذكية تدخل كأس العالم. ففي مونديال قطر 2022، ظهرت كرة “الرحلة” Al Rihla كأول كرة رسمية لكأس العالم تتضمن تقنية الكرة المتصلة، وكان المستشعر مثبتاً في مركز الكرة عبر نظام تعليق داخلي.
وقد استُخدمت بيانات “الرحلة” ضمن تقنية التسلل شبه الآلي، التي اعتمدت على كاميرات تتبع اللاعبين وعلى بيانات الكرة لتحديد لحظة التمرير بدقة، ثم إنتاج تنبيه يساعد حكام الفيديو على مراجعة التسلل في ثوانٍ قليلة.
لكن الجديد في “تريوندا” هو تطوير مكان وتركيب الشريحة. فبدلاً من وجود المستشعر في وسط الكرة مع نظام تعليق، وضعت “أديداس” الشريحة هذه المرة داخل طبقة مخصصة في إحدى اللوحات الأربع للكرة، مع إضافة موازنات في اللوحات الثلاث الأخرى لضمان بقاء الكرة متوازنة ومستقرة في الطيران.
وهذا التفصيل التقني مهم، لأن أكبر تحدٍ أمام أي كرة تحتوي على إلكترونيات هو ألا يشعر اللاعب بأنها مختلفة، أو أن تؤثر الشريحة على اتجاه التسديدات والتمريرات. ولذلك لم يكن الهدف فقط جمع البيانات، بل الحفاظ على خصائص الكرة الرياضية نفسها: التوازن، والثبات في الهواء، والإحساس الطبيعي عند اللمس والتسديد.
لماذا سميت “تريوندا”؟
اسم الكرة يجمع بين كلمتين: Tri التي تحيل إلى الدول الثلاث المضيفة، وOnda التي تعني “الموجة” بالإسبانية، ليصبح معنى الاسم قريباً من “الموجات الثلاث”.
ويظهر هذا المعنى في تصميم الكرة، الذي يجمع الأحمر والأخضر والأزرق، في إحالة إلى كندا والمكسيك والولايات المتحدة، مع خطوط متموجة تتقاطع في مركز كل لوحة لتجسد استضافة مشتركة غير مسبوقة للمونديال بين ثلاث دول.
أما من الناحية الرياضية، فتتكون الكرة من أربع لوحات فقط، بتصميم جديد يتضمن درزات عميقة وخطوطاً ونقوشاً بارزة. وتقول “أديداس” إن هذه العناصر صُممت لتحقيق توزيع متوازن لمقاومة الهواء وتعزيز استقرار الكرة أثناء الطيران، إلى جانب تحسين التماسك عند التسديد أو المراوغة في الظروف الرطبة.
كيف تتحول الكرة إلى شاهد على لقطة مثيرة للجدل؟
القيمة الحقيقية للكرة الذكية تظهر في اللقطات التي كانت تفتح في السابق باباً واسعاً للاجتهاد والاحتجاج. فحين يقع تمرير على حدود التسلل، تستطيع الشريحة المساعدة في تحديد لحظة لمس الكرة بدقة كبيرة. وحين تلامس الكرة لاعباً في لقطة مزدحمة داخل منطقة الجزاء، يمكن للبيانات أن تساعد في معرفة وقوع اللمسة وتوقيتها.
وأكدت “أديداس” أن تقنية “تريوندا” قادرة على مساعدة حكام المباراة في التعرف على كل لمسة منفردة للكرة، بما يقلل الوقت المستغرق في حسم بعض الحالات، ومنها الاشتباه في لمسة اليد.
وهنا يجب التمييز بين إثبات حدوث اللمسة وبين الحكم عليها. فالشريحة قد تساعد في تأكيد أن الكرة لمست يد لاعب أو قدمه، لكن اعتبار اللمسة مخالفة من عدمه يرتبط بقانون اللعبة وبعوامل أخرى مثل وضعية اليد وطبيعة الحركة وقرار الحكم.
والأمر نفسه ينسحب على التسلل. الكرة توفر لحظة اللعب الدقيقة، وأنظمة التتبع توفر مواقع اللاعبين، والذكاء الاصطناعي يساعد في تركيب الصورة؛ لكن اعتماد القرار يمر عبر الحكام.
الكرة داخل شبكة أكبر من الذكاء الاصطناعي
لا تدخل “تريوندا” إلى مونديال 2026 منفردة. فالبطولة نفسها ستشهد توسعاً في استعمال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بعدما أعلنت “فيفا” و“لينوفو” إطلاق ابتكارات جديدة، بينها Football AI Pro، ونماذج ثلاثية الأبعاد دقيقة للاعبين، وتطوير صور كاميرا الحكم.
وسيخضع اللاعبون المشاركون في كأس العالم لمسح رقمي يسمح بإنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد دقيقة لأجسامهم، في خطوة تستهدف تحسين تعقب اللاعبين خلال حركاتهم السريعة أو عندما تحجبهم أجسام أخرى داخل اللقطة. وستُستخدم هذه النماذج لتحسين عرض قرارات التسلل على الجماهير بصورة أكثر واقعية ووضوحاً.
وهكذا تصبح لقطة التسلل في مونديال 2026 نتيجة تفاعل ثلاث طبقات من المعلومات: الكرة تحدد لحظة اللمسة، وأنظمة التتبع والنماذج الثلاثية الأبعاد تحدد وضعية اللاعب، والذكاء الاصطناعي يساهم في تسريع التحليل وتقديم الصورة إلى الحكام والجمهور.
أما أداة Football AI Pro، فتخص تحليل المباريات لصالح المنتخبات الـ48 قبل المباريات وبعدها، ولا يسمح باستعمالها أثناء اللعب. وهذا التوضيح مهم حتى لا تختلط تقنيات مساعدة الحكام المباشرة بالأدوات التحليلية التي تستفيد منها المنتخبات خارج زمن المباراة.
ماذا يمكن أن تعرفه الكرة عن المباراة؟
التوظيف الأساسي المعلن لـ“تريوندا” في مونديال 2026 يرتبط بدعم الحكام، خصوصاً في قرارات التسلل وبعض اللمسات المشكوك فيها. غير أن تقنية الكرة المتصلة أثبتت في مسابقات سابقة قدرتها على إنتاج بيانات أوسع.
فخلال كأس العالم للسيدات 2023، أوضحت “فيفا” أن الكرة المتصلة أتاحت قياس مؤشرات مثل سرعة وقوة التسديدة، وعدد دورات الكرة في الثانية، والمسافة التي سددت منها الكرة نحو المرمى، إلى جانب تتبع مدة مراوغة اللاعب بالكرة.
ولا يعني ذلك تلقائياً أن كل هذه المؤشرات ستعرض بالطريقة نفسها في مونديال 2026، لأن “فيفا” لم تعلن، في تفاصيل إطلاق “تريوندا”، برنامجاً كاملاً لنشر هذه البيانات للجمهور. لكن التجربة السابقة تكشف أن الكرة لم تعد أداة للتحكيم فقط، بل يمكن أن تصبح مصدراً للإحصاء والتحليل والسرد التلفزيوني أيضاً.
قد يشاهد الجمهور، مثلاً، هدفاً رائعاً ثم لا يكتفي بالإعادة؛ بل يعرف سرعة التسديدة، ودوران الكرة، والمسافة التي قطعتها، وربما تفاصيل اللمسة التي سبقت الهدف. وفي هذه النقطة تحديداً، تنتقل كرة القدم من رواية اللقطة بالعين وحدها إلى قراءتها بالأرقام أيضاً.
هل ستنهي الكرة الذكية الجدل التحكيمي؟
الجواب الواقعي هو: لا. التكنولوجيا قد تقلل الأخطاء في الوقائع القابلة للقياس، لكنها لا تستطيع إنهاء كل نقاش في كرة القدم.
في التسلل، يمكن للبيانات أن تجعل لحظة التمرير أكثر دقة وخطوط القرار أكثر ثباتاً. وفي حالات اللمس، يمكن للشريحة أن تساعد على إثبات وقوع تماس مع الكرة. لكن لقطات كثيرة ستظل مرتبطة بتقدير الحكم: هل كانت لمسة اليد متعمدة أو تستوجب المخالفة؟ هل حدث دفع كافٍ لاحتساب ركلة جزاء؟ هل يستحق التدخل بطاقة؟
ثم إن الاعتماد المتزايد على البيانات يطرح سؤالاً آخر: هل سيقتنع الجمهور أكثر بالقرار حين يرى أرقاماً ورسماً ثلاثي الأبعاد، أم سيشعر بأن كرة القدم أصبحت محكومة بشاشات وشيفرات لا يفهمها الجميع؟
“فيفا” تقدم هذه التقنيات باعتبارها أدوات لدعم الحكم وجعل القرار أسرع وأكثر دقة ووضوحاً. غير أن نجاحها الحقيقي لن يقاس فقط بعدد القرارات الصحيحة، بل بقدرتها على شرح القرار للمشاهد دون أن تفقد اللعبة إيقاعها أو إنسانيتها.
ماذا يعني هذا للمغرب في المونديال؟
بالنسبة للمنتخب المغربي، الذي يدخل كأس العالم 2026 بطموحات كبيرة بعد إنجاز قطر، فإن “تريوندا” ستكون جزءاً من كل مباراة يخوضها “أسود الأطلس”، بدءاً من مواجهات دور المجموعات.
وقد يجد الجمهور المغربي نفسه أمام لقطات حاسمة تُفصل ببيانات الكرة: هدف يُحتسب بعد مراجعة لحظة تمرير دقيقة، أو تسلل يُلغى بفارق ضئيل، أو لمسة داخل منطقة الجزاء تحتاج إلى تحديد ما إذا كانت الكرة قد لامست اللاعب بالفعل.
في مونديال قطر، عاش المغاربة لحظات صنعتها أقدام اللاعبين وقرارات الحكام وضغط المباريات. وفي نسخة 2026، سيضاف إلى كل ذلك طرف جديد لا يظهر في الصورة كثيراً، لكنه سيكون حاضراً داخلها طوال الوقت: كرة تعرف متى لُمست، وكيف تحركت، وإلى أي نظام أرسلت روايتها الرقمية عن اللقطة.
ليست كرة تراقب اللاعبين.. بل كرة توثق الحدث
قد يبدو وصف الكرة بأنها “ذكية” مثيراً للقلق عند البعض، وكأنها جهاز مراقبة يدور في الملعب. لكن ما أعلن رسمياً يرتبط بحركة الكرة ولمساتها داخل سياق المباراة، وليس بجمع معلومات شخصية عن اللاعبين أو الجماهير.
إنها، ببساطة، كرة أصبحت قادرة على توثيق ما يحدث لها: ركلة، تمريرة، لمسة، انحراف، أو لحظة بدء هجمة قد تنتهي بهدف أو قرار تسلل. وهذا التحول يكشف إلى أي حد تغيرت كرة القدم الحديثة؛ فالشيء الوحيد الذي كان يُنظر إليه بوصفه أبسط عناصر اللعبة، أصبح اليوم جزءاً من بنيتها الرقمية الأكثر حساسية.
في مونديال 2026، لن تكون “تريوندا” مجرد كرة جميلة تحمل ألوان ثلاث دول. ستكون الشاهد الأقرب إلى اللمسة، والمصدر الأسرع للبيانات، وأحد العناصر التي قد تحسم لحظات يتوقف عندها حلم منتخب كامل.
فالكرة التي كانت في الماضي تُسأل فقط: هل دخلت الشباك؟ ستُسأل هذه المرة أيضاً: متى لُمست؟ ومن لمسها؟ وماذا تقول البيانات؟
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله