في وقت ما يزال فيه العالم حساساً تجاه أي خبر يرتبط بفيروسات متنقلة عبر الحدود، أعادت حالات الهانتا المرتبطة بسفينة سياحية في المحيط الأطلسي سؤال السلامة الصحية في الرحلات البحرية إلى الواجهة. غير أن الرسالة الأبرز من منظمة الصحة العالمية كانت واضحة: الحادث خطير ويحتاج تنسيقاً دولياً، لكنه لا يشبه كوفيد-19 ولا يشكل، وفق التقييم الحالي، خطراً واسعاً على عامة السكان.
ثماني حالات وثلاث وفيات حتى الآن
أعلنت منظمة الصحة العالمية أن ثماني حالات أُبلغ عنها حتى 7 ماي 2026 ضمن عنقود مرضي مرتبط بسفينة الرحلات MV Hondius، من بينها ثلاث وفيات، فيما تأكدت خمس حالات مختبرياً على أنها إصابة بفيروس هانتا. وتعود أهمية الخبر إلى أن الحالات ظهرت في سياق رحلة بحرية دولية ضمت ركاباً وطاقماً من جنسيات متعددة، ما استدعى تنسيقاً بين عدة دول وهيئات صحية.
وبحسب النشرة الوبائية الأولى للمنظمة، أُبلغت منظمة الصحة العالمية يوم 2 ماي 2026 بوجود حالات التهاب تنفسي شديد على متن سفينة هولندية العلم. وكانت السفينة قد انطلقت من أوشوايا في الأرجنتين يوم 1 أبريل 2026، ضمن مسار شمل مناطق بعيدة في جنوب الأطلسي، بينها القارة القطبية الجنوبية، جورجيا الجنوبية، تريستان دا كونها، سانت هيلانة وجزيرة أسنسيون.
ما نوع الفيروس؟ ولماذا يثير القلق؟
النوع المعني في هذه الحالات هو فيروس الأنديز، وهو من فيروسات الهانتا المعروفة في أمريكا الجنوبية. وتوضح منظمة الصحة العالمية أن عدوى الهانتا تنتقل غالباً عبر ملامسة بول أو براز أو لعاب القوارض المصابة، أو عبر أسطح ملوثة بها، بينما يبقى انتقالها بين البشر نادراً ومحدوداً، وقد سُجل خصوصاً مع فيروس الأنديز في حالات اتصال قريب وطويل.
هذا التفصيل مهم صحفياً وصحياً، لأن الحديث لا يتعلق بفيروس ينتشر بسهولة عبر المخالطة العابرة مثل بعض فيروسات الجهاز التنفسي. لذلك شددت المنظمة على أن الخطر على عامة السكان منخفض، مع الإقرار بأن احتمال تسجيل حالات إضافية يبقى قائماً بسبب فترة الحضانة وطبيعة التحقيق الوبائي الجاري.
أعراض تستدعي الانتباه وليس الهلع
تبدأ أعراض متلازمة الهانتا الرئوية عادة بحمى، صداع، دوخة، قشعريرة، آلام عضلية وأعراض هضمية مثل الغثيان والقيء والإسهال أو ألم البطن. وفي بعض الحالات قد تتطور سريعاً إلى ضيق تنفس، التهاب رئوي، انخفاض في ضغط الدم أو صدمة، وهي علامات تستدعي تدخلاً طبياً عاجلاً.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الأعراض تظهر غالباً بعد أسبوعين إلى أربعة أسابيع من التعرض للفيروس، لكنها قد تظهر في وقت مبكر بعد أسبوع واحد أو تتأخر إلى ثمانية أسابيع. لذلك لا يكفي اختبار مبكر واحد دائماً لاستبعاد الخطر عند وجود أعراض أو مخالطة قريبة، بل يحتاج الأمر إلى متابعة طبية حسب تقدير السلطات الصحية.
كيف ردت منظمة الصحة العالمية؟
أكدت المنظمة أنها تنسق مع عدة دول عبر اللوائح الصحية الدولية، كما أرسلت خبيراً إلى متن السفينة لدعم التقييم الطبي الشامل للركاب والطاقم وجمع المعلومات الضرورية لتقدير خطر العدوى. كما رتبت إرسال 2500 عدة تشخيص من الأرجنتين إلى مختبرات في خمس دول لتعزيز القدرة على الفحص.
وتشمل الإجراءات أيضاً الإرشاد حول النزول الآمن والمحترم للركاب والطاقم عند وصول السفينة، والتنسيق مع الدول المعنية بعمليات العزل والرعاية والإجلاء الطبي عند الحاجة. وتوصي المنظمة الركاب والطاقم بغسل اليدين بانتظام، مراقبة الأعراض لمدة 45 يوماً، تفادي الكنس الجاف أثناء التنظيف، والتهوية الجيدة، مع عزل أي شخص تظهر عليه أعراض وإبلاغ الطاقم الطبي.
تقييم أوروبي: الخطر العام منخفض جداً
المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها قدّم بدوره تقييماً حذراً، موضحاً أن انتقال فيروس الأنديز بين البشر لا يحدث بسهولة، وأنه وثق غالباً بعد اتصال قريب وطويل. وبناء على ذلك، اعتبر المركز أن خطر انتشار الفيروس بين عامة السكان في الاتحاد الأوروبي والمنطقة الاقتصادية الأوروبية منخفض جداً، إذا تم تطبيق إجراءات الوقاية ومكافحة العدوى.
كما أوصى المركز بإجلاء الأشخاص الذين تظهر عليهم أعراض بشكل استباقي عند الحاجة، وإجراء الاختبارات التشخيصية للمرضى عند النزول، وتوفير تعليمات واضحة للمسافرين إلى حين تأكيد التشخيص أو استبعاده.
لماذا لا يشبه الأمر كوفيد-19؟
في مؤتمر صحفي، سعت منظمة الصحة العالمية إلى تهدئة المخاوف، مؤكدة أن هذا تفش مرتبط بسفينة وليس بداية وباء عالمي جديد. الفرق الأساسي أن انتقال الهانتا، خاصة فيروس الأنديز، يحتاج عادة إلى مخالطة قريبة وممتدة، ولا يُعتقد أنه ينتشر بسهولة بين أشخاص لا تظهر عليهم أعراض.
لذلك، فالمعادلة الصحية هنا تقوم على التوازن: عدم التقليل من خطورة المرض على المصابين، خصوصاً مع تسجيل وفيات، وفي الوقت نفسه عدم تحويل الحادث إلى حالة هلع جماعي ما دامت المعطيات الحالية تشير إلى خطر عام منخفض.
تعامل منظمة الصحة العالمية مع حالات الهانتا المرتبطة بسفينة MV Hondius يعكس أهمية اليقظة الصحية في الرحلات الدولية، خصوصاً عندما تتقاطع السياحة البيئية مع مناطق قد توجد فيها قوارض حاملة للفيروسات. وحتى الآن، لا تتحدث المعطيات الرسمية عن خطر واسع على السكان، بل عن حادث صحي جدي يتطلب متابعة دقيقة، تشخيصاً سريعاً، عزل الحالات المشتبه فيها، وتعاوناً دولياً لتفادي انتقال إضافي محدود.