ليست مشكلة “الشناقة” وسماسرة أضاحي العيد في أنهم يرفعون الأسعار فقط. المشكلة أعمق من ذلك بكثير. المشكلة أنهم يكشفون، كل سنة، جرحا أخلاقيا في مجتمع يريد أن يفرح، لكنه يجد أمامه من يحوّل فرحته إلى غصة، ومن يحوّل شعيرة العيد إلى سوق للمضاربة، ومن يحوّل حاجة المواطن البسيط إلى فرصة للربح القاسي.
في كل عيد أضحى، يخرج الأب الفقير أو الموظف المرهق أو العامل البسيط إلى السوق، لا يحمل في جيبه ترف الاختيار، بل يحمل خوفا ثقيلا: كيف سيُدخل الفرح إلى بيته؟ كيف سيواجه عيون أبنائه؟ كيف سيحافظ على عادة اجتماعية ودينية صارت، مع الغلاء، أقرب إلى امتحان عسير للكرامة؟
وهناك، وسط هذا الضعف الإنساني، يظهر من لا يرى في الناس إلا جيوبا. لا يهمه أن هذا المواطن قضى سنة كاملة يطارد المصاريف، ولا يهمه أن الأجور لم تعد تكفي، ولا أن الأسعار تلتهم الموائد، ولا أن كثيرا من الأسر تعيش على حافة التعب. المهم عنده أن يربح، وأن يضاعف الربح، وأن يدخل بين البائع والمشتري كما تدخل الشوكة في الجرح.
الغريب ليس أن توجد المضاربة، فكل سوق قد يعرف الطمع. الغريب أن يتحول الطمع إلى “حرفة”، وأن يصبح استغلال المناسبات “شطارة”، وأن يتباهى البعض بقدرته على رفع السعر، وخنق العرض، والتحكم في حاجة الناس. أي تربية صنعت هذا السلوك؟ وأي بيئة جعلت الإنسان ينام مرتاحا وهو يعلم أن جزءا من ماله خرج من عرق المقهورين ودموع العاجزين؟
هؤلاء لا يخافون من القانون و لا يخافون من الله كما يجب. وربما الأخطر أنهم لم يعودوا يخافون من نظرة المجتمع. فالخوف من القانون وحده لا يصنع ضميرا، لكن حين يفقد الإنسان الحياء من الناس، ويعتبر آلامهم مجرد فرصة، فنحن لا نواجه خللا اقتصاديا فقط، بل نواجه أزمة قيم.
ما معنى أن تربح من ظهر أب يبحث عن أضحية بثمن يناسب جيبه؟ ما معنى أن تضغط على سوق يعرف أصلا ارتفاعا في الكلفة؟ ما معنى أن تقف بين البائع والمستهلك لا لتقدم خدمة حقيقية، بل لتصنع ندرة مصطنعة وتبيع القلق بثمن أعلى؟
السؤال هنا ليس قانونيا فقط، بل أخلاقي أيضا: أي مواطن ننتظر ممن يرى في فقر الناس سلما للربح؟ أي مجتمع نبنيه إذا صرنا نصفق لمن “عرف من أين تؤكل الكتف”، حتى لو أكلها من كرامة الضعفاء؟ وأي عيد يبقى عيدا حين يصبح المواطن يدخل السوق كمن يدخل معركة، لا كمن يبحث عن فرحة لأبنائه؟
إن المواطن البسيط لم يعد يحتمل كثيرا من الخطب. لقد طبع مع الفقر لأنه وجد نفسه محاصرا به. طبع مع الغلاء لأنه لا يملك أن يوقفه. طبع مع التعب لأنه لا يجد بديلا. لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نطلب منه أيضا أن يطبع مع الظلم، وأن يعتبر استغلاله أمرا عاديا، وأن يسكت لأن “السوق هكذا”.
لا، السوق لا يجب أن يكون هكذا. والعيد لا يجب أن يكون موسما للذئاب الصغيرة. والربح لا يجب أن يتحول إلى رخصة لسحق الناس. من حق التاجر أن يربح، ومن حق الكسّاب أن يغطي كلفته، ومن حق السوق أن يتحرك وفق العرض والطلب، لكن ليس من حق أحد أن يتغذى على الحاجة، أو يصنع الوساطة الطفيلية، أو يحول مناسبة دينية إلى حلبة ابتزاز اجتماعي.
المراقبة ضرورية، لكن المراقبة وحدها لا تكفي. يجب أن تتحرك السلطات ضد المضاربة غير المشروعة والوسطاء الذين يربكون السوق، لكن يجب أيضا أن يتحرك المجتمع أخلاقيا. يجب أن يتوقف تمجيد “الفهلوة” حين تكون على حساب الضعفاء. يجب أن نسمي الأشياء بأسمائها: من يستغل حاجة الناس ليس ذكيا، بل قاسيا. ومن يربح من تضييق العيد على الأسر ليس تاجرا ناجحا، بل مشارك في إفساد معنى العيد.
هذا، وليست الأضحية مجرد كبش يباع ويشترى. إنها لحظة رمزية في بيت مغربي يريد أن يفرح رغم الضيق. وحين يدخل الشناق بين هذه اللحظة وبين الناس، فهو لا يرفع السعر فقط؛ إنه يسرق جزءا من الطمأنينة، ويزيد حجرا جديدا فوق صدر المواطن.
لهؤلاء نقول: قد تجمعون المال، لكن المال الذي يأتي من وجع الناس لا يبارك العمر. قد تنامون فوق أرباحكم، لكن هناك فرقا كبيرا بين من ينام مرتاح الضمير، ومن ينام فقط لأنه تعود على قسوة قلبه.
أما المجتمع، فعليه أن يختار: إما أن يحمي العيد من جشع المضاربين، أو يترك الفرح يتحول كل سنة إلى مناسبة جديدة لاختبار صبر الفقراء.
عبدالله بن عيسى