هل انحازت خوارزمية TikTok سياسياً؟ دراسة Nature تفتح نقاشاً انتخابياً حساساً

في وقت أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي جزءاً من تشكيل الرأي العام، لم يعد السؤال مقتصراً على ما ينشره السياسيون أو المستخدمون، بل أصبح يمتد إلى ما تختاره الخوارزميات كي يظهر أمام ملايين الناس. دراسة علمية جديدة منشورة في مجلة Nature فتحت نقاشاً حساساً حول TikTok خلال انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2024، بعدما خلصت إلى أن صفحة “For You” منحت المحتوى المؤيد للجمهوريين حضوراً أقوى مقارنة بالمحتوى الديمقراطي، وفق تجربة اعتمدت على مئات الحسابات الوهمية وتحليل مئات الآلاف من الفيديوهات. وبينما تنفي TikTok أن تعكس هذه النتائج تجربة المستخدمين الحقيقيين، يضع البحث ملف شفافية الخوارزميات الانتخابية تحت الضوء من جديد.

دراسة علمية ترصد انحيازاً في التوصيات

كشفت دراسة منشورة في مجلة Nature، يوم 6 ماي 2026، أن خوارزمية TikTok أظهرت خلال حملة انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2024 ميلاً منهجياً نحو عرض محتوى متوافق مع الجمهوريين أكثر من المحتوى المتوافق مع الديمقراطيين. الدراسة لا تقول إن المنصة غيّرت نتائج الانتخابات، ولا تثبت وجود تدخل سياسي مباشر، لكنها ترصد اختلالاً في نوعية المحتوى السياسي الذي ظهر للحسابات الخاضعة للتجربة.

اعتمد الباحثون على 323 تجربة تدقيق خوارزمي باستعمال حسابات وهمية تمت برمجتها لمحاكاة مستخدمين ذوي ميول ديمقراطية أو جمهورية أو محايدة. وجرى تشغيل هذه الحسابات في ثلاث ولايات أمريكية هي نيويورك، تكساس وجورجيا، باعتبارها تمثل سياقات سياسية مختلفة بين ولاية ديمقراطية وأخرى جمهورية وثالثة متأرجحة.

أكثر من 280 ألف فيديو خلال 27 أسبوعاً

حسب ملخص الدراسة، جمع الباحثون أكثر من 280 ألف توصية فيديو على مدى 27 أسبوعاً، بين 30 أبريل و11 نونبر 2024. وفي مرحلة أولى، تم “تدريب” الحسابات الوهمية على مشاهدة محتوى سياسي متوافق مع أحد الحزبين، ثم تتبع الباحثون ما تقترحه صفحة “For You” بعد ذلك.

النتيجة الأبرز أن الحسابات التي تم توجيهها نحو محتوى جمهوري تلقت حوالي 11.5% أكثر من المحتوى المتوافق مع ميولها مقارنة بالحسابات ذات التوجيه الديمقراطي. وفي المقابل، تعرضت الحسابات ذات الميول الديمقراطية إلى نحو 7.5% أكثر من المحتوى العابر للحزب، وكان جزء مهم منه ذا طابع مناهض للديمقراطيين.

موضوعات حساسة في قلب الاختلال

أشارت الدراسة إلى أن هذا الاختلال لم يكن عاماً فقط، بل ظهر بوضوح في ملفات سياسية حساسة. فالحسابات الديمقراطية تعرضت أكثر لمحتوى جمهوري أو مناهض للديمقراطيين في قضايا مثل الهجرة والجريمة والسياسة الخارجية، بينما ظهر للحسابات الجمهورية محتوى عابر للحزب في قضايا مثل الإجهاض.

ويرى الباحثون أن هذا النمط قد يكون أكثر تعقيداً من مجرد “فقاعة ترشيح”، لأنه لا يكتفي بتأكيد قناعات المستخدم، بل قد يعرض طرفاً سياسياً أكثر من غيره لرسائل هجومية أو مضادة. ومع ذلك، يؤكد البحث أن الآلية الدقيقة وراء هذه النتائج لا يمكن الجزم بها من البيانات المتاحة وحدها.

TikTok ترفض المنهجية

من جانبها، رفضت TikTok الاستنتاجات، وقالت إن التجربة الاصطناعية التي اعتمدت على حسابات وهمية لا تعكس الطريقة الحقيقية التي يستخدم بها الناس المنصة. كما شددت الشركة على أن المستخدمين يملكون أدوات متعددة للتحكم في ما يشاهدونه، وأن سلوك المستخدم الحقيقي أكثر تنوعاً من السيناريو الذي اعتمدته التجربة.

هذا الرد يسلط الضوء على نقطة أساسية في النقاش حول الخوارزميات: هل تكفي تجارب الحسابات الوهمية لفهم تجربة المستخدمين؟ الباحثون يعتبرون أن هذه الطريقة مفيدة لأنها تقلل أثر الاختيارات الشخصية وتسمح بعزل دور الخوارزمية، بينما ترى المنصات أن التجربة لا تمثل السلوك البشري بكل تعقيداته.

لماذا يهم هذا النقاش؟

تزداد أهمية TikTok في المجال السياسي، خصوصاً بين الفئات الشابة التي تعتمد على الفيديوهات القصيرة لمتابعة الأخبار والنقاشات العامة. لذلك، فإن أي اختلال في خوارزمية التوصية يمكن أن يفتح أسئلة حول الشفافية، المساءلة، وتأثير المنصات الرقمية على النقاش الديمقراطي.

في الاتحاد الأوروبي، ترتبط هذه الأسئلة بقانون الخدمات الرقمية الذي يفرض على المنصات الكبرى تقييم المخاطر النظامية، بما فيها المخاطر المرتبطة بالانتخابات. أما في الولايات المتحدة، فيظل النقاش أكثر تعقيداً بسبب حماية حرية التعبير والجدل المستمر حول حدود تدخل الدولة في قرارات المنصات.

تضيف دراسة Nature دليلاً جديداً إلى الجدل العالمي حول قوة الخوارزميات في تشكيل المحتوى السياسي الذي يراه المستخدمون. ورغم أن النتائج لا تثبت أن TikTok أثرت مباشرة في سلوك الناخبين أو غيرت نتيجة الانتخابات، فإنها تطرح سؤالاً مهماً: من يراقب الخوارزميات عندما تصبح جزءاً من المجال العام؟

بالنسبة للمنصات، قد تكون المرحلة المقبلة اختباراً صعباً بين حماية حرية التوصية وضرورة تقديم شفافية أكبر حول طريقة توزيع المحتوى السياسي في الفترات الانتخابية.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *