لم تعد معركة الذكاء الاصطناعي تدور فقط حول النماذج الذكية والتطبيقات التي تظهر للمستخدمين على الشاشات، بل انتقلت بسرعة إلى العمق: مراكز البيانات، سلاسل التوريد، وأسعار المعالجات التي تتحكم في كلفة تشغيل كل خدمة ذكية. وفي هذا السياق، تكشف معطيات جديدة أن ByteDance، الشركة الصينية المالكة لتطبيق TikTok، تعمل على تطوير رقائق CPU مخصصة بها، في خطوة قد تعكس رغبة عمالقة التكنولوجيا في تقليل اعتمادهم على Intel وAMD وNvidia، وبناء سيطرة أكبر على البنية التي ستشغل موجة الذكاء الاصطناعي المقبلة.
- بايت دانس تتحرك نحو معالجاتها الخاصة
- لماذا أصبحت CPU مهمة في زمن الذكاء الاصطناعي؟
- Arm وRISC-V.. مساران تقنيان تحت الاختبار
- أزمة أسعار وندرة في المعالجات
- ما علاقة TikTok وDoubao وCoze بهذا التحول؟
- صفقة Qualcomm السابقة تزيد الصورة وضوحاً
- تحديات كبيرة قبل الوصول إلى الإنتاج
- لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي والمغربي؟
بايت دانس تتحرك نحو معالجاتها الخاصة
وفق تقرير حصري لوكالة Reuters، نقلاً عن ثلاثة أشخاص مطلعين على الملف، تعمل ByteDance على تطوير وحدات معالجة مركزية مخصصة، أو ما يعرف اختصاراً بـ CPU، لدعم حاجياتها المتزايدة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ويأتي هذا التحرك في ظل ارتفاع أسعار الرقائق وطول آجال التسليم، وهي عوامل بدأت تضغط على خطط التوسع لدى شركات التكنولوجيا الكبرى.
ولا يتعلق الأمر، حسب المعطيات المتوفرة، بمنتج موجه مباشرة إلى المستهلكين، بل برقائق يفترض أن تعمل داخل خوادم ومراكز بيانات ByteDance. الهدف الأساسي هو دعم العمليات الداخلية للشركة ومنتجات الذكاء الاصطناعي التي تستعد لتوسيعها، من بينها منصات تعتمد على وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على تنفيذ مهام معقدة بشكل شبه مستقل.
لماذا أصبحت CPU مهمة في زمن الذكاء الاصطناعي؟
خلال السنوات الأولى من طفرة الذكاء الاصطناعي التوليدي، ركزت الأنظار على معالجات الرسوم GPU، خصوصاً تلك التي تنتجها Nvidia، لأنها كانت المحرك الرئيسي لتدريب النماذج الضخمة. لكن السوق يتحول الآن تدريجياً نحو مرحلة الاستعمال اليومي أو ما يعرف بـ inference، حيث يتم تشغيل النماذج لخدمة ملايين المستخدمين وتنفيذ مهام عملية على مدار الساعة.
في هذه المرحلة، لا تعمل GPU وحدها. فالمعالجات المركزية CPU تظل ضرورية لإدارة الخوادم، تنسيق المهام، معالجة البيانات، تشغيل التطبيقات، وربط مختلف مكونات البنية السحابية. ومع صعود ما يسمى بالذكاء الاصطناعي الوكيل، أو agentic AI، يتزايد الضغط على هذا النوع من المعالجات، لأن الأنظمة لا تكتفي بإجابة واحدة، بل تنفذ خطوات متعددة وتتعامل مع قواعد بيانات وخدمات خارجية.
Arm وRISC-V.. مساران تقنيان تحت الاختبار
تقول مصادر Reuters إن ByteDance تدرس مسارين في تصميم رقائقها: الأول يعتمد على معمارية Arm، والثاني على معمارية RISC-V المفتوحة المصدر. اختيار مسارين في الوقت نفسه لا يعني بالضرورة أن الشركة ستمضي إلى الإنتاج الواسع بهما معاً، بل قد يكون وسيلة لاختبار الأداء والكلفة والمرونة قبل الالتزام بتصميم نهائي باهظ الثمن.
معمارية Arm أصبحت مألوفة في الهواتف والخوادم منخفضة الاستهلاك، وتستخدمها شركات كبرى لتطوير شرائح مخصصة أكثر كفاءة. أما RISC-V، فهي تجذب اهتماماً متزايداً لأنها مفتوحة وتمنح الشركات حرية أكبر في التخصيص، لكنها لا تزال تحتاج إلى منظومة قوية من البرمجيات والأدوات والدعم الصناعي حتى تنافس الحلول الأكثر نضجاً.
أزمة أسعار وندرة في المعالجات
يرتبط قرار ByteDance بسياق أوسع في سوق أشباه الموصلات. فقد أشارت Reuters إلى أن الشركة تعتمد حالياً على معالجات Intel وAMD، لكن أسعار هذه المعالجات ارتفعت بشكل كبير في الأشهر الأخيرة، فيما تحدثت المصادر عن زيادات فصلية قد تتراوح بين 10% و35% في بعض الحالات. كما سبق أن واجهت شركات صينية آجال تسليم طويلة لبعض معالجات الخوادم.
هذا الضغط لا يخص ByteDance وحدها. شركات مثل Google وAmazon وMicrosoft طورت أو تطور معالجات خاصة بها لتقليل الكلفة وتحسين الأداء حسب احتياجاتها الداخلية. بمعنى آخر، أصبحت الرقاقة المخصصة جزءاً من استراتيجية السيطرة على كلفة الذكاء الاصطناعي، وليس مجرد مشروع هندسي فاخر.
ما علاقة TikTok وDoubao وCoze بهذا التحول؟
تملك ByteDance قاعدة ضخمة من المستخدمين عبر TikTok خارج الصين وDouyin داخل الصين، كما تراهن على منتجات ذكاء اصطناعي جديدة مثل المساعدات والمنصات المعتمدة على الوكلاء الذكيين. وكلما زاد استعمال هذه المنتجات، ارتفعت كلفة التشغيل داخل مراكز البيانات، لأن كل طلب من المستخدم يحتاج إلى قدرة حسابية وطاقة وتخزين وشبكات.
لذلك يمكن فهم مشروع رقائق CPU المخصصة كجزء من محاولة أوسع لضبط الاقتصاد الداخلي للذكاء الاصطناعي: تقليل الاعتماد على السوق المفتوحة، تحسين كفاءة الخوادم، وتوجيه التصميم نحو طبيعة التطبيقات التي تشغلها ByteDance يومياً. لكن المشروع، حسب التقرير، لا يزال في مرحلة مبكرة، ولم تقدم الشركة تعليقاً رسمياً على طلب Reuters.
صفقة Qualcomm السابقة تزيد الصورة وضوحاً
قبل هذا التقرير، نقلت Reuters عن Bloomberg أن Qualcomm توصلت إلى اتفاق لتزويد ByteDance برقاقات مخصصة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، مع الإشارة إلى أن Reuters لم تتمكن من التحقق من التقرير بشكل مستقل حينها. هذا السياق يوضح أن ByteDance لا تتحرك في اتجاه واحد فقط، بل تبحث عن مزيج من التوريد الخارجي والتصميم الداخلي لتأمين احتياجاتها.
إذا تأكدت هذه التحركات على نطاق واسع، فستكون ByteDance ضمن موجة عالمية جديدة: شركات المنصات الكبرى لا تريد الاكتفاء بشراء الرقائق الجاهزة، بل تسعى إلى امتلاك جزء أكبر من معادلة العتاد، تماماً كما امتلكت سابقاً منصات المحتوى والخوارزميات وقواعد البيانات.
تحديات كبيرة قبل الوصول إلى الإنتاج
رغم أهمية الخبر، فإن تطوير CPU مخصص ليس مهمة سهلة. فالشركة تحتاج إلى فريق تصميم قوي، برمجيات تشغيل وتوافق، اختبارات طويلة، قدرة على تأمين التصنيع لدى مسابك عالمية، إضافة إلى سلسلة توريد مستقرة للذاكرة والتغليف المتقدم ومكونات الخادم. كما أن القيود الأمريكية على تصدير التقنيات المتقدمة إلى الصين تضيف طبقة حساسة من التعقيد.
لهذا يجب التعامل مع الخبر كإشارة استراتيجية أكثر منه إعلاناً عن منتج جاهز. فالمعطيات المتوفرة تقول إن المشروع في مراحله الأولى، وإن ByteDance لجأت إلى شركاء خارجيين للمساعدة في التصميم وتأمين القدرة التصنيعية. أما موعد الإنتاج التجاري، أو الأداء المتوقع لهذه الرقائق، فلا يزال غير معلن.
لماذا يهم هذا الخبر القارئ العربي والمغربي؟
قد يبدو خبر تطوير رقائق داخل شركة صينية بعيداً عن القارئ في المغرب والمنطقة، لكنه يمس مستقبل الخدمات الرقمية التي نستعملها يومياً. عندما ترتفع كلفة تشغيل الذكاء الاصطناعي، قد تنعكس على أسعار الاشتراكات، توفر الخدمات، سرعة التطبيقات، وحتى قدرة الشركات على إطلاق أدوات جديدة بلغات وأسواق مختلفة.
كما أن سباق الرقائق يحدد من يملك القوة الحقيقية في الاقتصاد الرقمي. فالشركات التي تتحكم في البيانات والخوارزميات والعتاد معاً ستكون أكثر قدرة على المنافسة، بينما قد تجد شركات أخرى نفسها تحت رحمة الأسعار والقيود ونقص الإمدادات. لذلك لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تطبيق ذكي، بل منظومة صناعية كاملة تبدأ من تصميم الرقاقة وتنتهي عند تجربة المستخدم
تكشف خطوة ByteDance، إذا تأكدت تفاصيلها بشكل رسمي، أن سباق الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة أكثر عمقاً وتعقيداً. فبعد المنافسة على النماذج والتطبيقات، بدأت المعركة تنتقل إلى المعالجات ومراكز البيانات والتحكم في سلاسل التوريد. وبين Arm وRISC-V، وبين الاعتماد على Intel وAMD أو بناء بدائل داخلية، يبدو أن الشركة المالكة لـ TikTok تريد أن تكون أكثر استعداداً لموجة ذكاء اصطناعي لن تكون رخيصة ولا سهلة التشغيل.
لكن حتى الآن، تبقى الصورة في إطار تقارير مبنية على مصادر مطلعة، مع غياب تعليق رسمي من ByteDance. لذلك، فإن أهمية الخبر لا تكمن فقط في رقاقة بعينها، بل في الاتجاه العام: عمالقة التكنولوجيا صاروا يعتبرون العتاد جزءاً مركزياً من نفوذهم في عصر الذكاء الاصطناعي.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله