أوروبا تتحرك لكسر قبضة السحابة الأمريكية.. هل يبدأ عصر التكنولوجيا الأوروبية المستقلة؟

أوروبا تتحرك لكسر قبضة السحابة الأمريكية.. هل يبدأ عصر التكنولوجيا الأوروبية المستقلة؟

لم يعد ملف الحوسبة السحابية في أوروبا مجرد نقاش تقني يهم الشركات ومراكز البيانات، بل تحول إلى قضية سيادية مرتبطة بالأمن الاقتصادي، وحماية البيانات، وقدرة الحكومات على التحكم في البنية الرقمية التي تدير قطاعات حساسة مثل الصحة والطاقة والبنوك والإدارات العمومية. وفي هذا السياق، أعلنت مجموعة من مزودي الخدمات السحابية الأوروبيين دعمها لتحرك الاتحاد الأوروبي الرامي إلى تقليص الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية، في خطوة تعكس توجهاً متصاعداً داخل بروكسل نحو بناء “سحابة أوروبية” أكثر استقلالاً وأقل عرضة لضغوط الأسواق والقوانين الأجنبية.

الخبر، الذي أوردته رويترز، يكشف أن ثلاث عشرة شركة أوروبية في مجال السحابة والتكنولوجيا انضمت إلى نواب أوروبيين ومنظمات مدنية لدعم خطة المفوضية الأوروبية. والرسالة السياسية والاقتصادية تبدو واضحة: أوروبا لا تريد فقط تنظيم عمالقة التكنولوجيا، بل تريد أيضاً خلق بدائل محلية قادرة على المنافسة في لحظة أصبح فيها الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والرقائق، عناصر حاسمة في قوة الدول والشركات.

13 مزوداً أوروبياً يدخلون على خط المعركة الرقمية

بحسب رويترز، ضمت المبادرة شركات وأطرافاً أوروبية بارزة، من بينها OVHcloud الفرنسية، وNextcloud الألمانية، وMastodon وMonnett Social، إضافة إلى Proton السويسرية، وEcosia، وشركة QuantWare الهولندية المتخصصة في الرقائق الكمية. كما انضم إلى الخطاب المفتوح نواب من مجموعة الخضر في البرلمان الأوروبي وعدد من المنظمات المدنية، في إشارة إلى أن الملف لم يعد مطلباً تجارياً فقط، بل أصبح جزءاً من نقاش أوسع حول الديمقراطية الرقمية وحماية المصالح الأوروبية.

وتقوم الفكرة الأساسية على دعم سياسة أوروبية تعطي الأولوية للمزودين المحليين في العقود الحساسة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالبيانات العامة أو البنية الرقمية المرتبطة بالخدمات الحيوية. فكلما زادت أهمية البيانات، زادت حساسية السؤال: من يملك الخوادم؟ من يطور البرمجيات؟ ومن يستطيع، قانونياً أو سياسياً، الوصول إلى المعطيات عند الأزمات؟

ما معنى “السيادة التكنولوجية” التي تتحدث عنها أوروبا؟

السيادة التكنولوجية لا تعني أن تغلق أوروبا أبوابها أمام الشركات الأجنبية أو أن تنسحب من الاقتصاد الرقمي العالمي، بل تعني، وفق الفهم الأوروبي المتزايد، أن تكون للقارة قدرة فعلية على تصميم وبناء وتشغيل وتنظيم الأنظمة الرقمية التي يعتمد عليها اقتصادها ومجتمعها. بمعنى آخر، لا تريد بروكسل أن تبقى رهينة حلول جاهزة تأتي من الخارج، خاصة في القطاعات التي قد تتحول فيها البيانات إلى ورقة ضغط أو مصدر خطر.

هذا التوجه برز بقوة مع صعود الذكاء الاصطناعي، لأن نماذج الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى مراكز بيانات ضخمة، وقدرة حوسبة متقدمة، وبنية سحابية مرنة. ومن لا يملك هذه البنية، سيجد نفسه مضطراً للاعتماد على من يملكها. لذلك، ترى المفوضية الأوروبية أن السحابة لم تعد مجرد خدمة تخزين أو تشغيل عن بُعد، بل أصبحت العمود الفقري للجيل المقبل من الاقتصاد الرقمي.

قانون السحابة والذكاء الاصطناعي.. خطة لثلاثة أضعاف القدرة الأوروبية

تستعد المفوضية الأوروبية، وفق ما نشرته على بوابتها الرقمية، لطرح “قانون السحابة والذكاء الاصطناعي” خلال 2026، بهدف مضاعفة قدرة مراكز البيانات في الاتحاد الأوروبي بثلاث مرات على الأقل خلال خمس إلى سبع سنوات، وتلبية حاجيات الشركات والإدارات العمومية الأوروبية بالكامل بحلول 2035. هذا الهدف يعكس إدراكاً بأن أوروبا لا تستطيع الحديث عن ذكاء اصطناعي مستقل أو خدمات رقمية آمنة دون قاعدة قوية من مراكز البيانات والطاقة والرقائق والبرمجيات.

وتشير المفوضية إلى أن القانون المنتظر سيعمل على تسهيل إقامة مراكز البيانات عبر تحديد المواقع المناسبة وتبسيط مساطر الترخيص، مع ربط ذلك بمعايير الاستدامة والابتكار. كما يتوقع أن يتعامل مع تحدي استهلاك الطاقة، عبر تشجيع التبريد المبتكر، وتحسين كفاءة الطاقة، ودمج مراكز البيانات داخل المنظومة الطاقية الأوسع.

المناقصات الحساسة.. نقطة التحول ضد هيمنة عمالقة السحابة

البعد الأكثر حساسية في هذا الملف يتعلق بالمناقصات العمومية. فحسب وثائق اطلعت عليها رويترز، تدرس أوروبا وضع معايير صارمة لخدمات السحابة في المناقصات الحكومية ذات الطابع الحساس، بما قد يحد من وصول شركات مثل Amazon وMicrosoft وGoogle إلى بعض المشاريع المرتبطة بقطاعات حيوية. ولا يعني ذلك بالضرورة منعاً عاماً أو فورياً، لكنه يكشف عن تحول في طريقة تقييم المزودين: السعر وحده لن يكون كافياً.

المعايير الجديدة قد تشمل عناصر غير سعرية، مثل مستوى حماية البيانات، ومدى خضوع الشركة لقوانين دول ثالثة، ومصدر البرمجيات والعتاد، ودرجة السيطرة الأجنبية على الخدمة. وهذه النقاط مهمة لأن عدداً من المخاوف الأوروبية يرتبط بقوانين مثل Cloud Act الأمريكي، الذي يثير أسئلة حول إمكانية طلب السلطات الأمريكية الوصول إلى بيانات محفوظة لدى شركات أمريكية حتى لو كانت مخزنة خارج الولايات المتحدة.

“اصنع أوروبياً واشترِ أوروبياً”.. شعار سياسي برسالة اقتصادية

الخطاب المفتوح الذي دعمته الشركات والمنظمات الأوروبية حمل رسالة مختصرة لكنها قوية: “ابنِ أوروبياً، اشترِ أوروبياً، واحمِ أوروبياً”. هذا الشعار يكشف أن المعركة ليست فقط حول حماية البيانات، بل أيضاً حول إعادة توجيه الإنفاق العام والخاص نحو الشركات الأوروبية، حتى لا تبقى القارة سوقاً ضخمة للآخرين دون أن تبني أبطالها الرقميين.

بالنسبة للمزودين الأوروبيين، فإن أي تغيير في قواعد الشراء العمومي قد يفتح أمامهم فرصة تاريخية. فالعقود الحكومية الحساسة غالباً ما تكون ضخمة وطويلة الأمد، وتمنح الشركات قدرة على الاستثمار والتوسع. وإذا أعطت أوروبا الأفضلية لمن يحقق معايير سيادية صارمة، فقد يتحول ذلك إلى رافعة لصناعة سحابية أوروبية أكثر قوة.

لماذا يقلق الاعتماد على السحابة الأمريكية؟

تهيمن الشركات الأمريكية الكبرى على جزء واسع من سوق السحابة عالمياً، وهي توفر خدمات قوية ومرنة وتنافسية، لكن الاعتماد المفرط عليها يطرح أسئلة استراتيجية. فإذا كانت البيانات الحكومية، وأنظمة المستشفيات، ومنصات الطاقة، وخدمات البنوك تعمل فوق بنية لا تملكها أوروبا ولا تتحكم فيها بالكامل، فإن هامش الاستقلال يصبح محدوداً عند حدوث توتر سياسي أو تجاري أو قانوني.

كما أن المنافسة مع الولايات المتحدة والصين في مجالات الذكاء الاصطناعي والرقائق والحوسبة السحابية جعلت أوروبا تشعر بأن التأخر في البنية التحتية الرقمية سيؤثر لاحقاً على الابتكار، وعلى قدرة الشركات الناشئة الأوروبية على بناء منتجاتها دون الاعتماد الدائم على منصات خارجية. ولهذا تحاول بروكسل الجمع بين التنظيم من جهة، والدعم الصناعي من جهة أخرى.

عمالقة أمريكا يتحركون بدورهم لطمأنة أوروبا

الشركات الأمريكية ليست خارج اللعبة. فبحسب رويترز، حاولت Amazon وMicrosoft وGoogle التعامل مع مخاوف السيادة بطرق مختلفة، من بينها خدمات مستضافة بالكامل في أوروبا، أو مشاريع سحابية محلية التحكم، أو شراكات مع شركات أوروبية مثل Thales وOVHcloud. هذه التحركات تعكس إدراكاً واضحاً بأن السوق الأوروبية لن تقبل مستقبلاً بنفس شروط الماضي.

لكن السؤال الذي سيبقى مطروحاً هو: هل تكفي الشراكات المحلية والعزل القانوني والتقني لطمأنة بروكسل، أم أن الاتحاد الأوروبي يريد فعلاً تحويل جزء أكبر من العقود الحساسة نحو شركات أوروبية الأصل والتحكم؟ الجواب سيتضح أكثر بعد تقديم المفوضية تفاصيل حزمة السيادة التكنولوجية والتصويت عليها لاحقاً من طرف الدول الأعضاء والبرلمان الأوروبي.

ما الذي يعنيه ذلك للمستخدم العادي والشركات الصغيرة؟

بالنسبة للمستخدم العادي، قد يبدو النقاش بعيداً ومعقداً، لكنه يمس الخدمات التي يستعملها يومياً بشكل غير مباشر: البريد الإلكتروني، التخزين السحابي، تطبيقات الإدارة، الخدمات الصحية الرقمية، وحتى منصات الذكاء الاصطناعي. كل هذه الخدمات تعتمد على مراكز بيانات وقوانين حماية ومعايير تشغيل قد لا تظهر للناس، لكنها تحدد أين تذهب بياناتهم ومن يتحكم فيها.

أما بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، فإن بناء منظومة سحابية أوروبية أقوى قد يفتح خيارات جديدة بأسعار مختلفة وبضمانات قانونية أوضح، خاصة للشركات التي تتعامل مع بيانات حساسة أو تشتغل مع الإدارات العمومية. ومع ذلك، سيبقى نجاح هذه الخطة رهيناً بقدرة المزودين الأوروبيين على تقديم خدمات بنفس جودة ومرونة وسعر المنافسين الكبار.

أوروبا لا تريد القطيعة.. بل تريد هامش قرار أكبر

تحرك مزودي السحابة الأوروبيين لدعم خطة الاتحاد الأوروبي يكشف لحظة تحول في السياسة الرقمية للقارة. فبعد سنوات من التركيز على تنظيم المنصات الكبرى، تنتقل أوروبا تدريجياً إلى سؤال أكثر صعوبة: كيف نبني بدائلنا الخاصة؟ وكيف نحمي بياناتنا ومؤسساتنا دون أن نخسر فوائد السوق المفتوحة والتعاون الدولي؟

الجواب لن يكون سريعاً، لأن بناء مراكز البيانات وتطوير الرقائق والبرمجيات يحتاج إلى استثمارات ضخمة وسنوات من العمل. لكن الرسالة السياسية أصبحت أوضح من أي وقت مضى: أوروبا تريد أن تظل مفتوحة، لكنها لا تريد أن تكون مكشوفة. وفي زمن الذكاء الاصطناعي والحروب التجارية والتوترات الجيوسياسية، قد تصبح السحابة الأوروبية واحدة من أهم معارك السيادة الرقمية خلال السنوات المقبلة.

شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. التعليقات النظيفة تُنشر، والمحتوى المخالف أو الإشهاري يُحال للمراجعة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أكادير24

بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله