الساعة الإضافية في المغرب.. كلفة خفية على الأسر والتلاميذ بين النوم والتنقل والتركيز

تعود الساعة الإضافية في المغرب كل مرة إلى واجهة النقاش، ليس فقط باعتبارها قرارًا تنظيميًا مرتبطًا بتدبير الزمن، بل أيضًا بسبب ما تخلفه من أثر يومي مباشر على الأسر والتلاميذ ونمط العيش بشكل عام. وبين من يعتبرها إجراءً ينسجم مع متطلبات الاقتصاد والتدبير الإداري، ومن يراها عبئًا متكررًا على الحياة اليومية، يظل السؤال الأكثر حضورًا هو: ما الذي يخسره المواطن فعليًا بسبب هذا التوقيت؟

في الظاهر، يتعلق الأمر بتقديم الساعة بستين دقيقة فقط، لكن في الواقع يمتد الأثر إلى أكثر من مجرد تغيير بسيط في عقارب الوقت. ذلك أن تغيير التوقيت يفرض على الجسم والعقل والأسرة كلها فترة من التكيّف، قد تبدو قصيرة من حيث الزمن، لكنها تكون مرهقة على مستوى النوم والانتباه والتنقل وتنظيم اليوم بأكمله.

أولى الخسائر التي تظهر مع الساعة الإضافية ترتبط بالنوم. فعدد من الأطفال والتلاميذ وحتى البالغين يجدون صعوبة في التكيف السريع مع توقيت جديد يفرض عليهم الاستيقاظ في وقت يشعرون فيه بيولوجيًا بأن الليل لم ينته بعد. وتشير دراسات في علم النوم إلى أن تغيير التوقيت بساعة واحدة قد يؤدي إلى فقدان يتراوح بين 30 و60 دقيقة من النوم يوميًا خلال الأيام أو الأسابيع الأولى من التكيف، خاصة لدى الأطفال والمراهقين. وإذا افترضنا أن تلميذًا يفقد في المتوسط 40 دقيقة من النوم يوميًا خلال أسبوعين فقط، فإن مجموع ما يخسره يصل إلى نحو 9 ساعات و20 دقيقة من النوم في ظرف قصير. وهذا الرقم، رغم بساطته الظاهرية، يصبح مهمًا حين يتعلق الأمر بطفل يحتاج إلى نوم منتظم من أجل التركيز والتحصيل الدراسي والتوازن النفسي.

ولا تقف الخسارة عند حدود النوم فقط، بل تمتد إلى بداية اليوم نفسها. ففي فترات من السنة، خاصة خلال فصل الشتاء، يضطر عدد كبير من التلاميذ إلى مغادرة منازلهم قبل شروق الشمس، وفي أجواء باردة وأحيانًا في ظروف مناخية غير مريحة. هذا الواقع يفرض على الأسر مجهودًا إضافيًا في التحضير، ويزيد من الإحساس اليومي بالضغط، كما يدفع بعض الآباء والأمهات إلى مرافقة أبنائهم أو إلى تخصيص وقت أطول للتنقل. وإذا احتسبنا ما بين 10 و20 دقيقة إضافية يوميًا للتحضير أو المرافقة أو تدبير التنقل، فإن الأسرة قد تخسر ما بين 5 و10 ساعات شهريًا في مجهود غير مباشر مرتبط فقط بالتكيف مع هذا التوقيت.

إلى جانب ذلك، تبرز خسارة ثالثة أقل وضوحًا، لكنها لا تقل أهمية، وتتعلق بالتركيز والإنتاجية. فضعف النوم والاستيقاظ في وقت مبكر جدًا ينعكسان بشكل مباشر على الانتباه خلال الحصص الصباحية، وعلى القدرة على الاستيعاب لدى التلاميذ، كما يؤثران لدى البالغين على المزاج العام والقدرة على التركيز في العمل أو الدراسة. هذا النوع من الخسائر لا يُقاس بسهولة بالأرقام، لكنه حاضر بقوة في تفاصيل الحياة اليومية، سواء في شكل إرهاق ذهني، أو بطء في الأداء، أو شعور عام بالتعب خلال فترات الصباح الأولى.

أما على مستوى الطاقة، فغالبًا ما يُقدَّم ترشيد استهلاك الكهرباء كأحد أبرز مبررات الإبقاء على الساعة الإضافية، باعتبارها تسمح بالاستفادة من ضوء النهار لفترة أطول مساءً. غير أن هذا الطرح يظل محل نقاش، لأن الاستفادة المسائية قد تقابلها في المقابل حاجة أكبر إلى الإنارة والتدفئة صباحًا، خاصة في الساعات الأولى التي يغادر فيها التلاميذ والموظفون منازلهم. وفي غياب معطيات عمومية مفصلة ومحيّنة بشكل دوري حول الحصيلة الدقيقة لهذا التوازن، يبقى النقاش مفتوحًا بين من يركز على الجانب الاقتصادي، ومن ينبه إلى الكلفة الاجتماعية واليومية التي تتحملها الأسر.

وعند جمع هذه العناصر معًا، يتبين أن الساعة الإضافية لا تكلّف المواطن مبلغًا ماليًا مباشرًا يُدفع نقدًا، لكنها تفرض كلفة حقيقية من نوع آخر. هذه الكلفة تتمثل في ساعات نوم مفقودة، ووقت إضافي في التنقل والتحضير، وتراجع مؤقت في التركيز، وارتفاع الإحساس بالتعب لدى فئات واسعة، خصوصًا الأطفال والأسر. وإذا كانت هذه الخسائر قد تبدو بسيطة في يوم واحد، فإن تراكمها مع مرور الأسابيع يجعل أثرها أكثر وضوحًا على الحياة اليومية.

في المقابل، تؤكد الجهات المدافعة عن الساعة الإضافية أن الأمر لا يتعلق فقط بالحياة اليومية للأفراد، بل أيضًا باعتبارات اقتصادية وتنظيمية أوسع، من بينها التوافق الزمني مع الشركاء الدوليين، والاستفادة من ساعات النهار مساءً، وتحسين بعض جوانب تدبير الطاقة والعمل الإداري. غير أن هذه المبررات، مهما كانت أهميتها، لم تُنهِ الجدل المجتمعي، لأن جزءًا كبيرًا من المواطنين يقارب الموضوع من زاوية المعيشة اليومية، لا من زاوية الحسابات العامة.

ولهذا، فإن جوهر النقاش لا يتعلق فقط بكون الساعة الإضافية نافعة أو غير نافعة، بل بقدرة هذا الاختيار على تحقيق توازن بين المصلحة الاقتصادية من جهة، والراحة النفسية والاجتماعية للمواطن من جهة أخرى. فحين يشعر المواطن بأن حياته اليومية أصبحت أكثر تعقيدًا، يصبح من الطبيعي أن يُطرح السؤال حول جدوى الإبقاء على هذا النظام بنفس الصيغة، أو على الأقل حول الحاجة إلى مراجعة طرق تنزيله ومراعاة الفئات الأكثر تأثرًا به.

في النهاية، يمكن القول إن الساعة الإضافية في المغرب تحمل كلفة خفية لا تظهر في الفواتير، لكنها تظهر في النوم المقطوع، وفي تعب الصباح، وفي الوقت المستنزف، وفي الإحساس اليومي بالضغط. وبين من يراها خيارًا تنظيميًا ضروريًا، ومن يعتبرها عبئًا مستمرًا على الأسر والتلاميذ، يظل النقاش مفتوحًا حول أفضل صيغة ممكنة للتوفيق بين متطلبات الاقتصاد وحق المواطنين في إيقاع حياة أكثر توازنًا وراحة.

شارك هذا المقال
تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *