تحت رمال السياسة الأفريقية المتحركة أرى بوضوح أنه نادراً ما تقع المصادفات العفوية فالأحداث الكبرى التي تبدو في الظاهر متفرقة ومتباعدة هي في تقديري خيوط مشدودة في شبكة تحركات جيوسياسية بالغة التعقيد منها هذا التزامن المتسارع اليوم بين إقالة رئيس الحكومة السنغالية وطاقمه الوزاري وصدور العفو الملكي المغربي عن المشجعين السنغاليين بالتوازي مع محاولات الجزائر الحثيثة لاستقطاب الرموز الروحية للطريقة التيجانية
هذا الترابط بين الأحداث لا اعتبرها صدفا عابرة بل نحن إزاء حراك عميق يعيد ترتيب أوراق النفوذ في منطقة غرب أفريقيا
ولو تفحصنا حدث إقالة رئيس الحكومة السنغالية وبقية طاقمه بعين القراءة السياسية الرصينة لاستنتجنا أنه لا يمكن فصل هذه الخطوة عن توازنات المنطقة وحسابات المحاور الحارقة فرئيس الحكومة المقال ارتبط اسمه بمحاولات حثيثة لتغيير البوصلة الدبلوماسية العريقة لدكار ولم يكن خافياً عليّ أنه صاحب ومهندس رقم” 55 ” داخل الاتحاد الأفريقي
فإزاحته من المشهد في هذا التوقيت بالذات وبقرار حاسم أرى فيه بصمات “الدولة العميقة” في السنغال يبرز لي رغبة واضحة في كبح جماح أي توجه غير محسوب قد يهدد التحالف الاستثنائي والتاريخي مع المغرب وإعادة الأمور إلى نصابها التقليدي المبني على دعم الوحدة الترابية للمملكة وهي الرسالة البليغة التي أظن أن عواصم المنطقة قد التقطتها سريعاً.
وفي ذات التوقيت ولأنني أدرك مدى مرونة دبلوماسية بلدنا وقدرتها على التقاط الإشارات فقد تابعتُ بلاغ الديوان الملكي المغربي بالعفو عن المشجعين السنغاليين المعتقلين على خلفية أحداث شغب نهائي كأس أفريقيا كخطوة استباقية حكيمة لتفويت الفرصة على جهات حاولت استغلال حادثة كروية عابرة لتغذية احتقان شعبي أو إعلامي بين الشعبين الشقيق ين خاصة وأن هذا العفو جاء بعد أن تابعنا جميعا تصريح الرئيس السنغالي باسيرو ديوماي فاي في لقاءات صحفية سابقة بأنه “استنفد جميع الوسائل الممكنة” لإطلاق سراحهم ليتجاوب سريعاً وبشكل إيجابي مع الالتفاتة الملكية معبراً بلغة مؤثرة عن امتنانه لشخص الملك ومقدماً التهاني للشعب المغربي بمناسبة عيد الأضحى ومؤكداً على الطابع الاستثنائي للعلاقات الثنائية.
وعلى الجانب الآخر تابعنا أيضاً تحركات الجزائر في عز هذه الأزمة الصامتة حيث رصدتُ محاولتها استغلال هوامش المناورة بين الرباط ودكار عبر أعلى مستوياتها الرسمية كإجراء مضاد إذ استقبل الرئيس عبد المجيد تبون الخليفة العام للفيضة التيجانية في خطوة حظيت بزخم إعلامي مكثف حمل رسائل سياسية تستهدف العمق الروحي للعلاقات المغربية-السنغالية
وكيف سارع الخليفة العام خلال هذا اللقاء التأكيد على أن الجزائر تحظى بمكانة خاصة وتعتبر نموذجاً في دعم القضايا العادلة وحقوق الشعوب وهي في تقديري “الجملة السحرية” التقليدية التي تُفتح بها عادة الخزينة المالية الجزائرية لشراء الولاءات وعقد صفقات الدعم السياسي ناسين ان الزاوية التيجانية في الأدبيات السياسية والتاريخية المغربية ليست مجرد طريقة صوفية عابرة بل هي جسر روحي وتاريخي وثيق يربط فاس بدكار منذ قرون وتعتبر السنغال معقلها الأكبر ومحاولة الجزائر اللعب على هذا الوتر الحساس هي محاولة يائسة ومعزولة لاغير
وإذا جمعتُ هذه المكعبات والخيوط في إطار تحليلي الخاص يتضح لي أن السنغال كانت تعيش مخاضاً داخلياً وصراع أجنحة بين تيارين:
تيار يميل إلى المغامرة الدبلوماسية ومغازلة خصوم المغرب وتيار واقعي ومسؤول يحافظ على الثوابت التاريخية والمصالح العليا للبلاد وهو التيار الذي يمثله الرئيس السنغالي الحالب
إن هذا التزامن يسقط في نظري تماماً فرضية “الصدفة” ويجعلني أوقن بأننا أمام معركة نفوذ صامتة وضارية في القارة السمراء حُسمت جولتها الحالية لصالح الحكمة والواقعية السياسية حيث أعادت إقالة الحكومة السنغالية ضبط بوصلة دكار نحو حليفها التقليدي
وفكك العفو الملكي لغماً كاد يعكر صفو العلاقات وسط ترحيب رئاسي وشعبي سنغالي حار
تأسيساً على ما تقدّم يثبت المحور المغربي-السنغالي مجدداً صلابته في وجه المتغيرات الإقليمية. فالأمر هنا لا يتعلق بتحالف سياسي مؤقت، بل برباط وثيق يجمع بين إرث تاريخي متجذر، ورؤية مستقبلية تمليها مصالح حيوية مشتركة لا تقبل القسمة على اثنين، مما يضمن لهذه العلاقات ديمومتها ومناعتها ضد أي اختراق.
يوسف غريب كاتب صحفي
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله