في سباق الذكاء الاصطناعي، لم تعد المعركة محصورة في النماذج الذكية أو التطبيقات التي تبهر المستخدمين، بل انتقلت بقوة إلى الطبقة التي لا يراها الجمهور: مراكز البيانات، المعالجات، وتكاليف تشغيل الخوارزميات على نطاق واسع. ومن هذه الزاوية، تبدو الصفقة الجديدة بين Snowflake وAmazon Web Services أكثر من مجرد اتفاق تجاري كبير؛ إنها إشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي في الشركات بدأ يتحول من مرحلة التجارب والعروض إلى مرحلة الاستخدام اليومي الثقيل، حيث تصبح كل ثانية معالجة وكل طلب حسابي جزءاً من اقتصاد ضخم جديد.
فبحسب ما نقلته Reuters، وقعت Snowflake اتفاقاً يمتد لخمس سنوات مع AWS بقيمة 6 مليارات دولار، يرتبط باستخدام معالجات Graviton والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي التابعة لأمازون. الخبر يأتي في توقيت حساس، لأن شركات التكنولوجيا الكبرى تتسابق على بناء بدائل أكثر كفاءة وتكلفة أقل أمام هيمنة Nvidia على جزء كبير من سوق رقائق الذكاء الاصطناعي.
صفقة بخمسة أعوام تعمق ارتباط Snowflake بأمازون
أعلنت Snowflake، المتخصصة في منصات البيانات السحابية، عن اتفاق جديد مع Amazon Web Services بقيمة 6 مليارات دولار على مدى خمس سنوات. الصفقة ليست مجرد شراء سعة حوسبة إضافية، بل ترتبط أساساً بتوسيع استخدام Snowflake لمعالجات AWS Graviton والبنية التحتية الموجهة لأحمال الذكاء الاصطناعي.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه Snowflake طلباً متزايداً من الشركات على أدوات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي. فالمؤسسات التي كانت تجرّب النماذج التوليدية في مشاريع محدودة بدأت تنقل جزءاً أكبر من أعمالها نحو منصات قادرة على تشغيل التحليلات، التلخيص الآلي، البحث الذكي، وبناء المساعدين الرقميين فوق بياناتها الداخلية.
لماذا تُهم معالجات Graviton في هذه الصفقة؟
اللافت في الاتفاق أن الحديث لا يدور فقط حول وحدات معالجة الرسوميات GPU، التي ترتبط غالباً بتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة، بل أيضاً حول معالجات CPU من نوع Graviton التي تطورها AWS اعتماداً على معمارية Arm. هذه المعالجات أصبحت مهمة لأن الاستخدام اليومي للذكاء الاصطناعي داخل الشركات لا يحتاج دائماً إلى تدريب ضخم، بل إلى تشغيل عدد هائل من المهام الصغيرة والمتوسطة بشكل مستمر.
فعندما ينتقل الذكاء الاصطناعي من المختبر إلى المكتب، تظهر حاجة كبيرة إلى معالجات قادرة على إدارة الاستعلامات، ترتيب البيانات، تشغيل وكلاء ذكيين، تنسيق خطوات متعددة، وربط الأنظمة المختلفة. هنا تصبح كفاءة المعالج، واستهلاكه للطاقة، وتكلفته لكل عملية، عناصر حاسمة في تحديد من يربح اقتصاد الذكاء الاصطناعي داخل السحابة.
Snowflake تراهن على AI داخل منصتها
تملك Snowflake موقعاً مهماً في هذا التحول لأنها ليست شركة تطبيقات استهلاكية، بل منصة توجد فيها كميات ضخمة من بيانات الشركات. ولذلك فإن أدواتها مثل Cortex AI وSnowpark تمنح المؤسسات إمكانية بناء تطبيقات ذكاء اصطناعي فوق البيانات التي تملكها، بدل نقلها إلى أنظمة أخرى أو إعادة هيكلتها من الصفر.
وبحسب معطيات Reuters، رفعت Snowflake توقعاتها لإيرادات المنتجات في السنة المالية 2027 إلى 5.84 مليارات دولار، مقابل 5.66 مليارات دولار في توقع سابق، مستفيدة من قوة الطلب على منصة البيانات الأساسية ومن مساهمة قدرات الذكاء الاصطناعي في نمو أعمالها. كما سجلت الشركة إيرادات ربع سنوية بلغت 1.39 مليار دولار، متجاوزة متوسط توقعات المحللين.
دفعة جديدة لأمازون في مواجهة سباق الرقائق
بالنسبة إلى Amazon، تمنح هذه الصفقة دليلاً جديداً على أن AWS لا تريد أن تبقى مجرد مزود سحابي يعتمد على رقائق الآخرين، بل تسعى إلى تثبيت موقعها كمصمم ومشغل لبنية حوسبة كاملة تخدم الذكاء الاصطناعي. فكلما زاد اعتماد الشركات على معالجات AWS الخاصة، زادت قدرة أمازون على التحكم في التكلفة، الأداء، والهامش التجاري داخل خدماتها السحابية.
هذه الرسالة مهمة في سوق تسيطر عليه Nvidia بقوة في جانب المعالجات الرسومية، بينما تتحرك شركات مثل Amazon وGoogle وMicrosoft لبناء رقائقها الخاصة أو توسيع استخدامها. ومع أن Nvidia لا تزال لاعباً مركزياً في التدريب والاستدلال المتقدم، فإن الصفقات الكبرى حول معالجات CPU الموجهة لأحمال الذكاء الاصطناعي اليومية توضح أن السوق أوسع من معركة GPU وحدها.
هل هذه ضربة مباشرة لـNvidia؟
لا يمكن اعتبار الصفقة إعلاناً عن خروج Snowflake من منظومة Nvidia أو استغناء الشركات عن معالجات الرسوميات، لأن الذكاء الاصطناعي الحديث يحتاج مزيجاً واسعاً من العتاد: GPU للتدريب والاستدلال الثقيل، وCPU لإدارة الأحمال اليومية، وربط الخدمات، وتشغيل الوكلاء، ومعالجة البيانات. لكن الصفقة تضع ضغطاً جديداً على فكرة أن مستقبل الذكاء الاصطناعي سيُحسم فقط داخل سوق GPU.
الأقرب إلى الدقة أن الاتفاق يكشف انتقال المنافسة إلى “طبقات” متعددة: من يملك البيانات؟ من يدير السحابة؟ من يصمم المعالجات؟ ومن يقدم للشركات تكلفة تشغيل مقبولة عندما يصبح الذكاء الاصطناعي خدمة يومية لا تجربة موسمية؟ في هذه الخريطة، تحاول AWS أن تربح حصة أكبر عبر معالجاتها الخاصة، وتحاول Snowflake أن تؤمن بنية أقل كلفة وأكثر قدرة على التوسع.
لماذا يهم الخبر الشركات والمستخدمين في المغرب؟
قد يبدو الخبر بعيداً عن القارئ المغربي لأنه يتعلق بشركتين أمريكيتين وسوق الحوسبة السحابية العالمي، لكنه يعكس تحوّلاً سيمس قريباً كل شركة تستعمل أدوات رقمية أو تفكر في الذكاء الاصطناعي. فكلما انخفضت تكلفة تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي داخل السحابة، زادت فرص ظهور خدمات أرخص وأكثر انتشاراً في مجالات التجارة الإلكترونية، البنوك، الإعلام، التعليم، اللوجستيك، وخدمة الزبناء.
بالنسبة للمقاولات المغربية الناشئة أو الشركات المتوسطة، فإن سباق AWS وMicrosoft وGoogle وNvidia لا يعني فقط أخبار بورصة، بل يعني مستقبلاً أدوات أكثر قوة لمعالجة البيانات، بناء روبوتات محادثة داخلية، أتمتة التقارير، وتحليل سلوك الزبناء. غير أن الاستفادة من هذه الموجة تتطلب أيضاً وعياً بمخاطر الاعتماد الكامل على مزود واحد، وحماية البيانات، وتقييم التكلفة الحقيقية للخدمات السحابية على المدى الطويل.
من التجربة إلى التشغيل اليومي
الرسالة الأساسية من صفقة Snowflake وAWS أن الذكاء الاصطناعي في عالم الأعمال بدأ يدخل مرحلة التشغيل. فالشركات لم تعد تكتفي بالسؤال: هل يمكننا تجربة Chatbot أو نموذج توليدي؟ بل أصبحت تسأل: كيف نشغل آلاف أو ملايين العمليات الذكية يومياً دون أن تنفجر الميزانية؟
وهذا ما يجعل معالجات CPU، التي قد تبدو أقل إثارة من رقائق GPU، في قلب النقاش الجديد. فالوكلاء الذكيون، أنظمة البحث الداخلي، تلخيص الوثائق، كتابة الأكواد، مراقبة البيانات، وربط التطبيقات، كلها تحتاج إلى حوسبة مستمرة ومنظمة، لا إلى لحظة تدريب واحدة فقط.
صفقة Snowflake وAWS بقيمة 6 مليارات دولار ليست مجرد عقد سحابي ضخم، بل مؤشر على أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تتحول إلى ساحة منافسة مفتوحة بين مزودي السحابة وصانعي الرقائق ومنصات البيانات. أمازون تحقق مكسباً واضحاً عبر Graviton، وSnowflake تؤمن طريقاً أوسع لتشغيل أدوات الذكاء الاصطناعي داخل الشركات، بينما تتلقى السوق رسالة جديدة: مستقبل AI لن تصنعه النماذج وحدها، بل أيضاً المعالجات التي تشغلها، والسحابات التي تحتضنها، والبيانات التي تغذيها.
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله