لا يحتاج إنقاذ حياة إنسان دائما إلى عملية جراحية معقدة أو تدخل طبي نادر. أحيانا، يكفي كيس دم واحد، وقرار بسيط من متبرع اختار أن يمنح جزءََ من دمه لمن لا يعرفه، لكنه قد يكون في أمسّ الحاجة إليه داخل غرفة ولادة، أو قسم مستعجلات، أو مصلحة لعلاج السرطان.
- ندوة تحسيسية قبل يوم التبرع
- الجامعة حين تنفتح على القضايا الإنسانية
- التبرع بالدم.. صدقة حياة لا يعرف المتبرع أثرها الكامل
- لماذا يحتاج المرضى إلى الدم؟
- التبرع بالدم في القانون المغربي: اختيار ووعي ومجانية
- الطلبة في قلب المبادرة
- جمعية أصدقاء المرضى وشركاء المبادرة
- من حملة ظرفية إلى ثقافة منتظمة
- أكادير 24 حضرت فعاليات هذه التظاهرة، وأعدت الروبورتاج التالي :

بهذه الروح الإنسانية، احتضنت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأكادير ندوة تحسيسية حول أهمية التبرع بالدم، أعقبها حملة للتبرع بالدم يوم الجمعة 15 ماي 2026 بمكتبة الكلية، بشراكة بين جمعية أصدقاء المرضى، والتمثيلية الجهوية للوكالة المغربية للدم ومشتقاته بجهة سوس ماسة، وكلية الحقوق بأكادير، وماستر القانون المدني والمعاملات الإلكترونية.

وتأتي هذه المبادرة في سياق حملة وطنية تروم نشر ثقافة التبرع بالدم، وترسيخ قيم التضامن الإنساني والتكافل الاجتماعي، خاصة داخل الوسط الجامعي، حيث لا يقتصر دور الطالب على التحصيل العلمي، بل يمتد إلى الانخراط في القضايا المجتمعية ذات الأثر المباشر على حياة المواطنين.

ندوة تحسيسية قبل يوم التبرع
تم تخصيص يوم الخميس 14 ماي 2026 لندوة تحسيسية حول أهمية التبرع بالدم، احتضنتها قاعة الندوات بكلية الحقوق بأكادير، بمشاركة الدكتور أحمد مصاير، الاختصاصي في أمراض النساء والتوليد، وأفازيد رشيد، رئيس مصلحة سلسلة توريد منتجات الدم ومشتقاته.

أما يوم الجمعة 15 ماي 2026، فخصص لحملة التبرع بالدم بمكتبة كلية الحقوق بأكادير، في مبادرة موجهة أساسا إلى الطلبة، لكنها تحمل رسالة أوسع إلى عموم المواطنين حول الحاجة إلى جعل التبرع بالدم سلوكا منتظما لا مناسبة ظرفية فقط.

وقال أفازيد رشيد، رئيس مصلحة سلسلة توريد منتجات الدم بالتمثيلية الجهوية للوكالة المغربية للدم ومشتقاته بجهة سوس ماسة، إن هذه الحملة تدخل في إطار توجه الوكالة نحو تكثيف الحملات التحسيسية، بهدف ترسيخ ثقافة التضامن الإنساني والتكافل الاجتماعي، وتعزيز المخزون الجهوي من الدم للتجاوب مع الحالات التي تحتاج إلى هذه المادة الحيوية.
الجامعة حين تنفتح على القضايا الإنسانية

من جانبه، أكد عبد العالي ماكوري، العميد بالنيابة لكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأكادير، أن المبادرة تحمل بعدا إنسانيا ومواطناتيا، مشيرا إلى أنها نُظمت بمبادرة من الماستر المذكور ، وبتنسيق مع جمعية أصدقاء المرضى والوكالة المغربية للدم ومشتقاته.
وأوضح ماكوري أن الهدف الأساسي يتمثل في تحسيس طلبة الكلية وطلبة الماستر والأندية الطلابية بأهمية التبرع بالدم، لما له من دور مباشر في إنقاذ الحياة البشرية، فضلا عن ضمان مخزون كاف من الدم لفائدة المرضى والمحتاجين إليه.

وتكشف هذه المبادرة عن وجه آخر للمؤسسة الجامعية، باعتبارها فضاء لإنتاج المعرفة، لكنها أيضا فضاء لترسيخ قيم المواطنة والتضامن والمسؤولية الاجتماعية. فالجامعة، حين تفتح أبوابها لمثل هذه الحملات، تحول الوعي الصحي إلى فعل جماعي ملموس.
التبرع بالدم.. صدقة حياة لا يعرف المتبرع أثرها الكامل

في السياق ذاته، أبرز الأستاذ محمد العالمي، المنسق البيداغوجي لماستر القانون المدني والمعاملات الإلكترونية بكلية الحقوق بأكادير، أن الحملة تأتي ضمن مبادرات إنسانية بتنسيق مع عمادة الكلية وعدد من الشركاء، وعلى رأسهم التمثيلية الجهوية للوكالة المغربية للدم ومشتقاته وجمعية أصدقاء المرضى ووزارة الصحة.
وشدد العالمي على أن التبرع بالدم يمكن أن يكون من أفضل صور الصدقة، لأن المتبرع قد لا يعرف الشخص الذي سينقذه، لكنه قد يساهم في إنقاذ حياة مريض يعيل أسرة كاملة، أو حالة مستعجلة تحتاج إلى الدم في وقت حرج.

وتنسجم هذه الرسالة مع ما تؤكده منظمة الصحة العالمية، التي تشير إلى أن نقل الدم ينقذ الأرواح ويحسن الصحة، غير أن عددا من المرضى في العالم لا يحصلون في الوقت المناسب على دم آمن عند الحاجة إليه. كما تؤكد المنظمة أن توفير دم آمن وكاف يجب أن يكون جزءا أساسيا من سياسة الرعاية الصحية الوطنية.
لماذا يحتاج المرضى إلى الدم؟
الحاجة إلى الدم لا ترتبط بحالة مرضية واحدة. فمشتقات الدم تستعمل في حالات متعددة، منها النزيف الحاد، بعض العمليات الجراحية، حوادث السير، مضاعفات الولادة، أمراض الدم، السرطان، والحالات الاستعجالية التي لا تحتمل الانتظار.
ولهذا لا تكفي الحملات الموسمية وحدها. فالمخزون الجهوي يحتاج إلى تجديد مستمر، لأن الدم ومشتقاته لا تُخزن إلى ما لا نهاية، ولأن الطلب عليها يتجدد يوميا داخل المستشفيات والمراكز الصحية.

وتشير منظمة الصحة العالمية، في حملة اليوم العالمي للمتبرعين بالدم لسنة 2025، إلى أن وحدة واحدة من الدم الآمن يمكن أن تساهم في إنقاذ ما يصل إلى ثلاث حيوات، وهو ما يبرز الأثر الكبير لفعل يبدو بسيطا في ظاهره.
التبرع بالدم في القانون المغربي: اختيار ووعي ومجانية
أهمية التبرع بالدم لا تلغي ضرورة احترام قواعده القانونية والطبية. فالقانون المغربي يؤكد أن التبرع بالدم يجب أن يكون اختياريا في جميع الأحوال، ولا ينبغي أن يمارس أي ضغط على المتبرع، الذي يجب أن يعبر عن إرادته بكل حرية ووعي. كما ينص الإطار القانوني على مجانية التبرع بالدم، وعدم جواز دفع أي أجر للمتبرع كيفما كان نوعه.
وهذا البعد مهم جدا في الحملات الجامعية والمجتمعية، لأن التحسيس لا يعني الإكراه، بل يعني تقديم المعلومة الصحيحة، وشرح الأثر الإنساني، ثم ترك القرار للمتبرع بعد التأكد من أهليته الصحية.

الطلبة في قلب المبادرة
لم تكن الندوة مجرد لقاء توعوي عابر، بل شكلت لحظة تفاعل بين الأساتذة والطلبة والفاعلين الصحيين والجمعويين. فقد دعا مصطفى الهلالي، الطالب الباحث بسلك الماستر، عموم المواطنين والطلبة إلى الانخراط في التبرع بالدم، مستحضرا البعد الديني والإنساني لهذا السلوك، ومذكرا بأن إنقاذ حياة إنسان عمل عظيم الأثر.
أما الطالبة عائشة أمغار، من كلية الحقوق بأكادير، فقد ربطت مشاركتها بتجربة شخصية داخل العائلة مع مرض السرطان والحاجة إلى الدم، مؤكدة عزمها على التبرع، وداعية باقي الطلبة إلى المشاركة في الحملة.

هذه الشهادات تمنح المبادرة قوتها الحقيقية. فحين يتحدث الطالب عن التبرع بالدم من زاوية إنسانية وقريبة، يصبح الخطاب أكثر تأثيرا من الأرقام وحدها. وحين ترتبط الحاجة إلى الدم بتجربة عائلية مباشرة، يفهم الحاضرون أن الأمر لا يتعلق بموضوع بعيد، بل بحاجة قد تطرق باب أي أسرة.
جمعية أصدقاء المرضى وشركاء المبادرة
تأتي هذه الحملة بشراكة مع جمعية أصدقاء المرضى، التي راكمت حضورا في المبادرات ذات الطابع الإنساني والاجتماعي، إلى جانب التمثيلية الجهوية للوكالة المغربية للدم ومشتقاته، وكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بأكادير، وماستر القانون المدني والمعاملات الإلكترونية.
وتكمن أهمية هذا النوع من الشراكات في الجمع بين الخبرة الصحية، والتنظيم الجامعي، والعمل الجمعوي، والتعبئة الطلابية. فالحملة الناجحة لا تحتاج فقط إلى نية حسنة، بل إلى تأطير طبي، وتنظيم محكم، وتحسيس مسبق، وتواصل واضح مع المتبرعين.
من حملة ظرفية إلى ثقافة منتظمة
أحد أكبر تحديات التبرع بالدم هو تحويله من فعل موسمي إلى ثقافة منتظمة. فالمخزون لا يُبنى بحملة واحدة، مهما كانت ناجحة، بل يحتاج إلى قاعدة واسعة من المتبرعين المنتظمين.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية في إقليم شرق المتوسط أن التبرعات الطوعية وغير المؤدى عنها تظل ضرورية لضمان إمدادات آمنة ومستدامة من الدم، خاصة وأن عددا من دول المنطقة لا يزال دون الحد الأدنى الموصى به دوليا من التبرعات لكل ألف نسمة.
من هنا تبدو أهمية استهداف الوسط الجامعي. فالطالب الذي يشارك اليوم في حملة للتبرع بالدم قد يتحول غدا إلى متبرع منتظم، وقد ينقل هذه الثقافة إلى أسرته وأصدقائه ومحيطه المهني.

حملة التبرع بالدم بكلية الحقوق بأكادير ليست مجرد نشاط صحي داخل فضاء جامعي، بل رسالة إنسانية تقول إن التضامن يمكن أن يبدأ من قاعة درس، ويمتد إلى سرير مريض ينتظر قطرة أمل.
في زمن تتعدد فيه الحاجات الصحية والاجتماعية، يبقى التبرع بالدم واحدا من أبسط الأفعال وأكثرها أثرا. لا يحتاج إلى خطاب كبير، بل إلى وعي، وثقة، وتنظيم، واستعداد لمنح الحياة لمن قد لا نعرف اسمه أبدا.
ومن داخل كلية الحقوق بأكادير، تتحول هذه المبادرة إلى درس عملي في المواطنة: أن يكون الإنسان قادرا على إنقاذ حياة غيره، لا بكثرة الكلام، بل بقرار هادئ، وذراع ممدودة، ودم يمنح الأمل.