في الساعات الأولى من الفجر، وقبل أن تستفيق القرى والدواوير المنتشرة بإقليم اشتوكة أيت باها على إيقاع يوم جديد، تكون آلاف النساء العاملات في الضيعات الفلاحية قد غادرن بيوتهن في اتجاه الحقول ومحطات التلفيف، بحثا عن لقمة العيش وسط ظروف اجتماعية ومهنية صعبة، غير أن رحلة العمل اليومية لا تبدأ فقط بمعاناة التنقل والاستيقاظ المبكر وطول ساعات العمل، بل تنطلق بالنسبة إلى كثير من العاملات بسؤال مؤرق: من سيهتم بالأطفال؟…
هذا السؤال الذي ظل لسنوات طويلة يرافق العاملات الزراعيات بالإقليم، تحول إلى واحد من أكثر الملفات الاجتماعية إلحاحا، بعدما ارتبط بحوادث مؤلمة عاشتها بعض الأسر نتيجة ترك الأطفال دون رعاية، في ظل غياب فضاءات آمنة تستقبل الرضع والأطفال الصغار خلال فترات العمل.
وبين هشاشة اجتماعية متفاقمة، وضغط اقتصادي يدفع النساء إلى العمل منذ ساعات الصباح الأولى، بدأت السلطات الإقليمية، بشراكة مع فاعلين مؤسساتيين وخواص وجمعيات محلية، في البحث عن حلول عملية لهذا الإشكال، عبر إطلاق تجربة حضانات “أشتوكن”، التي توصف اليوم بأنها محاولة اجتماعية غير مسبوقة بالإقليم، قابلة للتطوير والتعميم.
إقليم فلاحي يستقطب آلاف العاملات
تحول إقليم اشتوكة أيت باها، خلال العقود الأخيرة، إلى واحد من أكبر الأقطاب الفلاحية بالمملكة، بفضل التوسع الكبير للضيعات المتخصصة في الزراعات التصديرية، خصوصا الخضر والفواكه الحمراء.
هذا التحول الاقتصادي جعل المنطقة وجهة لعشرات الآلاف من العمال والعاملات القادمين من مختلف جهات المغرب، سواء للعمل الموسمي أو للاستقرار الدائم، وبفعل هذا التدفق البشري، تغيرت البنية الاجتماعية لعدد من الجماعات الترابية، خاصة بجماعتي أيت اعميرة وإنشادن وسيدي بيبي وواد الصفا والمناطق المجاورة.
ومع مرور السنوات، لم تعد المنطقة مجرد فضاء للعمل الزراعي الموسمي، بل أصبحت نقطة استقرار لعدد كبير من الأسر الهشة التي انتقلت للعيش قرب الضيعات الفلاحية، غير أن هذا التحول السريع لم يواكبه دائما تطور مماثل في الخدمات الاجتماعية الأساسية، ما خلق ضغطا متزايدا على قطاعات الصحة والتعليم والنقل والسكن.
ويبرز ملف حضانة الأطفال كأحد أكثر تجليات هذا التحول الاجتماعي تعقيدا، خصوصا أن نسبة مهمة من النساء العاملات هن أمهات لأطفال صغار، يضطررن يوميا إلى مغادرة المنزل في أوقات مبكرة جدا.
معاناة يومية تبدأ قبل الفجر
تبدأ رحلة كثير من العاملات الزراعيات قبل ساعات من شروق الشمس، فبعضهن يقطعن مسافات طويلة للوصول إلى نقط تجمع النقل نحو الضيعات، فيما تضطر أخريات إلى مغادرة البيت في حدود الرابعة أو الخامسة صباحا.
في هذه الأثناء، يجد عدد من الأمهات أنفسهن أمام خيارات صعبة؛ فإما ترك الأطفال لدى الجيران أو الأقارب، أو تكليف إخوة أكبر سنا بالعناية بهم، أو في حالات أكثر هشاشة تركهم بمفردهم داخل المنازل.
وتؤكد شهادات متطابقة من فاعلين جمعويين بالإقليم أن عددا من الحوادث الخطيرة التي تم تسجيلها خلال السنوات الماضية كانت مرتبطة بشكل مباشر بغياب فضاءات الرعاية، سواء تعلق الأمر بحوادث منزلية أو مشاكل صحية أو أوضاع إهمال طالت أطفالا صغارا.
ويقول فاعل جمعوي من المنطقة إن “الكثير من العاملات يشتغلن تحت ضغط نفسي كبير، لأنهن يغادرن أبناءهن دون ضمانات حقيقية للرعاية، خاصة الرضع والأطفال ما قبل سن التمدرس”.
ولا تقف المعاناة عند حدود الرعاية الأسرية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أخرى، إذ تجد نساء كثيرات أنفسهن مجبرات على الاختيار بين العمل وتأمين دخل الأسرة، أو البقاء قرب الأطفال.
هشاشة مركبة وظروف عمل قاسية
ملف حضانة الأطفال لا ينفصل عن السياق الاجتماعي والمهني العام الذي تعيشه العاملات الزراعيات بالإقليم، فإلى جانب الأجور المحدودة وعدم الاستقرار المهني في بعض الحالات، تواجه العاملات صعوبات مرتبطة بالنقل وظروف العمل الطويلة، إضافة إلى شكاوى متكررة بشأن ضعف الحماية الاجتماعية والتحرشات ومظاهر التفاوت في الأجور.
وتعتبر فعاليات حقوقية أن النساء العاملات في القطاع الفلاحي يوجدن في قلب هشاشة مركبة، تجمع بين الفقر والهشاشة الأسرية وضعف الخدمات الاجتماعية، ما يجعل أي مبادرة مرتبطة بالحماية الاجتماعية للأطفال ذات أهمية خاصة.
وفي ظل هذه المعطيات، أصبح توفير فضاءات حضانة آمنة مطلبا ملحا، ليس فقط لحماية الأطفال، بل أيضا لتخفيف الضغط النفسي والاجتماعي عن النساء العاملات.
“حضانات أشتوكن”.. تجربة اجتماعية ناشئة
أمام هذا الواقع، اتجهت السلطات الإقليمية إلى تعبئة عدد من الشركاء، من قطاعات وزارية ومؤسسات عمومية وفاعلين خواص وجمعيات محلية، لإطلاق تجربة أولية تروم توفير حضانات لفائدة بنات وأبناء العاملات الزراعيات.
ويتعلق الأمر بمشروع “حضانات اشتوكن”، الذي انطلقت أولى تجاربه بكل من جمعية اتحاد أيت علي بجماعة إنشادن، وأخرى بجماعة أيت اعميرة، باعتبارهما من أكثر المناطق استقطابا لليد العاملة النسائية.
وتهدف هذه التجربة إلى استقبال الرضع والأطفال ما قبل التعليم الأولي داخل فضاءات مجهزة، توفر شروط الرعاية الأساسية والتتبع الصحي والتربوي، بما يسمح للأمهات بالتوجه إلى العمل في ظروف أكثر اطمئنانا.
وبحسب معطيات مرتبطة بالمشروع، فإن هذه الحضانات تراهن على توفير بيئة آمنة للأطفال خلال ساعات العمل، مع إشراك أطر متخصصة في التربية والرعاية، فضلا عن اعتماد مقاربة تشاركية تجمع بين السلطات المحلية والجمعيات والقطاع الخاص.
من التجريب إلى التعميم
رغم أن المشروع ما يزال في بداياته، إلا أن القائمين عليه يعتبرونه خطوة أولى نحو بناء نموذج اجتماعي قابل للتوسع على مستوى الإقليم.
وتتجه السلطات الإقليمية وشركاؤها إلى التفكير في تعميم هذه الحضانات مستقبلا على جماعات أخرى تعرف كثافة في اليد العاملة الزراعية، خاصة مع تزايد الطلب على خدمات الرعاية الاجتماعية المرتبطة بالأطفال.
ويرى متابعون أن نجاح التجربة رهين بعدة شروط، من بينها ضمان التمويل المستدام، وتوفير موارد بشرية مؤهلة، إضافة إلى إشراك المقاولات الفلاحية الكبرى في تحمل جزء من المسؤولية الاجتماعية تجاه العاملات.
كما يشدد فاعلون جمعويون على ضرورة أن تواكب هذه المبادرات بسياسات اجتماعية أوسع، تشمل توسيع النقل اللائق، وتحسين ظروف العمل، وتقوية خدمات الصحة والتعليم بالمناطق المستقبلة للعمال والعاملات.
تحديات اجتماعية تتجاوز الحضانة
ورغم أهمية مشروع الحضانات، إلا أن عددا من المتابعين يعتبرون أن الإشكال أعمق من مجرد توفير فضاءات للرعاية، لأنه يرتبط بتحولات اجتماعية وديموغرافية متسارعة عرفها الإقليم خلال السنوات الأخيرة.
فالضغط المتزايد على المؤسسات التعليمية والمراكز الصحية والبنيات الأساسية يعكس حجم التحول الذي عرفته المنطقة، بعدما أصبحت قبلة لليد العاملة الزراعية من مختلف مناطق المملكة.
وفي مقابل الدينامية الاقتصادية التي خلقتها الفلاحة التصديرية، يطرح سؤال العدالة الاجتماعية نفسه بإلحاح، خصوصا في ما يتعلق بحقوق النساء العاملات وأسرهن.
ويؤكد مهتمون بالشأن الاجتماعي أن حماية الأطفال وتوفير شروط العيش الكريم للأسر العاملة يجب أن تكون جزء من أي نموذج تنموي محلي، خاصة في المناطق التي تعرف نشاطا اقتصاديا مكثفا.
بين ضرورات الاقتصاد وحقوق الإنسان
تضع تجربة “حضانات أشتوكن” إقليم اشتوكة أيت باها أمام اختبار اجتماعي مهم، يتمثل في كيفية التوفيق بين الدينامية الاقتصادية التي يعرفها القطاع الفلاحي، وبين الحاجة إلى حماية الفئات الهشة وضمان حقوقها الأساسية.
فالعاملات الزراعيات اللواتي يشكلن العمود الفقري لعدد من سلاسل الإنتاج الفلاحي، لا يطالبن فقط بفرص العمل، بل أيضا بحد أدنى من الحماية الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
وفي هذا السياق، تبدو حضانات الأطفال أكثر من مجرد فضاءات للرعاية؛ إنها محاولة لإعادة الاعتبار للبعد الاجتماعي داخل منظومة اقتصادية تقوم أساسا على اليد العاملة النسائية.
وبينما يترقب الفاعلون المحليون نتائج التجارب الأولى بكل من إنشادن وأيت اعميرة، يظل الأمل قائما في أن تتحول هذه المبادرة إلى نموذج وطني لدعم العاملات الزراعيات، وحماية الأطفال من مخاطر الهشاشة والإهمال.
نافذة أمل
في اشتوكة أيت باها، حيث تتقاطع رهانات الاقتصاد الفلاحي مع تعقيدات الواقع الاجتماعي، يبرز ملف حضانة أطفال العاملات الزراعيات كواحد من أكثر الملفات الإنسانية حساسية.
ورغم محدودية التجربة الحالية، إلا أنها تعكس وعيا متزايدا بأن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تنفصل عن التنمية الاجتماعية، وأن حماية الأطفال ودعم النساء العاملات لم يعد ترفا اجتماعيا، بل ضرورة ملحة تفرضها التحولات التي تعرفها المنطقة.
وبين حق النساء في العمل وحق الأطفال في الرعاية الآمنة، تحاول حضانات “أشتوكن” أن تفتح نافذة أمل وسط واقع اجتماعي معقد، عنوانه الأكبر: البحث عن الكرامة والأمان الاجتماعي.
رشيد بيجيكن – أكادير 24