لم تعد معركة الذكاء الاصطناعي تدور فقط داخل المختبرات، أو بين الشركات التي تطور النماذج والرقائق والخدمات السحابية. جزء كبير من السباق انتقل إلى وول ستريت، حيث تبحث الشركات عن تمويل ضخم لبناء مراكز بيانات، شراء معالجات متقدمة، وتوسيع البنية التحتية للطاقة. وفي هذا السياق، برزت السندات القابلة للتحويل كأداة مالية مفضلة لدى عدد متزايد من الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لأنها تمنحها مالاً أقل كلفة نسبياً، وتمنح المستثمرين فرصة للاستفادة إذا ارتفعت أسهم هذه الشركات لاحقاً.
طفرة غير مسبوقة في بداية 2026
وفق تقرير لوكالة Reuters، شهدت السوق الأمريكية للسندات القابلة للتحويل بداية قوية خلال 2026، مدفوعة بصفقات مرتبطة بتمويل الذكاء الاصطناعي. فقد بلغت الإصدارات نحو 34 مليار دولار خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة، أي ما يقارب ضعف الحجم المسجل في الفترة نفسها من 2025. وتشير هذه الوتيرة، بحسب التقرير نفسه، إلى أن السوق قد تتجه لتجاوز الرقم القياسي المسجل في السنة الماضية، حين تخطت الإصدارات 120 مليار دولار.
الأهم أن نحو نصف الصفقات تقريباً بات مرتبطاً، بشكل مباشر أو غير مباشر، بالذكاء الاصطناعي. ولا يتعلق الأمر فقط بشركات البرمجيات أو النماذج اللغوية، بل يمتد إلى مزودي الحوسبة السحابية، شركات الرقائق، مشغلي مراكز البيانات، وشركات الطاقة التي توفر البنية اللازمة لتشغيل هذا التوسع الضخم.
ما هي السندات القابلة للتحويل؟
السند القابل للتحويل هو أداة تمويل هجينة تجمع بين خصائص الدين وخصائص الأسهم. فالشركة تقترض المال من المستثمرين مثلما يحدث في السندات التقليدية، لكنها تمنح حامل السند حق تحويله لاحقاً إلى أسهم وفق شروط محددة. وبحسب تعريف Investor.gov التابع للجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، فإن الورقة المالية القابلة للتحويل تكون غالباً سنداً أو سهماً ممتازاً يمكن تحويله إلى ورقة مالية أخرى، عادة إلى أسهم عادية في الشركة.
بالنسبة للشركات، تبدو هذه الأداة جذابة لأنها قد تسمح بالحصول على تمويل بفائدة أقل من الدين التقليدي، خصوصاً إذا كان المستثمرون يراهنون على ارتفاع سعر السهم مستقبلاً. أما المستثمرون، فيقبلون أحياناً بعائد أقل مقابل فرصة المشاركة في صعود السهم إذا نجحت الشركة في تحويل استثماراتها إلى نمو فعلي.
لماذا يختار قطاع الذكاء الاصطناعي هذا النوع من التمويل؟
تحتاج شركات الذكاء الاصطناعي إلى رأس مال ضخم وبسرعة. فبناء مراكز البيانات، شراء الشرائح المتقدمة، توفير الطاقة، وتوسيع شبكات الحوسبة السحابية كلها مشاريع مكلفة، ولا تنتظر كثيراً في سوق تتسابق فيه الشركات على الريادة. هنا تظهر السندات القابلة للتحويل كحل وسط: تمويل الآن، مع احتمال تحويل جزء من الدين إلى أسهم لاحقاً إذا ارتفعت التقييمات.
كما أن ارتفاع أسعار الفائدة خلال السنوات الأخيرة جعل الاقتراض التقليدي أكثر كلفة. لذلك، قد تفضّل شركات النمو إصدار سندات قابلة للتحويل لأنها تخفض تكلفة الفائدة مقارنة ببعض أدوات الدين الأخرى، حتى إن كان ذلك يحمل احتمال تخفيف ملكية المساهمين مستقبلاً عند التحويل إلى أسهم.
أسماء كبيرة وصفقات بمليارات الدولارات
أورد تقرير Reuters أمثلة لافتة على هذه الموجة، بينها Oracle التي جمعت 5 مليارات دولار، وCoreWeave التي جمعت 4 مليارات دولار، إضافة إلى IREN Limited التي جمعت 2.6 مليار دولار. كما ظهرت شركات مرتبطة بالطاقة والرقائق، مثل NextEra وOn Semiconductor، ضمن دائرة الاهتمام، لأن الذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى الخوارزميات وحدها، بل إلى كهرباء، تبريد، خوادم، وشبكات قادرة على تحمل الطلب المتزايد.
هذا الاتساع في نوعية الشركات يكشف أن “اقتصاد الذكاء الاصطناعي” لم يعد محصوراً في شركات التكنولوجيا الكبرى، بل أصبح سلسلة تمويل كاملة تشمل البنية التحتية، الطاقة، الحوسبة، أشباه الموصلات، ومقدمي الخدمات السحابية المتخصصة.
المستثمرون يبحثون عن فرصة بين الدين والأسهم
الإقبال على هذه السندات لا يأتي من الشركات فقط. فالمستثمرون، خاصة بعض الصناديق والمؤسسات المالية، ينظرون إليها كأداة تسمح بالاستفادة من زخم الذكاء الاصطناعي من دون تحمل مخاطر الأسهم كاملة. فإذا ارتفعت أسهم الشركة، يمكن أن تزيد قيمة السند القابل للتحويل. وإذا لم يتحقق الصعود، يبقى للسند جانب دين يوفر قدراً من الحماية مقارنة بشراء السهم مباشرة، مع أن هذه الحماية ليست مطلقة وتعتمد على قدرة الشركة على السداد.
وتصبح هذه المعادلة أكثر جذباً في سوق متقلبة، حيث يبحث المستثمرون عن أدوات تمنحهم تعرّضاً لصعود التكنولوجيا، لكن مع بنية أكثر تحفظاً من الأسهم العادية. غير أن هذا لا يلغي المخاطر، خصوصاً حين تكون بعض الشركات حديثة العهد، أو تعتمد على توقعات نمو كبيرة لم تثبت بعد في الأرباح والتدفقات النقدية.
المخاطر: هل يتحول تمويل الذكاء الاصطناعي إلى عبء؟
رغم قوة الطلب، يحمل هذا الاتجاه أسئلة واضحة. فارتفاع الإصدارات قد يعني أن الشركات تموّل توسعاً ضرورياً، لكنه قد يعني أيضاً أن السوق تمنح رأسمالاً سخياً لشركات تراهن على مستقبل لم تتضح أرباحه بالكامل بعد. وكلما دخلت شركات أكثر مضاربة إلى سوق السندات القابلة للتحويل، زادت حاجة المستثمرين إلى التمييز بين الشركات ذات الطلب الحقيقي، وتلك التي تستفيد فقط من موجة الحماس حول الذكاء الاصطناعي.
كما أن التحويل إلى أسهم قد يخفف ملكية المساهمين الحاليين إذا ارتفع السهم وتم تنفيذ شروط التحويل. وفي المقابل، إذا تراجع السهم أو تعثرت الشركة، قد تتحول هذه السندات إلى دين ثقيل يجب سداده، وهو ما يضع ضغطاً إضافياً على الشركات التي لم تصل بعد إلى أرباح مستقرة.
ماذا يعني ذلك للأسواق؟
تعكس موجة السندات القابلة للتحويل أن تمويل الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة أكثر تعقيداً. لم يعد السؤال فقط: من يملك أفضل نموذج؟ بل أصبح أيضاً: من يستطيع تمويل البنية التحتية؟ ومن يقدر على تحمل كلفة الطاقة والرقائق ومراكز البيانات؟ ومن سينجح في تحويل هذه الاستثمارات إلى إيرادات كافية لتبرير الديون والتقييمات؟
بالنسبة لوول ستريت، تبدو هذه السوق مؤشراً على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد قصة أسهم فقط، بل أصبح قصة ديون وائتمان وتمويل طويل الأجل. وكلما كبرت المبالغ، أصبح الاختبار أكبر: هل نحن أمام دورة استثمارية ستخلق قيمة إنتاجية حقيقية، أم أمام موجة تمويل قد تكشف هشاشتها إذا خابت التوقعات؟
طفرة السندات القابلة للتحويل في الولايات المتحدة تكشف وجهاً جديداً من سباق الذكاء الاصطناعي: وجه التمويل. الشركات تحتاج إلى مليارات لبناء مراكز البيانات والبنية السحابية والطاقة، والمستثمرون يبحثون عن طريقة للمشاركة في الصعود من دون شراء الأسهم مباشرة. لكن خلف هذه الجاذبية، تبقى المخاطر حاضرة: ديون أكبر، احتمال تخفيف الملكية، وشركات قد تجد نفسها تحت ضغط إذا لم تتحول وعود الذكاء الاصطناعي إلى أرباح ملموسة. لذلك، فإن هذا السوق سيكون واحداً من المؤشرات المهمة على مدى متانة طفرة الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة.