اليوم العالمي لإفريقيا… حين يصبح المستقبل مسؤولية أجيال القارة
في الخامس والعشرين من ماي من كل سنة، لا تحتفل القارة الإفريقية بذكرى عابرة في سجل الأحداث السياسية، بل تستحضر ذاكرة أمةٍ كاملة، وتاريخ شعوبٍ قاومت الاستعمار، وصمدت أمام الاستغلال، وتمسكت بحقها في الحرية والكرامة والتنمية. إنه اليوم الذي تعود فيه إفريقيا إلى ذاتها، لتتأمل مسيرتها الطويلة بين آلام الماضي وآمال المستقبل، ولتؤكد من جديد أنها ليست مجرد جغرافيا واسعة أو خزّانًا للثروات الطبيعية، بل قارة الإنسان، وقارة الحضارة، وقارة الشعوب التي لا تزال تؤمن بقدرتها على النهوض رغم كل التحديات.
لقد عانت إفريقيا لعقود طويلة من ويلات الحروب والنزاعات والفقر والتبعية الاقتصادية، غير أن أخطر ما واجهته القارة لم يكن فقط نهب ثرواتها أو استنزاف خيراتها، بل محاولات ضرب وحدتها الإنسانية والثقافية، من خلال نشر خطاب الكراهية والتطرف والانقسامات العرقية والدينية والقبلية. ومع ذلك، أثبتت الشعوب الإفريقية أن روحها الحضارية أعمق من كل مشاريع التفكيك، وأن قيم التضامن والتعايش والأخوة الإنسانية ما تزال حيّة في وجدان أبنائها.
ومن هذا المنطلق، يبرز اليوم رهان أساسي يتمثل في بناء الإنسان الإفريقي القادر على قيادة مرحلة جديدة من التنمية والاستقرار. فإفريقيا المستقبل لن تُبنى بالسلاح ولا بالصراعات، بل بالعلم والمعرفة، وبإرادة الشباب، وبإيمان الأجيال الجديدة بأن القارة تستحق مكانتها بين أمم العالم. لذلك، فإن المسؤولية الكبرى تقع اليوم على عاتق الشباب الإفريقي، وخاصة الطلبة، باعتبارهم القوة الحقيقية لصناعة التغيير، وحجر الأساس في بناء إفريقيا أكثر عدالة وازدهارًا.
فالطالب الإفريقي لم يعد مجرد متلقٍ للمعرفة، بل أصبح فاعلًا أساسيًا في معركة التنمية والتحديث، وقادرًا على تحويل الجامعات والمؤسسات التعليمية إلى فضاءات للإبداع والابتكار وصناعة الحلول. ومن هنا، فإن مستقبل القارة يرتبط بمدى قدرة شبابها على التمسك بالعلم والعمل، والانفتاح على التكنولوجيا والمعرفة، وترسيخ ثقافة الحوار والتسامح والتعايش بدل السقوط في مستنقعات التطرف والانقسام.
إن إفريقيا اليوم تحتاج إلى شباب يؤمن بأن اختلاف الثقافات والأديان والأعراق ليس مصدر ضعف، بل مصدر قوة وغنى حضاري. كما تحتاج إلى جيل جديد يحمل مشروعًا إنسانيًا وأخلاقيًا قائمًا على احترام الكرامة الإنسانية، والدفاع عن قيم السلام والعدالة والتضامن بين الشعوب. فالقارة التي أنجبت حضارات عريقة، وقدمت للعالم نماذج تاريخية في التعايش والصمود، قادرة اليوم أيضًا على أن تصنع نهضتها الجديدة بسواعد أبنائها وبناتها.
وفي خضم هذه التحولات، تبرز المملكة المغربية، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، كنموذج إفريقي رائد في دعم مسار التنمية والاستقرار داخل القارة. فمنذ سنوات، اختار المغرب أن يجعل من انتمائه الإفريقي خيارًا استراتيجيًا وإنسانيًا، يقوم على التعاون جنوب–جنوب، وعلى بناء شراكات عادلة تُراعي مصالح الشعوب الإفريقية وتحترم سيادة الدول وخصوصياتها الثقافية والحضارية.
وقد نجح جلالة الملك محمد السادس في إعطاء بعد إنساني وروحي عميق للعلاقات المغربية الإفريقية، ليس فقط عبر المشاريع الاقتصادية والاستثمارية الكبرى، بل كذلك من خلال دعم التنمية الاجتماعية، وتعزيز التعاون في مجالات التعليم والصحة والفلاحة والطاقة والبنية التحتية. وإلى جانب ذلك، يواصل المغرب أداء دوره الريادي في نشر قيم الإسلام الوسطي المعتدل، عبر تكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، وترسيخ ثقافة التسامح والحوار والتعايش، بما يساهم في حماية المجتمعات الإفريقية من التطرف والكراهية والانقسام.
إن الرؤية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس تجاه إفريقيا تنطلق من قناعة راسخة بأن القارة لا تحتاج إلى مزيد من الهيمنة أو الاستغلال، بل إلى شراكات إنسانية حقيقية، وإلى تنمية تحفظ كرامة الإنسان الإفريقي وتمنحه الحق في الأمل والاستقرار والعيش الكريم. وهي رؤية تجعل من الإنسان محور التنمية، ومن التضامن الإفريقي أساسًا لبناء المستقبل.
وفي اليوم العالمي لإفريقيا، تتجدد الدعوة إلى كل النخب الفكرية والثقافية والسياسية والدينية داخل القارة وخارجها، من أجل توحيد الجهود لبناء إفريقيا جديدة؛ إفريقيا العلم والعمل، إفريقيا الوحدة بدل الانقسام، إفريقيا الحوار بدل الصراع، وإفريقيا التنمية بدل التبعية. كما تتجدد الرسالة إلى الشباب والطلبة الأفارقة بضرورة الإيمان بقدراتهم، وعدم الاستسلام لليأس، لأن مستقبل القارة سيُكتب بأفكارهم، وعلمهم، وإبداعهم، وإرادتهم في التغيير.
إن إفريقيا التي نحلم بها ليست إفريقيا الحروب والأزمات، بل إفريقيا الإنسان… إفريقيا الكرامة… إفريقيا العدالة… إفريقيا السلام… إفريقيا المستقبل المشرق الذي تصنعه شعوبها بإرادة قوية وإيمان لا ينكسر.
حفظ الله إفريقيا وشعوبها،
وحفظ صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده،
وجعل مستقبل القارة الإفريقية مستقبل وحدة وتنمية ونور وسلام.
بقلم :احمد بومهرود باحث في الإعلام و الصناعة الثقافية
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.
بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله