كلما أقبل عيد الأضحى، تصاعدت الأسئلة المؤرقة حول إن كانت ما تزال هذه الشعيرة تؤدي وظيفتها الروحية، أم أنها تحولت إلى مجرد طقس استهلاكي. في زمن يرتفع فيه سعر الخروف ويعلو فيه منطق الافتراس التجاري، وفي زمن ينشغل فيه الناس بشكلانية الأضحية قبل جوهرها، يصبح من الضروري إعادة النظر في علاقتنا بهذا الطقس الإبراهيمي. هل نحتفل بعيد الأضحى أم يحتقل “الفراقشية” بعيدهم؟
بل إن الأمر يتجاوز ذلك، حين تصبح هذه المناسبة عيدا للبنوك وشركات القروض، حيث يتحكم في اقتصاد هذا العيد لوبيات المال والجشع، فترتفع الأسعار جنونيا وتفتح ملفات الديون تحت غطاء واجب “تعظيم الشعيرة”.
في الأصل، تعيدنا شعيرة الأضحية إلى ملة سيدنا إبراهيم عليه السلام، حيث الامتثال لأمر الله بذبح الابن، ثم الفداء بالكبش العظيم “وفديناه بذبح عظيم”. إنها لحظة تجرد روحي، وتذلل للخالق، واستعداد لتقديم أغلى ما يملك الإنسان امتثالا للأمر الإلهي. وفي هذا السياق، يتجلى قوله تعالى “لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم”. إنها شعيرة تعبدية بامتياز، تحمل في جوهرها معاني التضحية والتسليم والرضا والقرب من الله.
لكن ما نراه اليوم على أرض الواقع مختلف تماما. وهنا يبرز السؤال الأعمق، ألم يحن الوقت لتجديد الخطاب الديني، والفصل بين الدين والتدين، وبين العبادة والعادة؟ فما نراه اليوم ليس انعكاسا للدين، بل لتدين استهلاكي ابتعد عن روح الأضحية. تحولت الأضحية إلى سباق استهلاكي محموم، وشعيرة إنهاك لعباد الله وطقس إرهاقي، لا علاقة لها بالهدي النبوي الذي جاء بالتيسير ورفع الحرج. والأدهى من ذلك أنها أصبحت سلعة خاضعة لمنطق السوق والجشع، حيث ترتفع الأسعار بشكل جنوني مع كل موسم، ويستغل الفراقشية حاجة الناس الدينية لتحقيق أرباح خيالية.
وفي خضم هذا التحول، تبرز قضية الصمت المريب لوزارة الأوقاف والمجالس العلمية وكل المؤسسات الدينية الرسمية، وكأنها تستقيل من دورها التوجيهي، مكتفية بخطب الوعظ العامة دون الدخول في تفصيلات المسألة. بل إن الأمر يتجاوز صمت المؤسسات، ليشمل أيضا صمت الفقهاء المستقلين عن هذه المؤسسات، وعموم الباحثين في الشأن الديني وأسئلته المعاصرة.
وهنا يبرز سؤال أكثر إلحاحاً: هل هذا الصمت راجع إلى كسل في الاجتهاد؟ أم إلى خوف من الاصطدام بمزاج الشارع المحافظ؟ أم إلى توجس من الاقتراب من حقل ديني تحتكر الدولة فيه حق الإفتاء والتكلم باسم الدين؟ غالباً ما يجتمع الثلاثة: كسل أكاديمي وفقهي يفضل تكرار الموروث على عناء التجديد، وخوف من غضب “الرأي العام المتدين” الذي ما زال يربط بين كثرة الذبائح وبين التعظيم، وخوف سياسي من مساحة محظورة لا يجرؤ أحد على فتح نقاش جوهري فيها لأنها من اختصاص المؤسسات الرسمية التي لا تحب المنافسين.
هناك حاجة ملحة لخوض أسئلة تسديد التبليغ الحقيقية، وكيف نحيي الشعيرة كما أرادها الله في زمن السوق والغلاء والجشع؟ كيف نراعي المقاصد الشرعية في التيسير على الناس بدلا من التعقيد؟ لماذا لا توجد بدائل عملية كالأضحية الجماعية الرمزية؟
إن الأمر يقتضي اليوم ضرورة إعمال الاجتهاد حول هذه الشعيرة، واستحضار فقه الواقع ومقاصد الشعيرة والتحولات الراهنة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والقيمية، بدلا من الجمود عند الفروع وتفريع الفروع وتجاهل الأصول والمقاصد. إن الأمر ليس مجرد سؤال “هل ذبحت أم لا؟” بل أسئلة أعمق عن جوهر التضحية ومقاصدها في زمن إسلام السوق. إن المؤسسات الدينية (الرسمية والمستقلة) بمختلف أنواعها، إلى جانب المدرسة والإعلام، مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى لفتح نقاش حول كيف نُحيي الشعائر دون أن تحولها آليات السوق إلى طقوس مرهقة ومستهلكة.
الدولة قادرة على التدخل بكل تأكيد. فهي التي تدير السوق وتنظم المذابح وتستطيع وضع الضوابط السعرية وتحديد هامش ربح معقول وإدارة سلاسل الإنتاج.. لكنها في الغالب تختار عدم التدخل، متذرعة بحرية السوق تارة، وبحساسية الشعائر الدينية تارة أخرى. وبهذا الحياد السلبي، تترك المواطن وحده في مواجهة “الشناقة” ومنطق الافتراس التجاري. يتحول العيد إلى عبء مالي يثقل كاهل الأسر المتوسطة والفقيرة، وتصبح الفرحة بالعيد حكرا على القادرين بينما يجد العاجزون أنفسهم أمام مشهد اجتماعي يزيدهم شعورا بالحرمان.
بل الأكثر إيلاما أن عيد الأضحى تحول في أذهان كثير من الأسر إلى لحظة رعب وهواجس، بدلا من أن يكون لحظة فرح. الأب يفكر من أين له بالثمن؟ الأم تحسب الحسابات وتستدين من هنا وهناك لشراء “الخروف الإبراهيمي” المفترض. الأبناء يترقبون بقلق لا بفرح.. لسنا إزاء تعظيم شعائر الله في الحقيقة، بل أمام تكريه شعائر الله إلى عباد الله. فكيف يقبل الناس على عبادة ترهقهم وتذلهم وتغرقهم في الديون قبل أن ترقيهم روحيا؟
“إن الله لطيف بعباده”، آية ومنهج تشريعي كامل يتجلى في التخفيف على المكلفين، وفي سد الذرائع المؤدية إلى المشقة والحرج. لكن بعض الممارسات تعطل هذه اللطائف والمنن الإلهية. إنها تلك الممارسات التي تجعل من الدين جسدا بلا روح، ومن الشعيرة طقسا جامدا تلفه العادات ومنطق السوق وتتحكم فيه الأوليغارشيات الاقتصادية.. تحولت العبادة إلى مشقة باهظة وإرهاق للأنفس والمواشي، وهذا أشد ما يخالف روح الإسلام السمحة التي جاءت “بالحنيفية السمحة”.
وهنا نصل إلى لب القضية.. ما يلزمنا اليوم ليس “الخروف الإبراهيمي”، بل “الإنسان الإبراهيمي” كما يقول الباحث منير الحجوجي.. الإنسان الإبراهيمي هو الذي يفهم معنى اقتسام فرحة العيش مع الآخر، هو من لا يهدأ له بال إلا وهو يقتسم ما يملك مع كل جائع. فالجوهر ليس في الذبح ذاته، بل في الروح التي تدفع إليه وفي الأثر الذي يتركه في النفس والمجتمع. سنحتفل لأول مرة ربما بعيد الأضحى حقيقة حين ننجح في هدم ذلك النسق المريض الذي تنحر فيه أقلية الأغلبية كل يوم بطريقة جديدة، تحت عناوين مختلفة، وبأدوات متجددة.
ربما آن الأوان لأن نفتح نقاشا مجتمعياوحقيقيا وجريئا حول عيد الأضحى، ليس حول جوازية الأضحية من عدمها، بل حول كيف نؤديها في زمن الندرة والغلاء والتفاوت الطبقي الصارخ. نقاش يتجاوز الخطاب الوعظي إلى مقاربات عقلية واقتصادية وتربوية.
في الخاتمة، نحن لا نقول بترك الشعيرة أو إلغائها، فهي شعيرة عظيمة لها أجرها ومكانتها. لكننا ندعو إلى تحريرها مما علق بها من ممارسات اجتماعية دخيلة واستهلاكية، وتحويلها من “إسلام السوق” الذي يجعل منها سلعة وأرقاما وديونا، إلى “الإسلام الإبراهيمي المحمدي” الأصيل. إسلام يجمع بين التوحيد الخالص والتضحية الحقيقية، والمواساة الفعلية، والتيسير على العباد، والتحرر من منطق الربح والخسارة التجاري إلى منطق القربى والتقوى والرحمة. إنها دعوة لاستعادة طقس عيد الأضحى من قبضة السوق والبنوك إلى روحانيته الأولى التي جعلته شعيرة تضحية لا عبئا، وقربة لا استنزافا..
سعيد رحم.