أمل تيزنيت.. حين يظهر “المنقذ” كل خمس سنوات و يحاول سرقة ذاكرة الصعود

لاعبي أمل تيزنيت في الحصة التدريبية الاخيرة

هناك لحظات في كرة القدم لا تختبر الفريق وحده، بل تختبر ذاكرة المدينة كلها. وأمل تيزنيت اليوم يعيش واحدة من هذه اللحظات. فريق ينافس في مقدمة القسم الثاني، يحلم بالصعود، يقاوم الإكراهات، يراكم النقاط، ويجعل جمهورا كاملا يتابع كل دورة وكأنها امتحان للكرامة الرياضية للإقليم.

لكن، كما يحدث غالبا في مواسم الانتخابات، لا يظهر فقط حلم الصعود. يظهر معه نوع آخر من اللاعبين، لا يدخلون الملعب، ولا يتعبون في التداريب، ولا يسافرون مع الفريق في مباريات صعبة، ولا يعرفهم الجمهور في أيام البرد والهزائم والخصاص. يظهرون عندما تقترب الصورة من أن تصبح رابحة. يظهرون عندما يصبح الفريق خبرا. يظهرون عندما تقترب الانتخابات.

فجأة، يخرج “المنقذ”. يأتي بيد ممدودة، وصورة جاهزة، وخطاب ناعم، وربما دعم مالي أو وعد بالدعم. ثم يريد من المدينة أن تنسى كل ما سبق. كأن أمل تيزنيت بدأ يوم حضوره. كأن اللاعبين لم يعرقوا من قبل. كأن المكتب لم يواجه أزمة قبل ذلك. كأن الجماهير لم تسند الفريق طيلة الموسم. كأن الذين دعموا بصمت، أسبوعا بعد أسبوع وشهرا بعد شهر، لا وجود لهم.

هذه ليست رياضة. هذا اختبار للذاكرة.

أمل تيزنيت لا يعيش موسما عاديا. الفريق يوجد ضمن كوكبة المقدمة في البطولة الاحترافية إنوي للقسم الثاني، ووفق المعطيات المتداولة بعد الدورة 25، بلغ 38 نقطة في المركز الثالث، بعد تعادله مع الاتحاد الرياضي لأبي الجعد، وهو رقم يبقيه داخل سباق الصعود ويؤكد أنه ليس مجرد فريق عابر في جدول الترتيب. وقبل ذلك، أظهرت جداول حديثة بعد 24 مباراة أن الفريق كان في المركز الثالث بـ37 نقطة، من 8 انتصارات و13 تعادلا و3 هزائم، مسجلا 30 هدفا مقابل 20 هدفا في مرماه، أي بفارق أهداف إيجابي بلغ +10.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات. إنها تقول إن أمل تيزنيت بنى موسمه بالتراكم، لا بالصدفة. فريق لا يخسر كثيرا. فريق يعرف كيف يجمع النقاط. فريق يملك صلابة واضحة، لكنه دفع أيضا ثمن كثرة التعادلات التي حرمته من نقاط إضافية كان يمكن أن تقربه أكثر من الصدارة. ومع ذلك، ظل حاضرا في الصفوف الأولى، ينافس وداد تمارة والمغرب التطواني وشباب المسيرة وشباب أطلس خنيفرة، في سباق لا يرحم.

وهنا يصبح السؤال قاسيا: أين كان “المنقذ” عندما كان الفريق يحفر طريقه في صمت؟ أين كان عندما كانت النقطة خارج الميدان تساوي ذهبا؟ أين كان عندما كان اللاعبون يحتاجون التحفيز قبل المباريات الحاسمة؟ أين كان عندما كانت الجماهير تسافر وتتابع وتغضب وتفرح؟ لماذا يظهر الدعم الكبير غالبا عندما يصبح الفريق قريبا من لحظة رمزية، وعندما تصبح الصورة قابلة للاستثمار؟

لا أحد عاقل يرفض الدعم عن أمل تيزنيت. الفريق يحتاج المال، كما تحتاج كل الأندية التي تحمل طموح الصعود. والمدينة يجب أن تشكر كل من يساعد، من أي موقع كان، مادام الدعم واضحا وشفافا وغير مشروط بتحويل النادي إلى منصة انتخابية. لكن الفرق كبير بين من يدعم الفريق لأنه يؤمن به، ومن يدعم لحظة الفريق لأنه يرى فيها فرصة لتلميع صورته.

الدعم الحقيقي لا يحتاج إلى كاميرا كل مرة. الدعم الحقيقي لا ينتظر موسم الانتخابات. الدعم الحقيقي لا يظهر فقط عندما يصبح الحلم قريبا. الدعم الحقيقي هو أن تكون مع النادي في بداية الموسم، في منتصفه، وفي نهايته. أن تسانده عندما لا يكون حديث الناس. أن تحضر عندما لا تكون الصورة مربحة. أن تساعد عندما يكون الفريق في أزمة، لا عندما يصبح في موقع يسمح بتوزيع بطاقات البطولة الرمزية على المتأخرين.

المثير أن بعض من ينتقدون قبول الدعم في هذا التوقيت يخطئون الهدف أحيانا. فالمكتب المسير، إذا كان يواجه أزمة مالية، من حقه أن يرحب بكل دعم قانوني وشفاف يخدم الفريق. المشكل ليس في أن يقبل النادي دعما. المشكل في أن يُترك النادي أصلا حتى يصبح محتاجا إلى “منقذ” موسمي. المشكل في ضعف المنح، وفي غياب رؤية مؤسساتية، وفي ربط الرياضة بالمزاج السياسي لا بالسياسة العمومية المحلية.

أمل تيزنيت، وهو يمثل مدينة وإقليما وجمهورا، لا ينبغي أن يعيش بمنطق الصدقات الموسمية. يجب أن يستفيد من دعم قار وواضح: جماعة، مجلس إقليمي، فاعلون اقتصاديون، مستشهرون، ومدينة تعتبر فريقها جزءا من صورتها. أما أن يظل الفريق يقتات من مبادرات متفرقة، ثم يظهر شخص كل خمس سنوات ليقدم نفسه كصاحب الفضل، فهذا استغباء لذاكرة الجمهور.

والجمهور ليس قاصرا. جمهور أمل تيزنيت يعرف جيدا من حضر ومن غاب. يعرف من تابع الفريق وهو يتعادل خارج الميدان، ومن دعم اللاعبين في اللحظات الصعبة، ومن كان يكتفي بالانتظار حتى تقترب الكاميرا. يعرف أيضا أن الفريق لم يصل إلى المركز الثالث ببركة صورة انتخابية، بل بعمل ميداني، وتضحيات، وانضباط، ودعم متفرق من رجال ونساء لا يطلبون تصفيقا.

هذا هو جوهر القضية: هناك من يراهن على ضعف ذاكرة المواطن. يظن أن الجمهور سينسى أن الموسم طويل، وأن الأهداف تُسجل في الملعب، وأن النقاط تُجمع بالعرق، وأن الصعود لا يصنعه ظهور متأخر. يظن أن الناس سترى “الشكارة” وتنسى المسار. سترى الزيارة وتنسى جدول الترتيب. سترى الوعد وتنسى من كان مع الفريق قبل أن يصبح الوعد مفيدا انتخابيا.

لكن أمل تيزنيت أكبر من هذه الحسابات. أكبر من داعم موسمي. أكبر من منتخب يريد القرب من المدرجات عند الحاجة. أكبر من صورة في لحظة حساسة. النادي ملك لمن حمل اسمه عندما كان بعيدا عن الأضواء، لا لمن يريد أن يدخل من باب المجد عندما يصبح الحلم قريبا.

إذا كان هناك من يريد دعم أمل تيزنيت، فليدعمه بوضوح. ليضع دعمه في حساب النادي. ليقبل نشر الأرقام. ليحترم المكتب والجمهور. ليعرف أن الدعم لا يمنحه حق احتكار الصورة ولا حق إعادة كتابة التاريخ. الفريق لا يبيع ذاكرته مقابل شيك. والجمهور لا يمنح شهادة “المنقذ” لمن وصل متأخرا إلى الحكاية.

أما المؤسسات المنتخبة، فعليها أن تفهم أن الرياضة ليست مناسبة للتقاط الصور، بل مسؤولية مستمرة. فريق ينافس على الصعود إلى القسم الأول يجب ألا يعيش بمنحة ضعيفة ولا بتدخلات مناسباتية. إذا كانت المدينة تريد فعلا فريقا في مستوى تطلعاتها، فعليها أن تبني معه مشروعا: تمويل مستقر، بنية محترمة، تكوين، استشهار، حكامة، وتعاقد واضح على النتائج.

ولا بد من قولها بصراحة: من العبث أن نحتفل بالمنح العمومية الهزيلة كما لو كانت إنجازا. المال العام الموجه للنادي ليس هدية شخصية من منتخب أو مسؤول. إنه واجب مؤسساتي تجاه فريق يمثل المدينة. ومن يريد الافتخار فعلا، فليفتخر برفع الدعم، بجلب مستشهرين دائمين، ببناء مشروع رياضي، لا بصرف ما كان يجب صرفه أصلا.

أمل تيزنيت اليوم في لحظة تحتاج إلى وحدة، لا إلى مزايدات. يحتاج إلى دعم، لا إلى ركوب. يحتاج إلى هدوء، لا إلى حرب صور. يحتاج إلى كل أبناء الإقليم داخل الوطن وخارجه، لكن على قاعدة واحدة: النادي أولا، الصعود أولا، والذاكرة لا تُشترى.

قد يقبل النادي الدعم من الجميع، وهذا حقه. لكن الجمهور له الحق في أن يسأل: لماذا الآن؟ ولماذا فقط الآن؟ ومن كان هنا قبل الآن؟ هذا السؤال ليس حقدا على الداعم، بل دفاعا عن الحقيقة. فمن يريد الخير للفريق لا يخاف من سؤال الذاكرة.

هذا، وفريق أمل تيزنيت لا يحتاج إلى “منقذ انتخابي” يظهر كل خمس سنوات. يحتاج إلى مؤسسات لا تغيب. إلى رجال أعمال لا ينتظرون اللحظة المربحة. إلى جمهور يواصل الحضور. إلى مكتب مسير يعلن الأرقام بوضوح. إلى مدينة لا تسمح لأحد بسرقة حلمها.

الفريق صنع نتائجه فوق الملعب. والذين يريدون سرقة الصورة في آخر الطريق عليهم أن يعرفوا أن الجمهور الرياضي لم يعد يصفق بسهولة. ذاكرته ربما تتعب، لكنها لا تموت.

عبدالله بن عيسى كاتب عام سابق لفريق أمل تيزنيت  

خلاصة الرأي

يعيش أمل تيزنيت موسما قويا في مقدمة القسم الثاني، لذلك يثير ظهوره المفاجئ داخل حسابات بعض الداعمين الموسميين، قبيل المحطات الانتخابية، سؤالا مشروعا حول حدود الدعم الرياضي حين يختلط بحسابات الصورة والمصلحة.

  • الفريق بلغ، وفق المعطيات المتداولة بعد الدورة 25، 38 نقطة في المركز الثالث، ما يبقيه داخل سباق الصعود.
  • الدعم مطلوب ومحمود، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول إلى منصة انتخابية تمحو جهود من ساندوا الفريق بصمت طوال الموسم.
  • الحل في دعم مؤسساتي قار وشفاف، لا في ظهور “منقذ” كل خمس سنوات عندما تصبح الصورة قابلة للاستثمار.
شارك هذا المقال
لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. التعليقات النظيفة تُنشر، والمحتوى المخالف أو الإشهاري يُحال للمراجعة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات الزوار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أكادير24

بإمكانكم تغيير عرض التعليقات حسب الاختيارات أسفله